محمد صالح محمد
في أزقة الروح الممتدة بين الحنين والانتظار تلوح صورتكِ كطيفٍ يرفض الغياب. أدرك جيداً وفي كل نبضةٍ من قلبي المعذّب أنكِ ما قاسية ولا ناسيه… بل هو عنادكِ الأصيل ذاك الذي يلتف حول قلبكِ كدروعٍ من حرير يخفي خلفه شلالاً من الرقة والدفء.
كبرياء المسافات وشجن العتاب …
أعلم يا حبيبتي أن الأيام قد تبدو جافة وأن الصمت الذي يمتد بيننا كصحراءٍ لا نهاية لها ليس جفاءً منكِ. أنا أقرأ في غيابكِ ما عجزتِ عن قوله؛ أرى في تمنّعكِ عاطفةً جياشة تخاف على نفسها من الانكسار.
لكن هذا العناد واهٍ من هذا العناد! إنه يمزقني ببطء يتركني في مهب الشجن أقتات على ذكريات ملامحكِ السمراء وضحكتكِ التي كانت تغزل من خيوط الشمس أملاً ليومي.
“يا زولةً من طين الأرض وطهر المطر كيف لعنادكِ أن يكون بكل هذه القسوة العذبة؟ وكيف لقلبي أن يزداد غرقاً في بحركِ كلما أظهرتِ لي الصدود؟”
ثورة العشق في محراب الصبر …
أنتِ لستِ عابرة في حياتي لتنسي ولا جلمود صخرٍ لتقسي. أنتِ خمرة الروح والوجع النبيل الذي أرتضيه لنفسي. أتحسس في بعدكِ ملامح “الزولة” التي سكنت تفاصيلي؛ بطيبتها المفرطة، بوفائها المكتوم، وبعنادها الذي يتحدى الريح.
أنا لا أبحث عن خلاصٍ منكِ بل أبحث عن سبيلٍ إليكِ. يسألني الليل عن دموع الشوق فتجيبه بحة حزني:
“أنا بعشقكِ… بعشقكِ بكل ما فيكِ من تمنّع وكبرياء.”
الملاذ الأخير …
يا ملاكي الساكن في غيمات البعاد دعي العناد جانباً ولو للحظة واحدة واسمحي لقلبكِ المشتاق أن يتنفس. فما أنا إلا عاشقٌ أتعب السفر روحه ولم يجد وطناً يلملم شتاته سوى عينيكِ. سأظل هنا على عهد الهوى أرتل اسمكِ في دهاليز الحزن وأنتظر خلف أبواب كبريائكِ… حتى يلين العناد وتعود “الزولة” التي أحببتها إلى مرافئ قلبي المنتظر.
ولكن يبدو أن للقدرِ كلماتٍ أخرى لم نكتبها نحن بل خطّها الفراق بأحرفٍ من جمر.
لقد مضى العمر يا زولتي وأنا واقفٌ في ذات المكان أراقبُ طيفكِ الذي تكسر على جدران غيابكِ الأبدي. رحلتِ وأخذتِ معكِ عنادكِ الرقيق وتركتِ لي هذا السواد والخراب الموحش في صدري.
لم ينكسر كبرياؤكِ ولم يلن كتمانكِ لكن قلبي أنا هو الذي تهشّم كزجاجٍ تحت أقدام الرحيل.
اليوم أجلس وحيداً مع حزني أطحن ذكرياتنا كالملح فوق جروحي النازفة. أبكيكِ بدموعٍ لم تعد تجف، وبصوتٍ مخنوقٍ يتردد صداه في غرفتي المظلمة لماذا كان عليكِ أن تمنعني في تمنّعكِ حتى انقضى الوقت؟
“رحم الله حباً مات كبراً ورحم الله عاشقاً بات حياً بجسدٍ وميتاً بروحٍ بكتكِ حتى عميت عن رؤية سواكِ.”
يا من كنتِ و مازلت كل وطني غادرت الديار وما غادرت الروح. سأحملكِ غصةً في حلقي وحسرةً وأبقى أعشقكِ… حتى يلتقي في الفناء رمادي برمادكِ.
binsalihandpartners@gmail.com
