منذ اندلاع ثورة ديسمبر وسقوط نظام البشير، ظل الأمل يراود قطاعات واسعة من السودانيين والقوى المدنية بإمكانية بناء واقع جديد؛ وطن يتجاوز احتكار الإسلاميين للسلطة والثروة، ويتحرر من الفساد والاستبداد واحتقار المختلفين فى الرأى. غير أن البلاد انتهت إلى حرب أهلية مدمرة أحرقت الأخضر واليابس، وأعادت إنتاج المأساة السودانية بصورة أكثر قسوة وتعقيدًا.
انقسمت القوى المدنية منذ بداية الحرب بين اتجاه يرى ضرورة ممارسة الضغط العسكرى والسياسى على الإسلاميين لدفعهم نحو التفاوض وإيقاف الحرب، واتجاه آخر يرفض الانحياز لطرفى الصراع ويدينهما معًا. وفى المقابل، ظلت قيادة الدعم السريع تعلن – منذ الأيام الأولى للحرب – استعدادها للتفاوض والجلوس إلى طاولة الحوار، بينما بقيت قيادة الجيش تراوح مكانها تحت ذرائع متعددة.
ولوقت طويل، بررت قوى سياسية ومدنية، إلى جانب أطراف إقليمية، عجز البرهان وقيادات الجيش عن اتخاذ موقف جاد تجاه التسوية السياسية، بالقول إن الحركة الإسلامية تهيمن على القرار داخل المؤسسة العسكرية. لكن خطورة هذا التفسير تكمن فى طابعه الرغبوى، لأنه يفترض وجود إرادة مختلفة لدى قيادة الجيش تم تعطيلها بواسطة الإسلاميين، بينما تشير الوقائع إلى غير ذلك.
فإذا تأملنا مسار الأحداث منذ مجزرة القيادة العامة، مرورًا بقتل المتظاهرين السلميين والقنص فى الشوارع، ثم انقلاب أكتوبر والتنكر للعهود والاتفاقات، وصولًا إلى إشعال الحرب فى 15 أبريل 2023، سنجد أنفسنا أمام سلسلة متصلة من القرارات التى تتحمل مسئوليتها المباشرة القيادات العسكرية نفسها، وعلى رأسها البرهان والعطا والكباشى وغيرهم.
المشكلة، فى تقديرى، ليست فقط فى تأثير الإسلاميين على المؤسسة العسكرية، بل فى طبيعة هذه القيادات ذاتها، وعجزها عن امتلاك رؤية وطنية أو حس أخلاقى قادر على إدراك حجم الكارثة التى يعيشها السودانيون. فالتجربة العملية أثبتت أن هذه القيادات أهدرت كل الفرص الممكنة لإنقاذ البلاد، وتعاملت مع السلطة والحرب بعقلية أمنية ضيقة لا ترى فى السياسة سوى امتداد للصراع والقوة.
ولهذا يبدو الرهان على البرهان أقرب إلى محاولة للهروب من مواجهة الحقيقة، أكثر من كونه قراءة واقعية للمشهد. فالرجل، من خلال مواقفه وخطابه وأدائه طوال السنوات الماضية، لم يقدم ما يشير إلى امتلاكه مشروعًا للخروج من الأزمة أو استعدادًا حقيقيًا لمراجعة سياسات الحرب. بل ظل أسير خطاب يقوم على شيطنة الخصوم وتبرير العنف واستسهال استخدام القوة المفرطة، حتى فى مواجهة المدنيين.
إن استمرار الحرب وسياسات الأرض المحروقة وما يصاحبها من انتهاكات واسعة، يفرض على القوى السياسية والمدنية مراجعة رهاناتها القديمة، والتعامل مع الواقع كما هو لا كما تتمنى أن يكون. فالأوطان لا تُبنى على الأمنيات، وإنما على قراءة دقيقة للوقائع وتحمل المسئولية التاريخية تجاه الحاضر والمستقبل.
لهذا فإن المطلوب اليوم ليس إعادة إنتاج الأوهام أو انتظار المعجزات، بل بناء موقف سياسى وأخلاقى واضح يضع مصلحة الوطن فوق حسابات الاصطفاف، ويواجه جذور الأزمة بدل الاكتفاء بتبرير نتائجها.
الرهان على البرهان رهان خاسر ولن يتخذ الرجل قرارات تساعد على ايقاف نزيف الدم والتشريد مالم يفرض عليه ومن معه التفاوض فرضا ، ويرغم ارغاما على الجلوس الى مائدة التفاوض . فمن الواضح ان الرجل ينعدم لديه الوجدان السليم والقدرة على الحوار الداخلى مع نفسه عند اتخاذه لقرارات تمس الجميع ، ويا لهول المفاجأة .
انها فعلا مأساة وطن !
طلعت محمد الطيب
talaat1706@gmail.com
