قرأه الأستاذ مراد موديا
mmuodia@gmail.com
بين يدي القارئ إطلالة جديدة للكاتب والمفكِّر الدكتور عمر مصطفى شركيان. إذ تحمل الإصدارة عنوان: “السياسات الخطلاء ومروج الأدب والوفاء”. يأتي هذا العمل ثمرة لجهد فكري متواصل، وقد تكفّل المركز الإقليمي للتدريب وتنمية المجتمع المدني بطباعته عبر دار المصورات للطباعة والنشر والتوزيع، وذلك في مبادرة تُحسب للمركز في دعم الحراك الثقافي، وتعزيز مسارات الوعي والمعرفة، بما يسهم في ترسيخ قيم الحرية والسلام والعدالة والحوار الديمقراطي في السودان.
يمثل هذا الكتاب امتداداً لمشروع فكري ظلّ الدكتور شركيان يعمل عليه لسنوات طويلة، انحاز خلاله بوضوح لقضايا المهمَّشين والضعفاء، وسعى إلى تفكيك بنى الظلم المركّب التي ما زالت تلقي بظلالها على الواقع السوداني. وعلى امتداد مسيرة تجاوزت ثلاثة عقود، قدّم الدكتور شركيان إسهامات معتبرة تمثلت في مئات المقالات والدراسات العلمية وعدد من المؤلفات، رسّخت مكانته كباحث متمرِّس ومفكِّر متَّسق الرؤية، يجمع بين العمق المعرفي والالتزام الأخلاقي. وتتميّز كتابات شركيان بقدرتها على الربط بين الفكر والممارسة؛ فهي لا تقف عند حدود التنظير، بل تنخرط في مساءلة الواقع واستشراف إمكانات تغييره. كما تتكئ على منهج علمي رصين، وتستند إلى تحليل نقدي دقيق في مجالات السياسة والتاريخ والأدب، مع عناية واضحة بالتوثيق وإعادة قراءة القضايا في سياقاتها الاجتماعية والتاريخية.
ينتمي الدكتور شركيان إلى جيل من المثقفين الذين تجاوزوا دور المراقب، ليكونوا فاعلين في تشكيل الوعي العام والمساهمة في التحولات الفكرية والسياسية. وقد انعكس هذا الانخراط بوضوح في إنتاجه، الذي اتَّسم بصلابة المنهج وجرأة الطرح، وسعى من خلاله إلى تفكيك مسلمات “السودان القديم” وكشف آليات الهيمنة التي تستند إلى احتكار الهوية والثقافة والسلطة.
أما على الصعيد الأكاديمي، فقد بدأت مسيرته العلمية بجامعة الجزيرة في مطلع الثمانينيَّات القرن العشرين، قبل أن يواصل تحصيله العلمي في المملكة المتحدة، حيث نال درجة الماجستير في تكنولوجيا المنسوجات في جامعة هريوت-وات، ثم درجة الدكتوراه في جامعة مانشستر. وخلال هذه الرحلة، ظل حاضراً بقوَّة في قضايا وطنه، يوثِّق ويحلِّل ويكتب في الشأن السوداني بوعي نقدي متقد.
يضم هذا الكتاب مجموعة من المقالات التي تعكس تطوُّر تجربة الكاتب الفكرية، وتكشف عن خيط ناظم يتمثل في الإيمان بدور المثقف كفاعل تاريخي، يسهم في تشكيل الوعي الجماعي، لا كمجرد ناقل للأفكار. وعلى تنوع موضوعاته، تتوحد نصوصه في سعيها إلى مساءلة الواقع وتحفيز القارئ على التفكير خارج الأطر التقليدية. إذ يقدّم الكتاب نموذجاً لكتابة تجمع بين الصرامة العلمية والحس الإنساني، وتفتح أفقاً للتأمُّل في قضايا الهُويَّة والعدالة والتهميش، بما يعين القارئ على إعادة النظر في كثير من المسلّمات، والاقتراب من فهم أعمق لتعقيدات الواقع السوداني. وقد استهل الكاتب عمله بإهداء إلى اثنين من أبرز رموز الفكر والسياسة في السودان، الدكتور منصور خالد والدكتور جون قرنق دي مبيور، في إشارة دالة إلى الامتداد الفكري والنضالي الذي ينتمي إليه هذا العمل.
وفي ختام هذا العرض، نشير بإيجاز إلى بعض ملامح الكتاب، تاركين للقارئ الكريم متعة اكتشاف تفاصيله. يتكوّن الكتاب من أربعة فصول، يضم كل فصل عدداً من الأبواب التي تناول فيها الكاتب موضوعات متنوّعة. ويبرز في الفصل الأول، الذي يحتوي على عشرة أبواب، تناوله لقضيَّة الرِّق في السودان، حيث خصّص أحد أبوابه للحديث عن ماضي هذه القضيَّة وتداعياتها المستمرَّة، بوصفها من القضايا التي ظل كثيرون يتجنَّبون مواجهتها رغم آثارها الإنسانية العميقة. ويختتم هذا الفصل بطرح مسألة إنصاف ضحايا الاسترقاق في السودان.
أما الفصل الرابع والأخير، فيحمل طابعاً إنسانيَّاً ووفائيَّاً، إذ استهله الكاتب بسيرة عطرة لأستاذه الراحل، العالم الجليل والمربي الفاضل الأستاذ أندل النوبي كنقر سالمون، رحمه الله، الذي يحتل مكانة خاصة في وجدانه. كما تناول في أبواب أخرى سيرة السلطان عجبنا وموقع مرقده، ووقف وفاءً عند ذكرى القائد الراحل يوسف كوَّة مكِّي، إلى جانب رثاء مؤثر لأستاذه جولي أرقوف بودا أرشين، مستحضراً سيرته ومكانته. ومن خلال فصول الكتاب وأبوابه، تتجلّى بوضوح سمات مميَّزة في شخصية الدكتور شركيان، أبرزها وفاؤه العميق لشعبه، وارتباطه الوثيق بقضايا جبال النوبة، إلى جانب التزامه الراسخ بالدفاع عن قضايا السودان الكبرى. فعلى الرغم من سنوات اغترابه الطويلة، التي بدأت اختيارية ثم فرضتها الظروف، ظل حاضراً في الشأن العام، مدافعاً عن حقوق شعبه في الحريَّة والكرامة والعدالة.
ختاماً، يمكن أن يحصل القراء على نسخ من هذا العمل الجديد خلال الأيام المقبلة في القاهرة في مركز التسامح للتدريب بالدقي 3 شارع أبو بكر الصدِّيق، وفي مقهى عندليب الثقافي في فيصل المساحة مقابل عزيز الشام، وذلك حتى تشكِّل قراءته إضافة نوعيَّة إلى المشهد الفكري والثقافي، متمنين للجميع قراءة ثرية وممتعة.
باريس، فرنسا، 5 مايو 2026م
