العنف ضد المرأة السودانية في السياق السياسي والإعلامي .. بقلم: ندى أمين
كشفت الثورة السودانية الحالية عن ملامح جوهرية في شخصية المرأة السودانية، لم تكن معروفة للعالم. حيث أظهرت المرأة السودانية وعيا حقوقيا وادراكا سياسيا وثباتا وبسالة وشجاعة. وأذهلت العالم بوقوفها على قدم واحد مع الرجل، وفي الصفوف الأمامية في كل الحراك الثوري الذي شهدته البلاد أخيرا. وحتى بعد سقوط النظام، تواصل حضور المرأة في ميادين الفعل الثوري المنادي باستكمال أهداف الثورة، سيما في ساحة الاعتصام أمام مقر القيادة العامة للقوات المسلحة السودانية، وفي كل ما تلا فض الاعتصام من مواكب ووقفات احتجاجية ومشاركة في العصيان المدني والإضراب السياسي الشامل، وتعرّضت جرّاء ذلك للعنف الجسدي والتحرّش اللفظي والاعتقال والتعذيب والاغتصاب.
ولكن هذا الخط التحريري سرعان ما تبدّد مرة أخرى، بعد الخلافات الكبيرة بين المجلس العسكري الانتقالي الذي يتولى زمام الحكم حاليا وقوى الحرية والتغيير الممثل الرسمي للحراك الشعبي. حيث عمل تلفزيون السودان على شيطنة الثوار بطرق ساذجة، باستخدام جانب درامي ومثير في تغطية الأحداث، كما أنه ربط بعض الأحداث بحياة الناس اليومية، مثل برنامجه “المتاريس وصناعة القتل”، وفبرك قصصا وهمية عن حالات وفيات مرضى ونساء نتيجة عدم تمكنهن من الوصول إلى المستشفيات نسبة للمتاريس التي أقامها الثوار. واستهدف الثوار جميعهم، وليس أفرادا منهم، في حلقات تلفزيونية بعنوان “خفافيش الظلام”، بغرض التشكيك في كل شخص ينتمي لهذه الفئة. ونالت المرأة الثائرة المشاركة في الاحتجاجات، وفي ساحة الاعتصام طبيبة وصانعة للطعام ومراقبة أمنية ومشاركة في المخاطبات الجماهيرية، نصيب الأسد من هذه الحملة التضليلية. حيث تمت فبركة الحقائق وتلفيق التهم وتقديم صورة سلبية وعدائية تجاه النساء الناشطات في العمل الثوري، باستخدام قوالب نمطية جاهزة، تقدح في حسن سلوكهن وأخلاقهن. وكانت هنالك مقاطع فيديو ملفقة، تم تصميمها لفتيات ونساء ثائرات، وهن يرتدين ملابس خليعة، ويجلسن مع الرجال بطريقةٍ غير لائقة، يتعاطين الخمور والمخدّرات في ما قيل إنه ساحة الاعتصام. وتمت هذه الحملة الإعلامية الممنهجة تجاه النساء بغرض تشويه صورة المرأة الثائرة، لتكوين رأي عام ضد المشاركة السياسية للمرأة، وبالتالي تحجيم دورها المتعاظم في صناعة التغيير السياسي في البلاد.
وخطورة هذا التضليل الإعلامي في أنه قد يكون مؤثرا في بلد مثل السودان، نتيجة قلة الوعي السياسي والثقافي لدى قطاعاتٍ واسعةٍ من المجتمع، خصوصا وأن ناسا كثيرين، عاديين أو بسطاء، لا يمتلكون القدرة على التمييز بين الأخبار الكاذبة والمضللة والوقائع الحقيقية. كما أن قليلين يمتلكون القدرة على التحليل النقدي للأخبار والمضامين، أو يسعون إلى الحصول على معلوماتٍ من مصادر أخرى بديلة للمقارنة، نتيجة عدم توفر هذه البدائل، أو لصعوبات الحياة اليومية والضغوط الاقتصادية والاجتماعية، لا توفر الوقت ولا الرغبة للبحث والتنقيب عن المعلومات والحقائق، وهو ما يجعلهم عرضةً لتصديق ما يأتيهم من القائمين على هذه الوسائل الإعلامية المضللة.
بينما كانت وسائل التواصل الاجتماعي تعج بصور وفيديوهات وكتابات لناشطين وناشطات تمجد المرأة السودانية، وتنصفها بتثمين دورها في الحراك الثوري، إلا أنها كانت، في الوقت نفسه، تنشر وترسخ صورة سلبية تضع المرأة في قوالب نمطية جاهزة. ولعل أكثرها سوءا تشبيه شخصيات رجالية مغضوب عليها من سياسيين وإعلاميين وقفوا ضد الثورة وإرادة الشعب بالمرأة، وذلك من خلال كتابات ورسومات، أو تعديل بالفوتوشوب يصوّر الرجل على هيئة إمرأة، وذلك بغرض واحد، الانتقاص من قدر الرجل وإنزاله إلى مرتبة دنيا. والملاحظ أنهم يفعلون ذلك عن وعي وقصد، وأحيانا بلا وعي وبدون قصد، ناتجا من إرث ثقافي متجذّر في ثقافتنا المجتمعية، بأن المرأة مخلوق أقلّ درجة في الإنسانية والأهلية العقلية من الرجل، وأنها غير مؤثرة وغير قادرة على الفعل والتغيير. وربما تتبدّى حالة اللاوعي أكثر وضوحا، عندما نرى فتيات ونساء كثيرات محتفيات بهذه اللغة وهذا السلوك، مشاركة وتعليقا وتندّرا، لأن العقلية الذكورية لا تتعلق فقط بالرجال، وإنما بالنساء أيضا.
“ود المرا أرجع ورا ثورتنا دي ما بتحملا” أهزوجة جميلة تغنّى بها شباب الثورة في حماس
الممارسات من قوى الحرية والتغيير لا تحمل بشرى كثيرة لنساء السودان بالحصول على المشاركة السياسية المتساوية
نقلا عن العربي الجديد
لا توجد تعليقات
