زهير عثمان
قراءة في حراك القوى المدنية السودانية
تشهد نيروبي حراكاً سياسياً لافتاً لقوى سودانية مناهضة للحرب تحت مظلة “إعلان المبادئ لبناء وطن جديد”
لكن الجدل في الشارع السوداني ليس حول شرعية التحرك بقدر ما هو حول فعاليته- هل هذا التجمع استجابة أخلاقية لوطن مكلوم، أم محاولة استباقية لضمان مقعد في تسوية لم تتبلور ملامحها بعد؟
أوّلاً- الاستباق مشروع، لكن العزلة قاتلة
يظن البعض أن ابتعاد هذه القوى عن جغرافية الحرب يضعف تأثيره , والحقيقة أن أدوات التأثير لا تقتصر على السلاح، بل تمتد للشرعية السياسية
لكن الخطر الحقيقي ليس في “البعد الجغرافي” بل في الانفصال عن إرادة الميدان الحقيقي – لجان المقاومة، تنسيقيات الخدمات، النازحون هؤلاء غائبون عن نيروبي
وأي مشروع سياسي لا يجد قنوات حقيقية للارتكاز على هذه الطاقة الشعبية سيبقى نخبوياً معزولاً، وسيُقرأ على أنه “صفقة نخب” في لحظة انهيار كامل للدولة
ثانياً- هل التوقيت حليف أم خصم؟
القوى السياسية تخشى الغياب عن التسوية القادمة، لكن السؤال الأصعب – هل أدركت هذه القوى أن التوقيت قد يكون سلاحاً ضديها؟ المجتمع الدولي مرهق، والإقليم منشغل، وطرفا الحرب لا يزالان يراهنان على المكاسب الميدانية
ولا استباق للتسوية قبل أن تنضج شروطها الحقيقية (وقف فعلي لإطلاق النار، موقف دولي موحد) قد يحوّل نيروبي إلى مجرد “ورشة خطابية”. الفارق بين هذا الإعلان وإعلان قوى الحرية والتغيير (2019) أن الأخير وُلد في لحظة انتفاضة جماهيرية، بينما هذا يولد في لحظة فراغ وسلاح يقرع الطبول
ثالثاً- مشروع وطن جديد… أم مجرد مقعد؟
التنوع في نيروبي (حمدوك، عبد الواحد نور، التجمع الاتحادي، المهنيون) هو نقطة قوة ومكمن خطر
القوة في أنه يشكل كتلة حرجة يمكنها أن تدّعي تمثيل “الشارع المناهض للحرب”
الخطر في أن هذه القوى لم تقدم بعد إجابة واضحة على سؤال هو بماذا يختلف وطنكم الجديد عن وطن 2019-2021؟ إذا ظل المشروع المدني أسير شعارات دون آليات حقيقية لكسر اقتصاد الحرب ومحاسبة المتورطين وحل الميليشيات، فسيظل الاختلاف شكلياً
المجتمع الدولي لن يكرر تجربة “حكومة مدنية هشة” انهارت بانقلاب
رابعاً- غياب قراءة في “طبقة زمنية” أكثر قسوة
التاريخ السوداني يعلّمنا أن التنوع الواسع دون حوكمة داخلية صارمة يتحول إلى شلل
الخطر ليس فقط في الخلافات القديمة، بل في غياب آلية فض النزاع داخل هذا التجمع نفسه قبل أن يذهب إلى المفاوضات
كما أن غياب موقف واضح وصادم من دور القوى الإقليمية (الإمارات، مصر، السعودية، تركيا) التي تموّل طرفي الحرب يجعل أي إعلان مجرد خطاب أخلاقي لا أداة ضغط
خامساً- “البعد عن الجغرافيا” ليس وهماً بل جرحاً مميتاً
نظرياً، يمكن للسياسي أن يؤثر من بعيد و لكن عملياً , كيف لنخبة في نيروبي أن تدّعي تمثيل من يعيشون تحت القصف في الخرطوم أو في خيام زمزم؟ المشكلة ليست في “فقدان التأثير” بل في فقدان الصدقية
أي حوار سياسي لا يترافق مع دعم ملموس (إنساني، لوجستي، إعلامي) لصمود المدنيين في الداخل سيُقرأ على أنه “هروب إلى الأمام”
المجتمع السوداني حساس جداً لمثل هذه الإشكاليات منذ أيام “صالونات المهجّرين” في نيروبي أيام الإنقاذ
بين الخوف من الاندثار والمبادرة الحقيقية
ليس اجتماع نيروبي مجرد “صراع بين الخوف من الحرب والسعي للسلطة”. إنه محاولة يائسة لتعويض غياب فاعل مدني متماسك منذ اندلاع الحرب. لكن نجاحه مرهون بثلاثة أشياء – آلية ربط حقيقية بالداخل لا تمر عبر الإعلام فقط ,تجاوز سريع لشخصنة السياسة نحو حوكمة مؤسسية
تحويل “النادي النخبوي” إلى ورشة عمل لبناء بديل شعبي – وإلا فستظل نيروبي مجرد عنوان عابر في سجل المآسي السودانية
االامر الأعمق هو المأساة السودانية اليوم أكبر من قدرة أي حراك في نيروبي أو غيرها على احتوائها، ما لم ينتقل هذا الحراك من الخطاب إلى الفعل، ومن الاستباق إلى الارتكان الحقيقي إلى إرادة من يموتون تحت القنابل.
zuhair.osman@aol.com
