( قصة قصيرة من الألم الحزين ) ، إنها الحرب يابني أوجعت ومازالت ولكن ( ام عضلات دي كلاما تاني ) !!.. ( ٣ ) .
خلاص عم عبدالصبور تنفس الصعداء وهو يري حافلتنا المهلهلة تدخل العبارة الفارهة ووقفت بكل ادب واحتشام قرب زميلة لها تصغرها سنا وتفوقها جمالا وروعة لدرجة أن ركابها لم يترجلوا منها طيلة فترة العبور للبر المصري لأنهم كانوا سعداء بأن أجوائهم الداخلية كانت مواتية وعندهم افخم الطعام والشراب والمقاعد الوثيرة والعدد المحدود ووسائل الترفيه للكبار والصغار ومن اراد الاطلاع وتصفح الصحف والمجلات كان يجد راحته بالكامل مع خير جليس وهو الكتاب وسرج سابح هو هذا الكرسي الذي يجلس عليه ويمكن بحركة بسيطة تحويله الي أريكة تمكنه من أخذ قسط من النوم يطول أو يقصر !!..
وعم عبدالصبور وفرقته نزلوا من معتقلهم التحفظي داخل الحافلة الكارثة ونزلوا أهلا وسهلا الي أرضية العبارة وهم في كامل الرضا والسعادة ونسيم البحر يداعب وجوههم التي تيبست ومعها مفاصلهم من حر السموم !!..
وفي البر المصري وبعد فترة راحة واستجمام لابد منها وبعد تناول الوجبات المصرية الشهية خاصة الفول والطعمية والأسماك والبيض الفراخ والشاي الصعيدي الذي يعدل الرأس ويصلح المزاج رأينا كلنا ولأول مرة منذ أن غادرنا الوطن الحبيب العم عبدالصبور تفتر شفاهه عن ابتسامة عريضة أعقبتها ضحكة من الاعماق وهو يعلن للجميع بينما كان واقفا بثقة واعتدال أمام حافلة تبدو كعروس النيل يفوح الجمال من اعطافها ومنظرها مثل النسيم العليل يعيد البهجة والسرور لمن كايد المبيت أربعة ليال في مركبة من الزمن الماضي اكل عليها الدهر وشرب وتجشا !!..
هتف عمنا بصوته الجمهور وكما قلنا وهو يضج فرحة وسرور :
( خلاص يا اهلنا وشيبنا وشبابنا وياصغارنا زال الهم والكدر وهذه الحافلة التي ترونها أمامكم هي التي ستحملكم الي القاهرة وهي حافلة مصرية قائدها في كامل الهندام ومعه طاقمه من المضيفين وكلهم كانوا يحسنون الحديث والتخاطب مع الركاب مع القفشات الحلوة والاستعداد لتقديم أي خدمة تدخل السرور علي المسافرين ) !!..
فعلا كانت الحافلة مظهرا وجوهرا ومن الداخل بالذات كانت وكأنها الفندق الكبير من حيث الاناقة والجمال وكانت فارهة احسسنا معها بالأمان والطمأنينة والاستقرار !!..
انطلق بنا السائق وهؤلاء القوم يجيدون القيادة ويدركون تماما أنها فن وليست لعب عيال وبسيرون علي طرق طويلة وواسعة وشاسعة ولا فيها مطبات وحفر واخاديد ولا سوايم ضالة تعترض الحركة وتسبب الحوادث المرورية المزلزلة !!..
عمنا عبدالصبور أصبحت القاهرة أمامه حقيقة ماثلة وهو يلقي بعصا التيسار في حدائق الأزهر الشريف وهي المحطة الأخيرة ومنها بدأ التفويج الي أحياء قاهرة المعز وكان جميلا وحتي لانتدكس في العراء في منظر لا يسر أهل البلد المضياف مصر الشقيقة ورغم أننا كنا أسرة كبيرة ممتدة إلا أن كل مجموعة صغيرة من هذه الأسرة الكبيرة وجدت مندوبا يستقبلها ومن غير تضييع للوقت تحركت كل مجموعة صغيرة مع مندوبها الي الشقة التي ستكون مسكنها ومقر إقامتها ربما لفترة تطول أو تقصر علي حسب ظروف الأحوال في بلادنا الحبيبة التي تدور فيها حرب لعينة انطلقت من عقالها هكذا دون سابق إنذار ووضح من البداية والشراسة التي صاحبتها أنها قطعة من نار بل لظي احمر فوق الاحتمال.
ودع عبدالصبور بقية المجموعات علي امل أن تستقر كل مجموعة وترتب أوضاعها مع الظروف الجديدة وبعد ذلك يمكن استئناف الزيارات والمقابلات بنفس ماكان عليه الحال في السودان في تفقد الأحوال ومواصلة الارحام والتشاور وتبادل المعلومات !!..
اوصل المندوب عمنا عبدالصبور وأسرته الصغيرة الي شقة أنيقة في حي جميل تحيط به الأشجار والزهور به المتاجر الصغيرة والكبيرة وبه كل مستلزمات العيش الكريم !!..
هذا المندوب يبدو أنه موصي تماما من مغترب ابنة أو ابن بدأ دورهما في القيام بكافة شؤون الأسرة والصرف عليها منذ المغادرة وحتي الوصول إلي أرض الكنانه وهي بالمناسبة ليست أرض لجوء بل أرض أشقاءكنا في يوم من الايام معهم وطن واحد بكل مافيه من عادات وتقاليد سمحة وتدين واضح فطري وكرم وأخلاق من الطراز الرفيع .
عم عبدالصبور وأسرته دخلوا الشقة ووجدوا كل شيء مرتب وحتي الوجبات كانت جاهزة مع العصير والشاي والمرافق كانت في غاية الأناقة والجمال والغرف جاهزة علي احسن مايكون والمطبخ عامر ) !!..
لم ينتظر عم عبدالصبور طويلا ودخل في محادثة طويلة مع ابنته العزيزة المغتربة في ماوراء الأطلنطي لكن كل همها وقلبها مع أسرتها قبل الحرب في الوطن الحبيب وبعد الحرب بعد أن خرجوا مضطرين والشر قد ابدي ناجزيه لهم فطاروا منه زرافات ووحدانا !!..
( بارك الله فيك يا بنتي العزيزة وجزاك الله سبحانه وتعالى كل خير وسدد خطاك وحفظك مع أسرتك وقد وصلنا بسلام الي مصر العروبة وكل شيء علي احسن حال وقد قمت بالواجب وزيادة والحمد لله نحن منذ البداية دخلنا مصر معززين مكرمين بتوفيق من الله سبحانه وتعالى ورعاية من أبنائنا وبناتنا في ارض المهجر ونحن سعداء أن وطننا بخير وان فلذات أكبادنا بخير وان كافة المغتربين علي حسب تخصصاتهم واوضاعهم وعلي حسب تواجدهم في هذا الكون العريض قد شالوا الشيلة الكبيرة وحافظوا علي ماء وجوه اهلهم وجعلوهم مرفوعي الرأس خارج الوطن فيا لسعادة بلادنا بابناينا وبناتنا المغتربات الذين رغم ظروفهم في بلاد الشتات لكنهم ضحوا من اجلنا ووقفوا معنا في أدق الظروف مع حرب لعينة منسية اكلت الأخضر و اليابس وأحرقت الحرث والنسل وخربت البنية التحتية وعممت الفوضي !!..
عم عبدالصبور سعيد وفخور بمغتربي السودان الذين يقفون الآن هذه الوقفة البطولية مع أهلهم الذين شردتهم الحرب وجردتهم من المسكن ومن الوظيفة والهوية ولكن المغتربين جعل الله سبحانه وتعالى لهم في كل خطوة سلامة وحفظهم من كل شر وبلاء وهم بكل هذا التقاني ونكران الذات المامول فيهم إعادة بناء وطننا الجريح الذي نرجو من الله سبحانه وتعالى أن نعود إليه سالمين غانمين سعيدين فرحين ومستبشرين !!..
نواصل إن شاء الله سبحانه وتعالى في الحلقة القادمة .
حمدالنيل فضل المولي عبد الرحمن قرشي .
القاهرة .
ghamedalneil@gmail.com
