من تجارب الحركة النقابية خلال الحكم العسكري الأول

صديق الزيلعي
المقدمة:
هذا هو الكتاب الخامس في سلسلة وثائق الحركة النقابية السودانية. صدر الكتاب الأول بعنوان: وثائق هيئة شئون العمال، أول نقابة رسمية في تاريخ السودان. الكتاب الثاني هو: وثائق الشفيع أحمد الشيخ. أما الكتاب الثالث فعنوانه: نضال النقابات ضد الحكم الاستعماري. ونشر الكتاب الرابع وثائق الحركة النقابية خلال الحكم الوطني الأول.
اقتطف فقرات مما جاء في مقدمة الكتاب الأول عن هذا المشروع ما يلي:
” بدأت فكرة تجميع وثائق الحركة النقابية السودانية في عام 2006، عندما كنت اعد ورقة اكاديمية، عن الحركة النقابية السودانية، لتقديمها في المؤتمر العالمي للحركات الاجتماعية، الذي انعقد في جامعة مانشستر متروبوليتان، في ذلك العام. ما اثار اهتمامي، بل بصدق استغرابي، قلة المراجع عن الحركة النقابية السودانية. وانا اعرف الحركة النقابية وتاريخها الطويل. فقد قرأت بعض ما كتب عنها، وسمعت عن الحركة من أجيال من القادة النقابيين، عندما كنت مشرفا على صفحة يومية عن اخبار الحركة الجماهيرية بجريدة الميدان، خلال الديمقراطية الثالثة 1985 – 1989. قابلت، خلال تلك الفترة المئات من النقابين، من مختلف الاتجاهات والفئات، وسمعت منهم قصص نضالاتهم وتضحياتهم وتجاربهم وممارستهم للديمقراطية النقابية. هكذا تعلمت الكثير منهم، وتعرفت عن قرب عن بعض جوانب عظمة الحركة النقابية السودانية، التي تميزت بها على المستوي المحلي والإقليمي والعالمي. لذلك قررت ان افعل شيئا، وبدأ اهتمامي بالبحث عن وثائق الحركة النقابية وتجميعها وحفظها بشكل يليق بها. وأن يتم ذلك من خلال جمع كل ما صدر عنها (كتب، كتيبات، مذكرات، بيانات، جرائد، مجلات، صور، ملصقات، تسجيلات صوتية، مخطوطات كتبت باليد) خلال عمر الحركة النقابية التي ابتدأت بنهاية الحرب العالمية الثانية.
تقدمت بطلب عن طريق معهد دراسات العمل بجامعة لندن متروبوليتان (حيث كنت اعمل) الي المكتبة البريطانية لتمويل البحث، في إطار مشروعها العالمي لإنقاذ الوثائق المهددة بالاندثار. تمت الموافقة الأولية على الطلب. والمرحلة الأولى هي اجراء دراسة جدوى للمشروع البحثي. تمت الدراسة وتقدمت بطلب لتمويل مشروع كامل. دخل طلبي في منافسة مع طلبات من بلدان متعددة، وتم اجازته.
زرت السودان عدة مرات لإنجاز المشروع، أولها في عام 2009. تكشفت لي، خلال عملي الميداني، حقائق مؤلمة عما حدث لهذا التاريخ المتفرد. فدار الوثائق المركزية، باعتبارها حافظ تراثنا الوثائقي القومي، والجهة المنوط بها تجميع وحفظ كل الوثائق السودانية، لا تملك الا القليل من الكتيبات التي أصدرتها الحركة النقابية السودانية. وكمثال اخطر وأكثر ايلاما، يعكس التاريخ المؤلم لوثائق الحركة النقابية، ان نقابة كنقابة عمال السكة الحديد، بكل تاريخها المجيد، واسهامها الضخم في النضال ضد الاستعمار، وضد الأنظمة الدكتاتورية، لا يوجد من وثائقها الا القليل. قس على ذلك نقابات المحامين والأطباء والمعلمين والاشغال والمهندسين وأساتذة الجامعة وعمال النسيج (القائمة طويلة لا يتسع المجال لذكرها كلها).
زرت مكاتب اتحاد نقابات عمال السودان، قيادة الحركة النقابية ورمزها الوطني، فوجدت، ارشيفا للفترة من 2002 وحتى يوم الزيارة. الغريب ان ذلك الأرشيف هو، فقط، محاضر اجتماعات المكتب التنفيذي للاتحاد. وهكذا، بطريقة مريبة، اختفي كل تراث اتحاد العمال، الطويل والمتنوع والمتميز.
استمرت رحلة البحث المضنى، وتقودني جولات البحث لأذهب الى مكتب مسجل عام النقابات (يسمي حاليا مسجل عام تنظيمات العمل)، لدوره المحوري والمؤثر في العمل النقابي. بعد جهود مضنية لمقابلته، حظيت بدقائق معدودات، وقد ساعدتني الصدفة البحتة لمقابلته. عندما شرحت غرضي من الزيارة، كان رده مختصرا وحاسما، بانه لا يحتفظ بأي وثيقة بعد مضي ستة أشهر عليها. الغريب ان ذلك يتعارض، تماما، مع قانون دار الوثائق المركزية، الذي وقعه البشير شخصيا، حيث يؤكد مسئولية دار الوثائق عن كل الوثائق العامة، وإنها الجهة الوحيدة التي تقرر الاحتفاظ بها أو التخلص منها. عندما تحدثت عن ذلك مع الفريق تاج الدين (مدير قسم جمع الوثائق) وكان رده صادما ويعكس الى اين وصلت الدولة السودانية في ظل تحكم الاسلامويين (يعني اعمل ليه شنو؟). تتواصل الزيارات وأذهب الي مكتب قسم الشئون القانونية للقوات المسلحة لأسأل عن المحاكمات العسكرية التي تمت لمدنيين وخاصة محاكمة الشفيع أحمد الشيخ الشهيرة، التي حوكم فيها بالسجن خمس سنوات. أجاب المدير بأنني احتاج لإحضار خطاب من القائد العام للقوات المسلحة، موافقا على امدادي بالمعلومات التي اطلبها، حينها اقتنعت باستحالة الوصول للقائد العام. كما قادتني رحلة البحث الي مكاتب رئاسة الامن، والسبب ان جهاز الامن، على مر الأنظمة التي مرت على بلادنا، صادر الاف الوثائق من الذين يتم اعتقالهم، شرحت الغرض من الزيارة لموظف الاستقبال. طلب مني كتابة طلب وان اتركه بالاستقبال وترك رقم تلفوني. وعندما لم أتلقي ردا، رغم مرور فترة من الزمن. زرت مكاتب الامن مرارا أخرى، بعد ذلك، للاستفسار عن طلبي، كان الرد دائما: (لم يصلنا رد من القيادة)، ثم أخيرا طلبوا مني، بعنجهية، الا أحضر مرة أخرى.
سافرت الي مدينة عطبرة، وانا أمنى النفس بالاطلاع على أرشيف منظم وشامل. فوجئت بعدم وجود شيء وحتى بعض الصور التاريخية الهامة كانت معروضة في لوح زجاجي في فرندة، مما ادي لان تبهت تحت اشعة شمس عطبرة القوية.
لم يدخل اليأس قلبي فصرت أذهب الى بيوت النقابيين السابقين أو الي اسرهم. وقد نجحت في بعض الزيارات. وقد سعدت بما وجدته في منزل البروف سيد أحمد محمود من وثائق لحركة المعلمين. ولكن ظني خاب في معظم بقية الزيارات.
ما كتبته، أعلاه ، هو اختصار شديد لشهور طويلة من الزيارات الي الجهات الرسمية ومكاتب النقابات وزيارة اسر النقابيين الحاليين والسابقين. وكانت الحصيلة صادمة ومؤلمة. أسباب ضياع وثائق النقابات متعددة، لكن الخصها في الآتي:
• التدمير المقصود لأرشيف النقابات. أسطع مثال ما قام به عباس الخضر من حرق كل الوثائق الموجودة في دار نقابة عمال السكة الحديد بعطبرة. ويقول شهود الحريق ان النار كانت مشتعلة لمدة ثلاث أيام.
• عدم الانتباه لأهمية الأرشيف مما أدى لإهماله وضياعه كنتاج لذلك.
• لا توجد ثقافة حفظ الوثائق بشكل سليم، يحميها من العوامل المختلفة.
• فشل دار الوثائق في الوصول للنقابات لجميع وثائقها، او تنويرها بأهميتها أو الأسس الصحيحة لحفظها.
• قيام بعض القادة النقابيين بأخذ الوثائق معهم الي منازلهم بعد انتهاء دورتهم النقابية، كأنها ممتلكات خاصة.
نجح المشروع، رغم كل الصعوبات والعقبات، في تجميع الالاف الوثائق النقابية، التي كانت مهملة ومعرضة للضياع. تم إيداع نسخة من المادة المجمعة بدار الوثائق المركزية، حتى تتوفر للأجيال الجديدة من الباحثين، ونسخة في مركز محمد عمر بشير للدراسات السودانية بالجامعة الاهلية، وكذلك في المكتبة البريطانية ببريطانيا، وأخرى اودعتها في مكتبة اتحاد النقابات البريطانية الموجودة في جامعة لندن متروبوليتان.
الدمار الذي حدث لوثائق الحركة النقابية، تجعل هذا الكتاب الخامس ( فترة انقلاب عبود) يعتمد على المصادر الثانوية، التي صدرت عن تلك الفترة. المؤسف ان معظم، ان لم نقل كل، وثائق تلك الفترة قد ضاعت، أو مهملة في مكان غير معروف. لذلك اعتمادنا على المواد المكتوبة وليست الوثائق الاصلية، مما يشكل نقصا في الكتاب. ونؤكد ان هذه المصادر تحمل اراء من اصدروها، ولكننا عمدنا لإعادة نشرها لتمليك القارئ معلومات عن فترة هامة من تاريخنا السياسي الحديث. وكمثال ننشر مقتطفات من كتاب النقابي الحاج عبد الرحمن وكذلك مقتطفات من كتاب النقابي على محمد بشير، وهما كانا على طرفي نقيض في نقابات تلك الفترة. ونعتقد ان رؤاهما تكمل الصورة، وتجعلها أكثر موضوعية. بالإضافة لنشرنا ما نشر في كتاب ثورة شعب الذي أصدره الحزب الشيوعي، بالطبع يحمل رؤية الحزب للأحداث، لكن يحوي عشرات البيانات والمعلومات الهامة.
يشتمل هذا الكتاب على ستة فصول:
• مقدمة مختصرة تربط القارئ بفكرة وبداية مشروع توثيق الحركة النقابية السودانية، وتكشف حجم الدمار الذي حدث لوثائق الحركة النقابية، والعقبات التي واجهها تنفيذ المشروع، خلال العمل الميداني في السودان.
• الفصل الأول هو فصل تم نقله من كتاب بعنوان ثورة شعب أصدره الحزب الشيوعي السوداني. ويعتبر أكثر الاعمال وادقها التي وثقت للنضال ضد الحكم العسكري الأول. ورغم انه يحوي رؤية الحزب الشيوعي للنضال النقابي، خلال تلك الفترة، الا أن القاري سيطلع على عدد كبير من الوثائق والتفاصيل النقابية. ويفصل الكتاب المعارك التي خاضتها النقابات العمالية، وكيف تعامل معها الحكم العسكري الأول.
• الفصل الثاني بعنوان جماهير المزارعين في النضال ضد الدكتاتورية وهو منقول من نفس كتاب ثورة شعب. ويضيف هذا الفصل لما طرحه الفصل السابق عن نضالات نقابات العمال، ويفصل نضالات المزارعين ضد الدكتاتورية العسكرية.
• الفصل الثالث يحوي تحليل لفكرة الاضراب السياسي العام، والتخطيط والتحضير الذي تم لإنجازه قبل سنوات من اندلاع ثورة أكتوبر المجيدة.
• الفصل الرابع هو جزء من كتاب النقابي الحاج عبد الرحمن، الذي صدر بعنوان: ملامح من تاريخ الحركة النقابية”، ويتعرض لتلك السنوات الست. النقابي الحاج من مؤسسي وقادة نقابة عمال السكة الحديد.
• الفصل الرابع هو فصل من كتاب النقابي على محمد بشير ” من تاريخ الحركة النقابية في السودان، التي يتعرض فيها للعمل النقابي خلال فترة الحكم العسكري. والنقابي على من مؤسسي الحركة النقابية لعمال السكة الحديد.
• الفصل الخامس يضم النص الكامل لقانون النقابات لسنة 1960م الذي استبدل القانون الأصلي لسنة 1948م. وهو القانون الذي صدر بعد ضغوط محلية وعالمية رفضا لقرار حل النقابات، بعد الانقلاب مباشرة، وإلغاء قانون النقابات الموجود.
• الفصل السادس هو كتيب بعنوان نظرات في التنظيم النقابي. صدر ضمن سلسلة كان يصدرها مكتب العمل التابع لوزارة الاستعلامات والعمل، التي أصدرت خلال عهد عبود مجموعة كبيرة من الكتيبات أسمتها ” الكتاب الشهري”. ووصفت الغرض من إصدارها بانها: دراسات متخصصة في حقل العمل والعمال. وإنها ” تبسيط للحقائق ونهج جديد في شرح الموضوعات يهدف الى تعريف القارئ العادي بالمعالم الرئيسية للتكوين الاقتصادي والاجتماعي للموارد البشرية في السودان”.

• خاتمة.
يقدم هذا الكتاب عرضا وافيا للتحضير والمعارك التي سبقت اندلاع الثورة. ثورة 21اكتوبر، والتي ما كان يمكن ان تكون ولا ان تنتصر بدون المعارك الطويلة المتعددة التي خاضتها مختلف القوى الوطنية الديمقراطية بدرجات متفاوتة القوة والاتساع والعمق خلال السنوات الست الماضية. وهذا يوضح عدم دقة الادعاء بأنه الثورة اندلعت بسبب ندوة الجامعة واغتيال الشهيد أحمد القرشي. نعم تلك كانت الشرارة الذي اشعل الغضب الشعبي والنقابي المتراكم عبر السنين.
دمار الوثائق الاصلية جعلنا نعتمد على المصادر الثانوية، رغم مل يشوب تلك المصادر من طغيان الرؤية الحزبية أو الذاتية ومحاولات التبرير. فمثلا ما نقلناه من كتاب ثورة شعب يحوي رؤية حزب سياسي للأحداث. كما نلاحظ الحدة في وصف المخالفين بصفات الانتهازي والعميل الخ.
اما كتاب الحاج عبد الرحمن فرغم انه لم يكن مركزا على دوره الشخصي خلال عرضه للأحداث، وكان موضوعيا، لحد كبير، في عرض تلك الصفحات من تاريخ الحركة النقابية. الا اننا نلاحظ، من كتابته، الصلة الوثيقة التي كانت تربط النقابات السودانية بالحركة النقابية العالمية، والدعم المتواصل الذي قدمته. الأمر الذي افتقدناه خلال الفترة الانتقالية بعد ثورة ديسمبر المجيدة، مما جعل قيادة اتحاد العمال التابع لسلطة الاسلامويين يتحرك وحده في المجال العالمي ويمارس تضليلا كثيفا عن حقيقة الوضع النقابي داخل السودان.
على محمد بشير قائد نقابي مخلص وله تجربة طويلة في العمل النقابي، وهو يتميز بالذاتية المفرطة أو ما يطلق علية Self-centred وله قدرة كبيرة على عدم التسامح مع الآخرين مهما طال الزمن. فقد قابلته، خلال عملي الميداني، ولاحظ انه لم يغفر ما حدث منذ خمسينات القرن الماضي، عندما كان شيوعيا، وانقلب على الحزب الشيوعي بحجة ان الحزب يصدر أوامر للنقابيين، وهو لم ولن يقبل أوامر من أي جهة كانت. وقد سألته عن معلومة ان محمد ابراهيم نقد عندما زار عطبرة بعد الانتفاضة، طلب زيارة بيوت كل القادة النقابيين، من كل الاتجاهات. وان على محمد بشير لم يرحب به وقابله عند الباب فقط ولم يقل له تفضل. وكان رده لي عندما سألته عن ذلك: انني شكرته على الزيارة وهذا يكفي.
وملاحظة اخري انه ورغم معايشته اللصيقة للحركة النقابية اغفل احداث هامة، ولا استطيع أن اجزم ان كان بقصد أو بعامل النسيان. فمثلا تجاهل الانتخابات التي تمت في مايو 1964 وفاز فيها جناح موسي متى، وهومن انصار النظام. وقد لاحظت انه عرض بعض الاحداث بطريقة غير واقعية واقرب للقصص البوليسية من العمل النقابي المؤسسي والمعروف. من أمثلة ذلك ما تم في سجن الدامر من تكسير للخرسانة وجلبها من منطقة قرب الدامر والزامه لبس ملابس السجن وهو كان معتقلا وليس مسجونا، وأيضا وقوف (انتظار) الحاكم العسكري للإقليم الشمالي شخصيا في شارع بعربته، ليرسل شخصيا ليتابع على محمد بشير، وحادثة أخري انه سلم خطاب النقابة بالإنذار بالإضراب لسكرتير المدير العام للسكة للحديد وجعله يوقع بالاستلام دون ان يعرف محتوى الخطاب ثم أضاف هو بعد أن خرج موضوع الخطاب في السيرك الرسمي وغيرها مما سيجدها القارئ. يتهمه خصومه بأن نظام عبود كافأه بمنحه بعثة الي المانيا لمدة 9 شهور ثم تعيينه في منصب قيادي في التدريب المهني بالخرطوم، وهو لم ينف ذلك ويذكرها في كتابه.
المهم اننا نقدم للقارئ معلومات عن تلك الفترة، أتمنى أن تفيد القارئ المهتم بتاريخ بلادنا، والتي أدى انعدام الوثائق الأصلية والاولية لاعتمادنا على المصادر الثانوية. ورغم هذ التقصير هناك دروس لحاضر ومستقبل العمل النقابي.

siddigelzailaee@gmail.com

عن صديق الزيلعي

صديق الزيلعي

شاهد أيضاً

الحوار مع د. ناهد: أزمة المثقف والحزب الشيوعي

صديق الزيلعييتواصل الحوار مع الدكتورة ناهد محمد الحسن حول مقالها الهام: أين ذهب الرفاق؟ وتعرض …