محمد زاهر أبوشمة
في وطنٍ أنهكته الجراح، وتفرّقت بأهله السبل، وتكاثرت فوق كتفيه الهموم، يبقى السؤال الأكبر الذي يطرق أبواب الضمير السوداني بإلحاح: من يبني السودان إذا لم نبنه نحن؟ ومن يداوي جراحه إذا انشغل أبناؤه بالخلافات ونسوا أن الوطن يناديهم؟
إن السودان اليوم لا يحتاج فقط إلى كلمات الحزن والأسى، ولا إلى نشرات الأخبار التي تروي حجم المعاناة، بل يحتاج إلى رجال ونساء يحملون في قلوبهم معنى الوطن الحقيقي، وطن المحبة، وطن التكافل، وطن الشهامة والنخوة، وطن يعرف فيه القوي أن مسؤوليته أن يسند الضعيف، والغني أن يرى في الفقير أمانةً لا عبئاً، والمتعلم أن يحمل بيده نور العلم لمن حُرم منه.
ومن هذا الإيمان، جاءت مبادرة عشانك يا سودان التنموية التعليمية الخيرية ، فكرةً ولدت من رحم الألم والأمل معاً، ومن قلوب شباب سودانيين آمنوا بأن السودان لا يُترك وحيداً، وأن البناء يبدأ من الإنسان، وأن التنمية الحقيقية تبدأ حين نُمسك بيد المحتاج ونصنع له فرصةً للحياة، لا مجرد صدقةٍ عابرة تنتهي بانتهاء اللحظة.
إنها مبادرة تنموية وتعليمية وخيرية تسعى لأن تكون جسراً بين القادر والمحتاج، بين الأمل والانكسار، بين الحلم والواقع، بين السودان الذي نتألم لأجله والسودان الذي نحلم أن نراه واقفاً شامخاً من جديد.
لكن، قبل كل شيء، دعونا نسأل أنفسنا بصدق:
لماذا أصبح البعض يمرّ على وجع الآخرين وكأنه لا يراه؟
لماذا خفتت روح التكافل في بعض النفوس، ونحن أبناء مجتمع عُرف بالكرم والشهامة؟
لماذا لم نعد نفرح حين تُفرّج كربة محتاج، أو تُسعف أسرة متعففة، أو يُكفل يتيم، أو يُعاد طفل إلى مقاعد الدراسة؟
أين ذهبت روح “الفزعة” السودانية التي كانت تجعل الجار سنداً لجاره، والغريب أخاً قبل أن يُسأل عن اسمه؟
إنها أسئلة موجعة… لكنها ضرورية.
فالأوطان لا تموت بالحروب وحدها، بل تموت حين يبرد الإحساس في القلوب، وحين يتحول الإنسان إلى متفرج على معاناة أخيه.
لقد علّمنا ديننا أن التكافل ليس تفضلاً، بل واجب، وأن الخير ليس رفاهية أخلاقية، بل فريضة إنسانية وإيمانية.
قال الله تعالى في كتابه الكريم:
﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ ۖ فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾
— سورة التوبة: 60
تأملوا كلمة (فريضة)… ليست خياراً لمن أراد، وليست عملاً هامشياً يُمارَس وقت الفراغ، بل مسؤولية اجتماعية وأخلاقية وإنسانية.
حين تُعين أسرة متعففة… فأنت لا تمنحها مالاً فقط، بل تحفظ ماء وجهها.
حين تُعلّم طفلاً فقيراً… فأنت لا تمنحه كتاباً فقط، بل تمنحه مستقبلاً.
حين تساعد مريضاً أو من ذوي الاحتياجات الخاصة… فأنت لا تقدّم خدمة فحسب، بل تعيد إليه الشعور بأنه إنسان كريم في وطنه.
إن العمل الخيري والتطوع ليسا نشاطين ثانويين، بل هما الركيزة الأساسية للتنمية المستدامة، واللبنة الأولى في نهضة الأوطان.
فالخير الحقيقي ليس أن نُشبع جائعاً ليومٍ واحد فقط، بل أن نُعطيه ما يصنع به مستقبله، وأن ننتقل من الإغاثة المؤقتة إلى التمكين المستدام.
إن أعظم صور العطاء هي تلك التي تحفظ كرامة الإنسان.
العطاء الذي يقول للفقير: أنت لست وحدك.
ولليتيم: هناك من يشعر بك.
وللمريض: لن نتركك تواجه الألم وحدك.
وللطالب الفقير: مكانك الطبيعي في المدرسة لا في الحرمان.
إن مبادرة عشانك يا سودان لا تريد أن توزع الأمل بالكلمات، بل بالفعل.
تريد دعماً للتعليم، ترميماً للمدارس، توفيراً للمواد التعليمية، رعايةً للطلاب المحتاجين، برامج تدريبية للشباب، دعماً للأسر المتعففة، حملات صحية، وتأهيلاً يفتح أبواب المستقبل.
لأن السودان لن ينهض بالخطب فقط… بل بالإنسان المتعلم، القادر، المنتج.
لقد قال رسول الله ﷺ:
«خير الناس أنفعهم للناس»
وقال ﷺ:
«والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه»
وقال ﷺ:
«مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى»
فأي معنى للإيمان إذا رأينا المعاناة ولم نتحرك؟
وأي معنى للوطنية إن لم نُترجم حب الوطن إلى عمل؟
الوطنية ليست منشوراً في وسائل التواصل.
الوطنية ليست شعارات تُرفع في المناسبات.
الوطنية أن تقول: أنا مسؤول عن وطني.
أن ترى فقيراً فتساعده.
أن ترى مدرسة متهالكة فتسهم في إصلاحها.
أن تدعم طالباً فقد السند.
أن تُعلّم شاباً مهارة تفتح له باب رزق.
أن تتطوع بوقتك، بخبرتك، بفكرتك، بدعمك، بكلمتك الطيبة.
إن المتطوعين لا يتقاضون أجراً، لا لأنهم بلا قيمة، بل لأن أثرهم لا يُقدّر بثمن.
فالعمل التطوعي مدرسة عظيمة تبني الإنسان قبل أن تبني المجتمع.
إنه مدرسة للقيادة، للتضحية، للتعاون، للانتماء.
هو الطاقة المتجددة التي تُبقي المجتمعات حيّة.
ولذلك فإن التنمية لا تبدأ بالإسمنت والحديد فقط، بل تبدأ ببناء الإنسان.
فالإنسان المتعلم، الرحيم، الواعي، المنتج… هو أساس النهضة.
ومن هنا تأتي أهمية تحويل العمل الخيري من ردود أفعال مؤقتة إلى برامج تنموية مستدامة.
لا نريد خيراً موسمياً ينتهي بانتهاء المناسبة.
بل نريد أثراً يبقى.
نريد طفلاً يتعلم.
وشاباً يتدرب.
وأسرةً تقف على قدميها.
ومريضاً يجد العلاج.
وذوي احتياجات خاصة يجدون من يحتضن احتياجاتهم لا من ينسى وجودهم.
يا أبناء السودان…
يا من تحملون الوطن في الذاكرة والوجدان…
في الداخل والخارج…
إن السودان لا يُبنى بالكراهية.
ولا بالخلافات السياسية.
ولا بالاصطفافات المجتمعية.
ولا بلغة الإقصاء.
السودان يُبنى بالمحبة.
بالتسامح.
بالتكافل.
بالرحمة.
بالعلم.
بالعمل.
بالقلوب التي تؤمن أن الإنسان السوداني يستحق حياة أفضل.
نهضة الأوطان ليست مسؤولية الحكومات وحدها، بل هي مسؤولية الجميع:
فردٌ يشارك…
وشبابٌ يتطوعون…
ومجتمعٌ مدني يتحرك…
وقادرون يمدون أياديهم…
وخبراء يضعون علمهم في خدمة الناس…
ومغتربون لا ينسون جذورهم…
كلنا شركاء.
كلنا مسؤولون.
كلنا قادرون على أن نصنع فرقاً.
وربما يتساءل أحدنا: وماذا سيفعل دعمي البسيط؟
والجواب:
الأوطان لا تنهض بالضربات الكبرى وحدها… بل بتراكم الخطوات الصغيرة
كتابٌ لطفل.
دواءٌ لمريض.
زيٌّ مدرسي ليتيم.
رسوم دراسة لطالب.
ساعة تطوع.
فكرة مشروع.
كلمة تحفيز.
تبرع بسيط.
كل ذلك قد يصنع مستقبلاً لإنسان… وقد يصنع وطناً.
قال الله تعالى:
﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ﴾
وقال سبحانه:
﴿مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّائَةُ حَبَّةٍ﴾
فلا تستهينوا بخيرٍ صغير.
ولا تظنوا أن مساهمتكم لا تُحدث فرقاً.
ربما كانت صدقتك حياةً لإنسان.
وربما كان دعمك سبباً في تعليم طفل يصبح طبيباً أو معلماً أو مهندساً يخدم السودان غداً
ترس ..
إن بناء السودان يبدأ من تجاوز الخلافات السياسية والمجتمعية، ومن الإيمان بأن الوطن أكبر من اختلافاتنا، وأغلى من خصوماتنا، وأبقى من نزاعاتنا.
السودان الذي نحلم به لن يُولد من الخصام، بل من التكاتف.
لن يُبنى بالهدم، بل بالعطاء.
لن ينهض بالكلمات وحدها، بل بسواعد أبنائه المخلصين.
فلنجعل من مبادرة عشانك يا سودان التنموية التعليمية الخيرية مساحةً للأمل، ومنصةً للعمل، وجسراً للمحبة، ونداءً للوطنية الحقيقية.
تعالوا نعيد للخير مكانته.
تعالوا نعيد للرحمة حضورها.
تعالوا نُثبت أن السودان، رغم الألم، ما زال يلد رجالاً ونساءً يؤمنون أن الإنسان أغلى ما في الوطن.
عشانك يا سودان… نختلف أقل، ونحب أكثر، ونعطي أكثر، ونبني معاً وطناً تسوده المحبة والسلام والكرامة والإنسانية.
ترس تاني ..
وطن الجدود نفديك بالأرواح نجود .. وطني .. وطني ..
وطن الجدود نِعم الوطن خيراتو كم يتدفقن آن الآوان أن نُُمتحن في سبيلو لا نطلب ثمن ..
وطني .. وطني ..
وطن الجدود نحن الفداء من المكائد والعدا نتمنى ليك دايما تسود بدمانا نكتب ليك خلود .. وطني .. وطني .. هيا يا شباب هيا ياجنود هيا حطموا هذي القيود .. وطني .. وطني .
. هيا يا شباب هيا للأمام سودانّا قد ملّ الملام حرية كاملة هي المُرام تؤخذ ولا يجدي الكلام حذاري أن وطنك يضام حذاري أن يصبح حطام جهلٌ .. وفقرٌ ..
وانقسام فلنتحد ويجب نعيد لوطنّا أمجاد الكرام .. وطني .. وطني ..
هيا ياشباب ضموا الجنوب القافلة سارت لن تؤوب أبنوا السلام دكوا الحروب وماء نيلنا يكون عذوب
وطني .. وطني ..
أهتف معي قل يا أخي يحيا الكفاح وينتقي فليخرج الباغي الشقي ويرفرف العلم الأبّي .
zlzal1721979@gmail.com
