في خضم انشغال العالم بالتطورات في مضيق هرمز، يتناسى المجتمع الدولي مؤقتاً ما يجري في البحر الأحمر. بصراحة، ما يحدث هناك ليس مجرد أزمات ملاحية عابرة، بل إعادة رسم لخريطة النفوذ الإقليمي بأكملها. والسودان — رغم انشغاله بأزمته الداخلية — يجد نفسه في قلب هذه اللعبة الجيوسياسية الكبرى. وفي الوقت الراهن، قد تدفع هذه الظروف السودان إلى اتخاذ قرارات خاطئة تنعكس على مستقبل الإقليم باكمله.
الحوثيون: لاعب صغير بأوراق كبيرة
لا يمكنني — كسوداني يعرف جيداً كيف تُستغل الأزمات الداخلية — إلا أن أتعاطف مع اليمنيين الذين تحولت بلادهم إلى أداة ضغط إقليمية. الحوثيون، بسلاحهم الإيراني وموقعهم الاستراتيجي عند باب المندب، لم يكونوا مجرد “قراصنة” كما يرسمهم الإعلام الغربي. بل هم وكلاء استراتيجيون في لعبة أكبر، يُضغطون بها على العالم بأسره.
لكن السؤال الذي يؤرقني: كم من الوقت يمكن أن يستمر هذا التوازن الهش؟ الهدنة المؤقتة — إن وجدت — لا تعني نهاية التهديد. والملاحة الدولية، التي تمر عبر باب المندب كشريان حيوي، ستظل رهينة لهذه المعادلة الملتهبة.
حرب الموانئ: من يسيطر على الشاطئ يملك المستقبل
هنا تكمن المفاجأة التي تستحق التأمل. لم يعد الصراع على البحر الأحمر مجرد قصة أمن الطاقة تُروى في نشرات الأخبار. نعم، النفط مهم — لكن هل تعلم أن أشباه الموصلات (الرقائق الإلكترونية) أصبحت الآن جزءاً من هذه المعادلة؟
في عالم يتسابق فيه الجميع نحو الذكاء الاصطناعي والصناعات الدفاعية المتقدمة، من يضمن مرور هذه الرقائق بأمان يملك مفتاح المستقبل. وهذا يفسر — على الأقل جزئياً — السباق المحموم نحو السيطرة على الموانئ:
- تمر عبر قناة السويس غالبية شحنات أشباه الموصلات (الرقائق الإلكترونية) المنتجة في شرق آسيا والمتجهة إلى الأسواق الأوروبية والأمريكية، حيث تُعد القناة ممرًا حيويًا لا غنى عنه في سلاسل الإمداد العالمية
- صومالى لاند والاعتراف الإسرائيلي بها: ليس مجرد دبلوماسية، بل تمهيد لقاعدة عسكرية عند ميناء بربرة.
- السودان الذي تحول إلى ساحة عروض عسكرية: روسيا تطلب قاعدة لـ25 عاماً مقابل السلاح، وإيران تتمدد، والخليج يراقب بقلق.
- جيبوتي، حيث تتعاقب صفقات إدارة الموانئ بين القوى العظمى كأنها مزاد علني.
-اثيوبيا التى تبحث عن عن منفذ الى البحر
-السعودية، باستثماراتها الضخمة، تسعى لتحويل موانئها إلى مركز لوجستي بديل. - مصر تنظر بقلق حقيقي إلى أي مشروع قد يهدد شريان حياتها الاقتصادي.
من النفط إلى الرقائق: التحول الجذري
أذكر حين كنت أتابع تقريراً عن سلاسل الإمداد العالمية، واكتشفت أن هجمات الحوثيين لم تُعطل فقط ناقلات النفط، بل أعادت رسم خريطة الخدمات اللوجستية بأكملها. الشركات تبحث عن طرق بديلة — مكلفة، نعم، لكنها ضرورية. وهذه الطرق البديلة لا تخدم فقط السلع التقليدية، بل تخدم مراكز التصنيع التكنولوجي المتنافسة في آسيا والغرب.
تخيل معي: الرقائق الإلكترونية التي تشغّل هاتفك الذكي، أو تلك التي توجّه أنظمة الدفاع الصاروخي، قد تعبر – أو لا تعبر – عبر ميناء إما أن نسيطر عليه نحن العرب، أو أن يسيطر عليه غيرنا. هذا ليس خيالاً علمياً؛ هذا هو الواقع الجيوسياسي الجديد.**السؤال السوداني-العربي: أين نحن من كل هذا؟
هنا أعود إلى بلدي، السودان. رغم الحرب الداخلية التي تمزقنا، نجد أنفسنا مطلوبين كـموقع استراتيجي من قبل الجميع. الروس يريدون قاعدة، الإيرانيون يتمددون، الخليجيون يتوسطون. امريكا تحذر من قيام القاعدة الروسية لكن السؤال الذي يجب أن نطرحه — نحن السودانيين هو: ماذا نريد نحن؟
في هذا المشهد المعقد، يتضاءل النفوذ العربي التقليدي لصالح إدارة شبكة معقدة من القوى الدولية: أمريكا، الصين، روسيا. مستقبل البحر الأحمر لم يعد مجرد معادلة أمنية، بل هو صراع متعدد الأبعاد على مستقبل الاقتصاد العالمي نفسه.
وفى عتقادى بدون استراتيجية عربية موحدة دون طموحات قطرية سوف يصبح الممر المائي العربي الأهم رهينة لحسابات الآخرين. نحن هنا في السودان، وفي كل أرجاء الوطن العربي، نستحق أن نكون لاعبين في هذه اللعبة، لا مجرد ساحة لها.
د. عوض النقر بابكر محمد
المملكة العربية السعودية- الرياض -966537626864
awadelnager@gmail.com
