علاء خيراوي
في مقاله المعنون؛ “١٥ أبريل.. هل فعلها الكيزان؟!” يحاول ضياء الدين بلال تفكيك الرواية التي تتهم الإسلاميين أو بعض الدوائر المرتبطة بالمؤسسة العسكرية بالمساهمة في إشعال حرب ١٥ أبريل، معتبراً أن هذه السردية تعاني من تناقضات منطقية وسياسية. ويرى أن خصوم الجيش، من قوى “قحت/صمود” والدعم السريع، ينتقلون بين اتهام مباشر لقيادة الجيش بإشعال الحرب وبين الاحتماء بفكرة “الطرف الثالث” كلما واجهتهم الأسئلة الصعبة. كما يسخر من توظيف هذه النظرية في التاريخ السياسي السوداني، مستشهداً بأحداث بيت الضيافة وفض اعتصام القيادة العامة باعتبار أن الوقائع ـ، من وجهة نظره، كشفت لاحقاً الفاعلين الحقيقيين دون حاجة لفرضيات غامضة. ثم يبني حجته الأساسية على أن الإسلاميين لا يمكن أن يكونوا قد خططوا للحرب، لأن من يبدأ حرباً ، ـ بحسب منطقه، لا يترك قياداته مكشوفة أو معتقلة أو داخل المستشفيات، ولا يجعل قائد الجيش نفسه هدفاً للهجوم داخل مقر إقامته. وينتهي إلى أن الحديث عن “طرف ثالث” أو عن دور لعلي كرتي والإسلاميين يتناقض مع الرواية التي تقول إن القرار كان بيد قيادة الجيش نفسها، معتبراً أن الجمع بين الروايتين يسقطهما معاً.
ضياء الدين بلال لا يكتب هنا بوصفه صحفياً يبحث عن الحقيقة، بل بوصفه محامياً سياسياً يحاول إعادة ترميم السردية القديمة للحركة الإسلامية بعد أن تصدعت تحت ثقل الدم والخراب والانهيار الذي أصاب السودان. والمفارقة أن مقاله لا يدافع عن الجيش كما يتظاهر، بل يدافع عن براءة الإسلاميين من مسؤولية المناخ السياسي والعسكري والأمني الذي قاد إلى كارثة ١٥ أبريل، وهي محاولة تشبه تماماً محاولات الأنظمة الشمولية عبر التاريخ حين تحاول غسل يديها من الوحش الذي ربّته بيديها ثم انفلت منها.
المشكلة الأساسية في مقال ضياء ليست في ضعف منطقه فقط، بل في الانتقائية المدهشة التي يتعامل بها مع التاريخ القريب. فهو يريد من السودانيين أن ينسوا فجأة أن الحركة الإسلامية هي التي حوّلت الدولة السودانية طوال ثلاثة عقود إلى دولة أمنية موازية، وأنها هي التي أسست فلسفة المليشيات أصلاً، منذ الدفاع الشعبي وحتى كتائب الظل، وأنها هي التي فتحت الباب لعقيدة السلاح خارج المؤسسة العسكرية حين صار الولاء الأيديولوجي مقدماً على العقيدة الوطنية.
فكيف يمكن لكاتب أن يتحدث عن “الفاعل الحقيقي” وكأن الإسلاميين كانوا مجرد متفرجين على المشهد السوداني؟ فمن الذي هندس إنقلاب ٢٥ اكتوبر ٢٠٢١؟ ومن الذي قاوم الإتفاق الإطاري ليل نهار؟ ومن الذي حوّل السودان إلى ساحة صراعات أمنية وتنظيمات مسلحة وشبكات ولاء موازية؟ ومن الذي صنع البيئة التي خرجت منها كل هذه الكوارث؟ ضياء يحاول اختزال السؤال في لحظة إطلاق الرصاصة الأولى، بينما السؤال الحقيقي أعمق وأخطر؛ من الذي هندس المسرح كله حتى أصبحت الحرب ممكنة أصلاً؟
هذه هي الحيلة القديمة للخطاب الكيزاني المعروف؛ تحويل النقاش من المسؤولية التاريخية والبنيوية إلى مشهد تكتيكي ضيق. كأن من يشعل حريقاً في مدينة كاملة يمكن أن يبرئ نفسه لأنه لم يحمل بنفسه عود الثقاب الأخير. ثم إن منطقه نفسه مرتبك إلى حد التناقض. فهو يقول إن الإسلاميين لا يمكن أن يكونوا قد أشعلوا الحرب لأن قيادات منهم تعرضت للاعتقال أو بقيت في منازلها. وكأن التاريخ السياسي والعسكري في السودان مليء فقط بالحروب “النظيفة” التي يعرف فيها الجميع توقيت الانفجار بدقة! الانقلابات والحروب والفوضى كثيراً ما تأكل بعض صانعيها أنفسهم، بل إن تاريخ الحركة الإسلامية السودانية ذاتها قائم على الصراعات الداخلية والتصفيات والانشقاقات والحسابات الخاطئة.
والأخطر من ذلك أن ضياء يتعمد القفز فوق حقيقة اصبحت معروفة؛ أن العلاقة بين الحركة الإسلامية وبعض مراكز القوة داخل المؤسسة العسكرية لم تكن يوماً سراً. هذه ليست “نظرية طرف ثالث” كما يريد ضياء الدين ان ينظّر لها، بل واقع سياسي سوداني عاشه الناس لعقود. حتى الذين يرفضون تبسيط الحرب في رواية “الكيزان أشعلوا الحرب وحدهم” لا يستطيعون إنكار أن الإسلاميين كانوا جزءاً من البنية العميقة للأزمة، وأنهم ظلوا فاعلاً رئيسياً داخل المشهد العسكري والسياسي والإعلامي بعد سقوط البشير وحتى الآن.
أما سخريته من فكرة “الطرف الثالث”، فهي تكشف انتهازية خطابية أكثر مما تكشف بحثاً عن الحقيقة. لأن الرجل نفسه ينتمي إلى مدرسة سياسية وإعلامية عاشت لعقود على صناعة “الأطراف الثالثة” و”المؤامرات” و”المندسين” كلما واجهت السلطة مأزقاً أخلاقياً أو سياسياً. فجأة فقط، حين أصبح الاتهام قريباً من الإسلاميين، صار الحديث عن الأطراف الخفية “رواية مستهلكة”! ثم إن المقارنة التي حاول توظيفها بين بيت الضيافة وفض الاعتصام تكشف انتقائية فجة في قراءة التاريخ. لأن جوهر القضية في كل تلك الأحداث لم يكن فقط “من أطلق النار”، بل من صنع البيئة السياسية والعسكرية التي جعلت الدم ممكناً، ومن استفاد من العنف، ومن حمى الجناة، ومن عطّل العدالة. وهذه الأسئلة نفسها هي التي تطارد ملف ١٥ أبريل حتى اليوم.
الحقيقة التي يحاول ضياء الهروب منها أن حرب السودان لم تكن حادثاً مفاجئاً سقط من السماء، بل كانت النتيجة الطبيعية لدولة جرى تخريبها منهجياً لعشرات السنين؛ دولة أُضعفت فيها المؤسسات المدنية، وتضخمت فيها الأجهزة الأمنية، وتكاثرت فيها المليشيات، وتحول فيها السلاح إلى أداة سياسة، وتحولت الوطنية نفسها إلى مزاد تخوين واحتكار.
ثم كيف يمكن لضياء الدين بلال أن يتحدث بهذه الثقة عن “استحالة” وجود دور لعناصر داخل المنظومة العسكرية والإسلامية، بينما خرجت إلى العلن عشرات المقاطع المصوّرة لضباط وقيادات ميدانية من الجيش نفسه وهم يروون بفخر أحياناً، تفاصيل تحركهم من منطقة سوبا نحو المدينة الرياضية صباح ١٥ أبريل، وهي المنطقة التي ارتبطت ببداية الاشتباكات وإطلاق الرصاصة الأولى؟ هذه الفيديوهات لم يصنعها خصوم الجيش ولا غرف “قحت” كما يحب الخطاب الكيزاني أن يختزل كل شيء، بل جاءت من داخل المعسكر ذاته، ومن أفواه رجال شاركوا في الوقائع أو كانوا قريبين منها. بعضهم تحدث عن الاستعدادات، وبعضهم عن التحركات، وبعضهم عن لحظة الانفجار الأولى وكأنها عملية متوقعة وليست صدمة مفاجئة بالكامل. والسؤال هنا ليس تبني رواية جاهزة أو إصدار حكم قطعي، بل لماذا يتجاهل ضياء هذه الشهادات تماماً؟ ولماذا يصبح أي نقاش حولها “مؤامرة” أو “طرفاً ثالثاً”، بينما هي معطيات تستحق التحقيق والتفكيك؟ الحقيقة أن أخطر ما يفعله الخطاب الدعائي ليس الكذب المباشر فقط، بل الانتقاء؛ أن يرى نصف الصورة ويطلب من الناس أن يدفنوا النصف الآخر.
ولهذا فإن محاولة تبرئة الحركة الإسلامية بالكامل ليست فقط قراءة مضللة، بل إهانة لذاكرة السودانيين أنفسهم. لأن الناس لم ينسوا من حكم البلاد ثلاثين عاماً، ومن صادر السياسة، ومن دمر الخدمة المدنية، ومن قاد البلاد إلى العزلة والحروب والانقسامات، ومن جعل العنف لغة مألوفة في إدارة الدولة. والمفارقة المؤلمة أن الصحفيين الوصوليين من امثال ضياء لا يدافعون عن “الحقيقة”، بل يدافعون عن حقبة كاملة يخشون سقوطها الأخلاقي النهائي. لذلك يصبح المقال مجرد عملية تجميل متأخرة لجثة سياسية أنهكت السودان ثم تحاول اليوم العودة بثياب جديدة ولغة جديدة، بينما الدم لا يزال طازجاً تحت الأنقاض.
فالسؤال الحقيقي ليس؛ “هل فعلها الكيزان؟” بل؛ كيف يمكن لحركة حكمت السودان ثلاثين عاماً، واخترقت الجيش والأمن والاقتصاد والإعلام والسياسة، ثم تركت وراءها دولة منهكة ومجتمعاً مسلحاً ومؤسسات مشوهة، أن تدّعي فجأة أنها مجرد مراقب بريء لما حدث بعد ذلك؟
ذلك هو التناقض الذي لن تنجح كل مقالات التبرير والانتهازية الصحفية في دفنه، مهما ارتفع الضجيج، ومهما حاول البعض إعادة كتابة التاريخ بالحبر بعد أن كُتب بالدم.
في نهاية الأمر، ليست المأساة الكبرى في السودان أن الحرب اندلعت فقط، بل أن هناك من قرروا منذ اللحظة الأولى أن يتحولوا من صحفيين إلى جنود دعاية، ومن حملة أقلام إلى حرّاس سرديات السلطة والدم. فالدور الذي لعبه ضياء الدين بلال، ومعه أسماء مثل مزمل أبو القاسم والهندي عزالدين، لم يعد مجرد “انحياز سياسي” يمكن الاختلاف حوله، بل أصبح جزءاً من البنية النفسية والإعلامية التي غذّت الخراب وشرعنت القسوة وجرّدت الضحايا من إنسانيتهم منذ اكثر من ثلاثة عقود. هؤلاء لم يكونوا مجرد معلّقين على الأحداث؛ بل كانوا في كثير من الأحيان مصانع لغوية لإعادة تدوير القبح. حين كانت المدن تحترق، كانوا يبحثون عن البلاغة المناسبة لتبرير الحريق. وحين كان السودانيون يتساقطون بين قتيل ونازح وجائع، كانوا منشغلين بإنتاج خطاب التخوين والتحريض وصناعة “الوطنية الاحتكارية الزائفة” التي تجعل من أي سؤال عن الحرب خيانة، ومن أي نقد للسلطة طعنة في ظهر الجيش، ومن أي صوت مدني مشروع عميل أو مندس أو متآمر.
فلقد تحولت بعض الصحافة السودانية في كثير من حالاتها إلى ما يشبه “وزارة دعاية غير رسمية”؛ لا تسأل السلطة بل تتحدث باسمها، لا تراقب القوة بل تتماهى معها، لا تدافع عن المجتمع بل عن مراكز النفوذ. وهنا تكمن الكارثة الأخلاقية الحقيقية؛ لأن الصحفي حين يفقد استقلاله لا يصبح مجرد صاحب رأي منحاز، بل يتحول إلى أداة في ماكينة العنف الرمزي والسياسي. والتاريخ، في النهاية، قاسٍ مع هذا النوع من الكتّاب مهما بدا نفوذهم لحظة الصعود. كم من صحفيين ومثقفين في تجارب العالم المختلفة ظنوا أن قربهم من السلطة سيمنحهم الخلود، فإذا بالتاريخ يبتلع أسماءهم في صمت مهين. صحفيو الدعاية في ألمانيا النازية كانوا يملأون الدنيا ضجيجاً وهم يجمّلون خطاب هتلر ويصنعون “الحقيقة الرسمية”، ثم انتهى معظمهم إلى العار أو النسيان بعد سقوط النظام. وفي رومانيا كان كتّاب البلاط يصفقون لتشاوشيسكو باعتباره “الأب التاريخي”، لكن الجماهير التي أسقطت النظام لم تتذكر أسماءهم إلا بوصفهم أدوات للكذب. وحتى في العالم العربي، كم من أبواقٍ إعلامية ملأت الشاشات والصحف تمجيداً للديكتاتوريات، ثم انتهت إلى الهامش فور تغير موازين القوة، لأن التاريخ يحتفظ بالقادة والضحايا والمنعطفات الكبرى، لكنه نادراً ما يرحم كتبة التبرير.
والمؤلم في الحالة السودانية أن هؤلاء لم يدركوا أن وظيفة الصحافة ليست حماية الحكومات ولا تغطية أخطاء العسكر ولا تجميل الحروب، بل حماية المجتمع من تغوّل القوة أياً كان شكلها. لكنهم اختاروا الطريق الأسهل؛ طريق القرب من السلطة، والنجومية السريعة، والاصطفاف الذي يمنح الامتيازات والحماية. ومع مرور الوقت، تآكلت المسافة بينهم وبين الخطاب التعبوي حتى صار القارئ عاجزاً أحياناً عن التمييز بين المقال الصحفي والبيان السياسي. غير أن أخطر ما في هذا الدور ليس ما كتبه هؤلاء فقط، بل ما ساهموا في تدميره داخل الوعي العام السوداني؛ لقد ساعدوا على تسميم المجال العام، وتطبيع الكراهية، وتحويل الخصومة السياسية إلى معركة وجود، وتبرير العنف بوصفه ضرورة وطنية. وحين تصل الصحافة إلى هذه المرحلة، فإنها لا تعود شاهدة على المأساة، بل تصبح شريكاً فيها ولو بالكلمات.
لكن الزمن لا يتوقف عند ضجيج اللحظة. ستنتهي الحرب يوماً، وستهدأ المدافع، وسيجلس السودانيون لإعادة قراءة هذه السنوات السوداء بعيون أكثر قسوة وصدقاً. وعندها لن يُسأل فقط من حمل السلاح، بل أيضاً من برر، ومن حرّض، ومن خدّر الوعي، ومن باع للناس الوهم بينما كانت البلاد تنزف. وعندما تُفتح دفاتر هذه المرحلة، قد يكتشف كثير من هؤلاء أن أكثر ما يخيف ليس غضب الخصوم، بل حكم التاريخ نفسه؛ فالتاريخ قد يتسامح أحياناً مع السياسي لأنه ابن مصالح وصراعات، لكنه نادراً ما يغفر للمثقف أو الصحفي حين يخون المعنى الأخلاقي للكلمة.
khirawi@hotmail.com
