دكتور محمد عبدالله
في الأسبوع الماضي، لم تكن بريطانيا تحتفي بمجرد رجل بلغ عامه المئة، بل كانت تحتفي بفكرة كاملة عن معنى الأمة، وعن نوع القيم التي تختار الشعوب أن تضعها في واجهة صورتها العامة.
امتلأت القنوات والبرامج بسيرة ديفيد أتينبورو، عالم الطبيعة والإعلامي البريطاني الأشهر، الذي كرّس حياته لتوثيق الحياة البرية وإنتاج الأفلام الوثائقية عن الطبيعة والبيئة عبر هيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي». وعلى مدى أكثر من سبعين عاماً، أصبح صوته وصور برامجه جزءاً من الوعي العالمي بقضايا البيئة والتغير المناخي وحماية الكائنات الحية، حتى تحوّل إلى أحد أبرز الوجوه العلمية والثقافية في بريطانيا المعاصرة.
تحولت شاشات لندن إلى مساحات تكريم لرجل أمضى عمره يشرح للناس أسرار هذا الكوكب، ويحول العلم من مادة جامدة إلى وعي إنساني حي. أرسل الملك تشارلز رسالة خاصة، وأقيمت فعاليات في قاعة ألبرت الملكية، وعادت أفلامه الوثائقية إلى الواجهة بوصفها جزءاً من الذاكرة البريطانية المعاصرة، لا مجرد برامج عن الحيوانات والطبيعة.
لم يكن الاحتفاء بأتينبورو احتفاءاً بشخصه وحده، بل بما يمثله: المعرفة، والبحث، والفضول العلمي، وقدرة العقل على أن يصبح قيمة عامة تتفق حولها أمة كاملة.
بريطانيا، رغم أزماتها السياسية والاقتصادية، لم تتردد في أن تقول لأطفالها بوضوح: هذا واحد من أبطالنا. رجل قضى حياته بين الكتب والغابات والأسئلة الكبرى، لا في ملاعب الشهرة العابرة ولا في صخب الاستهلاك اليومي.
في المقابل، يبدو المشهد السوداني أحياناً كما لو أنه مكتوب بسخرية ثقيلة، مع أنه يحدث أمامنا كل يوم.
لا تتحرك المواكب الرسمية لافتتاح مركز أبحاث، ولا لتدشين مشروع علمي، ولا للاحتفاء بعالم سوداني حقق إنجازاً استثنائياً، أو طبيب رفع اسم البلاد، أو باحث صنع فرقاً في مجاله. كثيراً ما تتحرك الكاميرات والوفود الرسمية نحو افتتاح مطعم أو كافتيريا أو متجر صغير، وتلتقط الصور أمام لافتات العصائر والوجبات السريعة، في مشهد يبدو عادياً إلى درجة أننا لم نعد نتوقف عند دلالاته.
المشكلة، بالطبع، ليست في المطاعم ولا في أصحاب الأعمال الصغيرة. فالعمل الشريف يظل شريفاً، أياً كان مجاله، وربما كانت بائعة الشاي أكثر احتراماً وصدقاً من مسؤول يملأ نشرات الأخبار كل مساء. لكن القضية الحقيقية تتعلق بما تختاره الدولة لتحتفل به، وما تعتبره رمزاً عاماً للنجاح.
حين تضع دولة عالماً مثل ديفيد أتينبورو في قلب احتفالها الوطني، فهي ترسل رسالة واضحة إلى الأجيال الجديدة: المعرفة تستحق المجد، والعلم طريق المكانة، ويمكن للعقل أن يكون بطلاً قومياً.
أما حين يصبح أقصى مظاهر الاحتفاء الرسمي هو قص شريط افتتاح كافتيريا، فإن الرسالة الضمنية تصبح مختلفة تماماً: لا تحلموا كثيراً. لا ضرورة لكل هذا العناء في المختبرات والجامعات والبحث العلمي، فالسقف منخفض بما يكفي لكي يُختزل النجاح العام في صورة تذكارية مع مسؤول.
هنا تحديداً تكمن المأساة؛ ليس في بساطة المهن، بل في ضآلة الخيال العام الذي تديره الدولة وتعيد إنتاجه كل يوم.
الأمم تُعرَف، في جانب كبير منها، بما تضعه على منصات التكريم. ما الذي تعتبره جديراً بالتصفيق؟ ومن الذي تمنحه صورة البطل؟
حين احتفت بريطانيا بأتينبورو، كانت تحتفي بعقود طويلة من إنتاج المعرفة، وبفكرة أن الإنسان يمكن أن يضيف شيئاً حقيقياً إلى فهم العالم وحمايته.
أما نحن، ففي بلد ينهكه الفقر والحرب وانهيار الخدمات، صار الإنجاز العام أحياناً مجرد صورة جماعية أمام مطعم جديد.
والمفارقة الأكثر إيلاماً أن السودان لا يفتقر إلى العقول. لدينا أطباء يعملون في أرقى المستشفيات والجامعات العالمية، وباحثون يشاركون في مختبرات دولية، ومهندسون يقودون مشاريع كبرى خارج البلاد، لكن أسماء هؤلاء نادراً ما تتحول إلى رموز عامة، ونادراً ما يُقدَّمون بوصفهم نماذج تستحق أن يراها الشباب.
ذلك لأن الاحتفاء ليس تفصيلاً بروتوكولياً عابراً، بل تعريف عملي لمعنى النجاح داخل أي مجتمع.
حين يُهمَّش العالم، ويختفي الباحث، ويعيش المثقف في الظل، بينما يتحول افتتاح مطعم إلى حدث سياسي وإعلامي، فإن الأزمة لا تعود اقتصادية أو سياسية فقط، بل تصبح أزمة قيم، وأزمة خيال، وأزمة تصور كامل لما ينبغي أن تكون عليه البلاد.
الأمم التي تحترم نفسها لا تسأل فقط: ماذا نأكل؟ بل تسأل أيضاً: ماذا ننتج؟ ماذا نكتشف؟ ماذا نضيف إلى العالم؟
أما الأمم التي تكتفي بالتصفيق للتفاصيل الصغيرة بينما تتداعى المدارس والجامعات والمختبرات، فإنها تخاطر بتربية جيل كامل بلا طموحات كبيرة، وبلا إيمان حقيقي بأن المعرفة يمكن أن تغيّر المصير.
وربما لهذا بدا احتفاء بريطانيا بديفيد أتينبورو مشهداً لافتاً؛ ليس لأنه بلغ المئة من عمره، بل لأن أمة كاملة قالت، من خلاله، إنها ما تزال تعرف جيداً من يستحق أن يُحتفى به .
muhammedbabiker@aol.co.uk
