شاهدتُ منى أركو مناوى يتحدث فى فيديو عن مدى مسؤولية السافنا عن الجرائم التى نُسبت إليه أثناء وجوده قائداً عسكرياً فى الدعم السريع. وقد حمّل مناوى المسؤولية الأساسية لحميدتى، باعتبار أن ما ارتكبه السافنا من تجاوزات وجرائم كان يتم وفق تعليمات صادرة من القيادة العسكرية العليا، وهى رسالة سياسية تبدو واضحة فى سياق الصراع الحالى.
لكن دفاع مناوى عن السافنا ربما يحمل أيضاً دلالة أخرى، وهى أنه لا يرى خطراً مباشراً على قوات المشتركة من انشقاقات مثل خروج القبة أو السافنا، خلافاً لما يعتقده البعض بأن تلك التحركات قد تكون جزءاً من تفاهم غير معلن بين البرهان وحميدتى يهدف إلى إضعاف المشتركة وتقليص سقف مطالبها السياسية منذ مؤتمر جوبا الشهير.
غير أن دفاع مناوى يفتح باباً واسعاً لسؤال ظل يتردد فى التاريخ الإنسانى الحديث: هل يمكن تبرئة القادة الميدانيين من جرائم القتل والانتهاكات بحجة أنهم مجرد جنود ينفذون أوامر عسكرية؟
هذا المنطق لم يصمد فى محاكمات نورمبرغ الشهيرة عقب الحرب العالمية الثانية، حين تمت محاكمة وإعدام وسجن عدد من قادة الحزب النازى والجيش الألمانى، بعد ثبوت تورطهم فى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. وقد أصبحت تلك المحاكمات سابقة قانونية وأخلاقية مهمة، لأنها أرست مبدأ أن المسؤولية الجنائية لا تسقط بحجة تنفيذ الأوامر.
فالجرائم التى تُرتكب ضد مدنيين أو ضد أشخاص عاجزين عن القتال لا تصدر عادة عن إنسان يحتفظ بوعيه الأخلاقى السليم، بل عن شخص فقد القدرة على التفكير النقدى المستقل، وأصبح أسيراً لشعارات جماعته وأوامر قيادته، غير قادر على الإصغاء لصوت الضمير أو للقيم التى تربى عليها داخل أسرته ومجتمعه. ولذلك فإن المسؤولية الأخلاقية والقانونية تظل قائمة على من ارتكب الفعل نفسه، مهما كانت طبيعة الأوامر التى تلقاها.
ومعظم الجرائم المنسوبة إلى السافنا جاءت من داخل الخندق الذى كانت تقاتل فيه قوات مناوى نفسها، وربما كان من الصعب على مناوى نفى تلك الاتهامات بالكامل، خاصة بعد خروج السافنا من الدعم السريع وانضمامه إلى الجيش، كما فعل كيكل من قبل. لذلك بدا وكأن مناوى اختار نقل المسؤولية السياسية والأخلاقية إلى حميدتى، عبر تقديم السافنا باعتباره مجرد منفذ لأوامر عسكرية عليا.
طلعت محمد الطيب
talaat1706@gmail.com
