عدنان زاهر
قراءة في كتابيَ الرئيس المصري (مذكرات محمد نجيب رئيس الجمهورية المصرية – كنت رئيسا لمصر)
و
( كلمتي للتاريخ ) !
الجزء الأول
أريد أن أستعرض أو أقوم بتقديم الكتابين الذين صدرا في أبريل للعام 2025 من ( دار عصير الكتب للنشر و التوزيع ) للرئيس المصري السابق محمد نجيب، و في اعتقادي ان الكتابين يكمل احدهما الآخر و يصعب تقديم أي منهما منفردا. و حسب ما أرى فان الكتابين لم يجدا الاحتفاء والتقدير الذى يليق بهما من الاعلام المصري، و أعزى ذلك لأسباب وتقديرات سياسية و عزوف المهتمين المصرين في ( نبش ) تاريخهم و تلك ظاهرة مصرية خالصة !
أهمية الكتابين الاستثنائية انهما صدرا بعد الحرب الدائرة في السودان بين ( الجيش و الجنجويد ) و العلاقة الضبابية غير الواضحة و المرتبطة بالمنفعة، بين مصر و السلطة الديكتاتورية الحاكمة في السودان أي سلطة الأمر الواقع.
اضافة الى ذلك التنمر و المعاملة غير الكريمة التي أصبحت سمة للتعامل مع السودانيين اللاجئين الى مصر لظروف الحرب. و التي وصلت حد الابعاد و ترحيل السودانيين بالقوة الى السودان غير الآمن، رغم أن ذلك يتعارض مع القانون الدولي الذي يجرم ذلك الفعل و السلوك، مع التجاهل الكامل و نسيان ما قدمه الشعب السوداني الى مصر في ظروف حروبها مع إسرائيل !!
الكتابين يتعرضان الى كيفية نظر القادة السياسيين المصريين الى السودان عبر التاريخ الحديث و ذلك يضفى أهمية كبرى و يلقى الضوء و يفسر ما نشاهده حاليا ، في السلوك غير الحميد تجاه السودانيين في الوقت الراهن. يقول الرئيس نجيب في كتابه ( كلمتي للتاريخ ) ص 91 ( كان الخط الوطني لجميع الأحزاب و المفاوضين المصريين في السابق هو فرض سيطرة مصر على السودان مستندين الى أسباب تاريخية و حق الفتح ) !!
و يواصل ( ولكنى كنت معارضا مثل هذا الأسلوب، مؤمنا بأنه لا يجوز إكراه شعب السودان على قبول ما لم يستشر فيه ).
اضافة الى كل ذلك فإني أرى أن الكتابين قد ( لامسا ) و تعرضا لقضايا هامة و ذات أهمية قصوى و حساسة يتحاشى الكتاب المصريين تناولها و يمكن حصرها في الآتي :
1- انقلاب يوليو 1952 في مصر و قضية الديمقراطية.
2- القضية الفلسطينية و حرب 1948 و الأسباب التي أدت الى الهزيمة ومنها الأسلحة الفاسدة وفساد السلطة الحاكمة في مصر المتحالفة مع الاستعمار ذلك الوقت.
3- تناول ثورة 1924 في السودان و علاقة الرئيس المصري محمد نجيب بقائد الثورة على عبداللطيف و ذكره لوقائع لم تقل من قبل، و علاقاته الممتد بكل الوطنيين السودانيين. و قد خصص في كتابه ( كلمتي للتاريخ ) فصلا كاملا بعنوان ( السودان )
4- أيام المعتقل للرئيس المصري في ( المرج ) لمدة 29 عاما الذي يعكس الديكتاتورية في أبشع صورها، و في تقديري ان هذا الفصل يعتبر من أجمل و أصدق ما قرأت عن الاعتقالات التعسفية و دفن الأشخاص أحياء. و لأهمية تلك القضايا، سأتناول كل قضية على حد في الأجزاء القادمة.
الرئيس المصري تناول تلك القضايا و غيرها بأسلوب سلس، مشوق و رصين و لعل ثقافته وتعليمه الذى ناله بعد تخرجه من المدرسة الحربية لعب دورا في الكتابة ، فهو قد تحصل الى ليسانس و ماجستير الحقوق كما حاز على دبلوم الاقتصاد السياسي. ثم إجادته للغة الإنجليزية الفرنسية ، الإيطالية والألمانية مع المام بالعبرية ، الروسية ، التركية و السواحلية، بالإضافة الى سعة اطلاعه طيلة 29 عاما من الاعتقال التحفظي بمفرده .
2
الرئيس محمد نجيب سوداني بالميلاد فقد ولد بالخرطوم في العام 1902 في منزل بالقرب من الجامع الكبير و العتيق بالخرطوم، هذا المنزل أصبح ناديا للموظفين المصريين ثم فقام بشرائه التاجر الإغريقي ( كونت ميخالوس ) في العام 1925 . درس بكلية غردون التي افتتحت عام 1903و تخرج منها ليلتحق بمعهد الأبحاث الاستوائية ) للتدريب على الآلة الكاتبة، ثم عمل موظفا قبل السفر إلى مصر ليلتحق بالمدرسة الحربية وتخرج كوالده و خاله ضابطا في الجيش المصري.
والدة محمد نجيب ولدت أيضا بالسودان فقد كان والدها قائد حامية بوابة المسلمية في جنوب الخرطوم وقد قتل إبان فتح الخرطوم عام 1985 مع اشقائه الثلاثة، ووالده مصري الجنسية. يقول محمد نجيب ان أسرته نجت من القتل بأعجوبة ابان فتح الخرطوم لان عددا كبيرا من جنود المهدية كانوا من ( العربان ) الذين يأتون الى الخرطوم لبيع ماشيتهم و ينزلون في جزء من بيت جده الذي حوله الى مضيفة و منزلة لهم لعدم وجود فنادق في ذلك الوقت. ذلك كان سبب نجاتهم عندما أمر المهدى برفع علما أبيض على منزلهم يمنع الاعتداء عليهم.
محمد نجيب يقول لتبيان تلك العلاقة بالسودان و ارتباطه به ( كنت أشعر بأنى نصف سوداني و نصف مصري ). ص 85 ( كلمتي للتاريخ ).
3
محمد نجيب أصبح ضابطا عالي الرتبة في الجيش المصري، اتسمت مواقفه طيلة عمله المهني بالوطنية و الإيمان بالشعب. الرئيس نجيب يعتقد انه قد تم استغلاله من قبل الضباط الاحرار فقد ذكر في كتابه ( كنت رئيسا لمصر ) ص 73 – 74
( الحقيقة تقتضى أن أقول اننى أول من أطلق عبارة ” الضباط الأحرار ” على التنظيم الذي أسسه جمال عبد الناصر و أنا أعتذر عن هذه التسمية، لأنها لم تكن اسما على مسمى، فهؤلاء لم يكونوا احرارا، و انما كانوا أشرارا.
كان أغلبهم كما اكتشفت فيما بعد من المنحرفين أخلاقيا و اجتماعيا، و لأنهم كذلك كانوا في حاجة الى قائد كبير ليس في الرتبة فقط وإنما في الأخلاق أيضا، حتى يتواروا وراءه و يتحركوا من خلاله و كنت أنا هذا الرجل للأسف الشديد ) !!
أواصل
عدنان زاهر
13 مايو 2026
elsadati2008@gmail.com
