دكتور محمد عبدالله
muhammedbabiker@aol.co.uk
ليس جديداً أن تتحول النخب الثقافية في لحظات الانكسار السياسي إلى جزء من ماكينة السلطة، لكن الجديد دائماً هو الطريقة التي يتم بها ذلك: بهدوء، وبقدر محسوب من الأناقة اللغوية، وأحياناً تحت غطاء “الواقعية” أو “حماية الدولة من الفوضى”. وفي كل مرة يحدث هذا، لا تخسر المجتمعات أصواتاً نقدية فحسب، بل تفقد أيضاً معيارها الأخلاقي في التمييز بين ما هو فكر وما هو تبرير، بين ما هو ثقافة وما هو دعاية.
المثقف، في أبسط تعريفاته، ليس مجرد حامل معرفة، بل حامل سؤال دائم. غير أن التحول الأخطر يقع عندما يتراجع هذا السؤال لصالح إجابات جاهزة تُرضي السلطة. عندها لا يعود المثقف مثقفاً، بل يتحول إلى وسيط رمادي بين السلطة والجمهور، يمنح القرار السياسي ما لا يملكه: شرعية رمزية وقبولاً أخلاقياً.
في الأنظمة السلطوية، لا يُطلب من المثقف أن يكذب بشكل مباشر؛ فذلك بدائي أكثر مما ينبغي. المطلوب عادة أكثر نعومة: أن يصمت حين يتوجب الكلام، وأن يبرر حين يُفترض الاعتراض، وأن يخفف من قسوة الواقع بلغة قابلة للاستهلاك. ومع الوقت، يتآكل الحس النقدي تدريجياً، حتى يصبح التبرير نمط تفكير لا موقفاً واعياً.
إذا كانت السلطة السياسية تمارس القمع عبر القانون أو الأمن، فإن الصحافة في ظل الاستبداد تمارس نوعاً آخر من القمع: قمع المعنى. فهي لا تكتفي بنقل الرواية الرسمية، بل تعيد تشكيل الواقع نفسه بطريقة تجعل الاستثناء يبدو قاعدة، والانحراف ضرورة، والهزيمة إنجازاً، والانحطاط “ذوقاً عاماً”.
تتحول الصحف في هذا السياق من فضاء للنقاش العام إلى منصات لإنتاج خطاب متكرر، يقوم على ثلاثة أعمدة واضحة: تمجيد السلطة، شيطنة الخصوم، وتخدير الجمهور بلغة إنشائية كثيفة تضلل أكثر مما تقول. والأخطر أن هذا الانحدار لا يظهر دائماً في صورة دعاية صريحة، بل يتسلل أحياناً عبر المقال الثقافي، أو الحوار الفكري، أو مراجعة كتاب، حيث تُفرغ المفاهيم من محتواها النقدي وتُستبدل بألفاظ مرنة مثل “الاستقرار” و”الهوية” و”الخصوصية الثقافية”؛ وهي مفاهيم قابلة للاستخدام في تبرير نقيضها تماماً.
مع تراكم هذا النمط، لا يتغير الخطاب السياسي وحده، بل يتغير الذوق العام نفسه. يصبح الجمهور معتاداً على لغة عالية الصياغة فقيرة المعنى، وتغدو الكتابة الجيدة هي تلك التي تشبه الخطاب الرسمي لا تلك التي تكشف الحقيقة أو تربكها. في هذا المناخ، يتراجع الأدب الحقيقي لصالح نصوص مروّضة، ويتحول النقد الفني إلى مجاملة، والصحافة الثقافية إلى أرشيف من الإطراء المتبادل. ومع الوقت، يفقد القارئ قدرته على التمييز بين النص الحي والنص المصطنع، بين الفكرة التي تُقلق والفكرة التي تُطمئن.
ولا يمكن فهم انجراف بعض المثقفين خارج سياقاته المعقدة. فالأمر لا يُختزل في ضعف أخلاقي مباشر، بل تحكمه شبكة من الدوافع المتداخلة: الخوف من الإقصاء، الإغراء بالمكانة، الرغبة في الاستمرار داخل المشهد، أو حتى وهم “الإصلاح من الداخل”. غير أن التجربة التاريخية كثيراً ما تشير إلى أن هذا “الداخل” يعيد تشكيل من يعتقد أنه يؤثر فيه، أكثر مما يسمح له بالتأثير. ومع مرور الوقت، يتحول التواطؤ إلى أمر غير مرئي حتى لصاحبه: يبدأ كتسوية صغيرة، ثم يصبح نمطاً ثابتاً في التفكير، ثم يتحول إلى هوية مهنية كاملة.
مقاومة هذا المسار لا تختزل في خطاب أخلاقي مجرد، بل في بناء بيئات بديلة لإنتاج المعنى. وجود منصات إعلامية وثقافية مستقلة، خارج سيطرة السلطة أو نفوذها المباشر، يخلق هامشاً ضرورياً لإعادة تشكيل النقاش العام. وقد أتاح الفضاء الرقمي، رغم فوضاه، كسر احتكار الصحافة التقليدية وفتح منافذ متعددة للرأي والمساءلة.
لكن وجود “رأي آخر” لا يكفي وحده. الأهم هو ترسيخ معايير مهنية وأخلاقية صارمة: التحقق، الفصل بين الخبر والرأي، ورفض تحويل الكتابة إلى خطاب دعائي مقنّع بثوب ثقافي. فالمعركة هنا ليست سياسية فقط، بل مهنية أيضاً تتعلق بجودة اللغة نفسها وقدرتها على قول الحقيقة أو الاقتراب منها.
كما أن القارئ ليس عنصراً هامشياً في هذه المعادلة. فكلما ارتفع مستوى الوعي النقدي لدى الجمهور، تقلصت قدرة الخطاب الدعائي على التمويه. وهذا يتطلب تربية ثقافية طويلة النفس، تقوم على الشك المنهجي، وعلى مساءلة اللغة قبل التسليم بها، لا على استهلاكها بوصفها حقيقة مكتملة.
ربما أخطر ما في الدكتاتوريات الحديثة أنها لم تعد بحاجة إلى الصمت الكامل، بل إلى ضجيج منظم؛ ضجيج يبدو حيوياً في ظاهره، لكنه يدفن الأسئلة بدل أن يفتحها. وفي هذا الضجيج، يصبح دور المثقف الحقيقي أقرب إلى محاولة الحفاظ على نغمة مختلفة وسط أوركسترا مصممة على التوحيد.
ليس المطلوب من المثقف أن يكون بطولياً، لكن المطلوب ألا يتحول إلى موظف . فحين تُختزل الثقافة في وظيفة، لا يعود الخطر في السلطة وحدها، بل في أولئك الذين يمنحونها لغتها، ويجعلونها قابلة للاستمرار دون أن تضطر حتى إلى تبرير نفسها.
