محمد صالح محمد
أكتب إليكِ اليوم ولا أدري أيّ حبرٍ يكفي لترجمة هذه الغصة العالقة في حنجرة الوقت وأيّ الكلمات يمكنها أن تحمل وزناً حقيقياً لقلبٍ يتفتت كل ليلة شوقاً إليكِ. يا “زولتي” البعيدة يا من أخذتِ معكِ نبضي وتركتِ لي جسداً خاوياً يصارع وطأة الأيام أحدثكِ والمسافات بيننا ليست مجرد كيلومترات تُقطع بل هي خناجر مغروسة في خاصرة اللقاء و تدمي الروح مع كل ثانية تمر دون أن أرى عيناكِ.
كل شيء هنا يفتقدكِ حتى أنا لم أعد أعرف نفسي في غيابكِ. أمشي في الشوارع الكئيبة أرى الوجوه كلها غريبة وكأن الدنيا خلت من البشر إلا من طيفكِ الذي يلاحقني في زوايا الغرفة وفي تفاصيل فنجان قهوتي الحزين.
غيابكِ يا حبيبتي لم يكن مجرد هجران أو سفر كان انتزاعاً لروحي من بين ضلوعي وتركها معلقة في هواء الحنين اللافح.
لوعة المغيب وحشة الليل الطويل …
حين يأتي المساء تبدأ طقوس عذابي الأبدي. فالليل في بُعدكِ ليس للراحة بل هو ساحة إعدام علنية لأحلامي. أتأمل السماء البعيدة وأتساءل بقلبٍ يقطر دماً هل تنظرين إلى نفس القمر الآن؟ هل تشعرين ببرودة الشوق التي تجمد أطرافي؟
إن الشوق إليكِ أصبح مرضاً مزمناً ينهش في جسدي بلا رحمة. أتذكر ضحكتكِ الساحرة تلك التي كانت بمثابة إعلان ربيعٍ دائم في حياتي فأبكي. أبكي بحرقة الطفل الذي فُطم عن أمه قبل الأوان وبمرارة العاشق الذي يرى عمره يتسرب من بين أصابعه دون أن يضم يديكِ إلى صدره.
“يقولون إن البُعد يقتل الحب ولا يعلمون أن بُعدكِ أحرق كل شيء في داخلي وأبقى حبكِ حياً كالندبة الخالدة في قلب الروح.”
رسالة إلى المرفأ البعيد …
يا ملاكي الراحل خلف حدود المدى إنني أعيش على بقايا ذكرياتنا؛ كلمة طيبة منكِ في بريد قديم، نبرة صوتكِ المسجلة التي أستمع إليها آلاف المرات حتى تبتل شاشة هاتفي بدموعي، ورائحة ثوبكِ التي ما زالت عالقة في ذاكرة حواسي.
كيف أتحمل فكرة أنكِ هناك تقاسين وحشة الغربة وحدكِ وأنا هنا مكبل بقلة الحيلة عاجز عن قطع هذه المسافات اللعينة لأحتضنكِ وأخبركِ أن الدنيا دون عينيكِ ليست سوى مأتم كبير؟ ينفطر قلبي كلما تخيلت أنكِ قد تبكين يوماً ولا تجدين كتفي لتسندي عليه رأسكِ المتعب.
رماد الانتظار وعمق الفجيعة …
إنني أذوب كشمعة في مهب الريح وكل يوم يمضي دون أن نلتقي هو قضمٌ من عمري المستباح. لقد تعبت يا زولة قلبي تعبت من التظاهر بالقوة أمام الناس بينما أنا في الخفاء أنهار كبيت من رمل عند أول هبة لذكراكِ.
رومانسيتنا التي كانت تزهر فرحاً تحولت الآن إلى قصيدة رثاء حزينة نكتبها بدموع المآقي ولوعة الحرمان. أحبكِ؟
بل اهتم بتفاصيلكِ التي غابت وأقدس هذا الألم لأنه الشيء الوحيد المتبقي منكِ في حوزتي.
إذا كان القدر قد كتب علينا هذا البُعد المُميت فاعلمي أن قلبي سيبقى نابضاً باسمكِ حتى يدركه الموت الحقيقي. سأظل أتنفس شوقكِ الحارق وأبكي غيابكِ المر متوسلاً إلى الأيام أن تجمع شتاتنا أو أن تأخذني المنية فأستريح من عذابٍ فاق قدرة الجبال على التحمل.
أنتظرِكِ وفي عينيّ غيمة دموع لا تمطر إلا حنيناً إليكِ.
قبل انطفاء النبض …
ها أنا أُغلق دفتري وقلبي ينزف آخر قطرات أمله. لقد جفّت الدموع في مآقيّ ولم يعد في الروح متسعٌ لمزيد من طعنات الحنين. إذا لم تجمعنا الأيام يا زولة قلبي ولم يكتب لنا القدر لقاءً فوق هذه الأرض الموحشة فخذي عهدي الذي لن يموت:
سأرحل عن هذا العالم وأنا ألتفّ برداء شوقكِ الحارق وسأترك روحي هائمة في الفضاء تبحث عن ريحكِ. وإن مررتِ يوماً بقبري فلا تبكي بل اقتربي واهمسي باسمي….
فإن جسدي الفاني تحت التراب سيهتزّ وسينبض لكِ قلبي الميت حباً، وولهاً، وبكاءً إلى أبد الآبدين
binsalihandpartners@gmail.com
