نزار عثمان السمندل
الذهب الذي كان يُفترض أن يفتح أبواب النجاة للسودانيين، صار يجرّ البلاد إلى حفرة أعمق من الحرب. حفرة مشبعة بالسيانيد، مطلية بغبار الطمع، ومحروسة بصمت سلطة عاجزة حتى عن حماية الماء من السم.
بهذا الشكل، تعود ولاية نهر النيل إلى واجهة الكارثة. قطيع كامل من الضأن تمدّد قرب أحواض التعدين كأنّه مشهد من نهاية ريفٍ مهجور، بعدما شرب من برك اختلطت فيها المياه بمادتَي السيانيد والثيوريا، المستخدمتين في استخلاص الذهب.
رؤوس نافقة، عيون مفتوحة على ذهول أخير، وطين ثقيل يبتلع ما تبقى من معنى الأمان في بلاد تتسع فيها المقابر أسرع من اتساع المدن.
المشهد الذي اجتاح منصات التواصل لم يكن مجرد حادثة نفوق ماشية. بدا كأنه الصورة المظلمة لبلد تُترك أطرافه لمصيرها، بينما تنشغل حكومة الأمر الواقع في بورتسودان بإدارة حرب تتسّع معها حقول الدمار، من دون أن تنجح في توفير الحد الأدنى من الطمأنينة للناس.
عجزٌ تمدّد من ميادين القتال إلى مجاري السيول، ومن أجنحة الكوليرا إلى مستنقعات حمى الضنك، قبل أن يصل الآن إلى الأحواض السامة المفتوحة على القرى والمراعي والصدور العارية.
السوداني الذي نجا من رصاص الجنجويد، يجد نفسه أمام موت آخر يتسرّب عبر الماء. والذي أفلت من السيول، تحاصره الأوبئة. والذي احتمى من المجاعة، قد يسقط ضحية جرعة سم غير مرئية، في بئرٍ أو جدولٍ أو حوض تعدين تُرك مفتوحاً كفخٍّ.
بلاد كاملة تتحرك فوق أدراج من الإنهاك، بينما السلطة تبدو كأنها تطارد الوقت بخطاباتها، تاركة المواطنين وجهاً لوجه أمام الطبيعة حيناً، وأمام السموم حيناً آخر.
سكان مناطق التعدين يروون القصة بمرارة يعرفها الريف السوداني جيداً. أحواض مكشوفة تُستخدم لفصل الذهب عن الصخور، مواد كيميائية فائقة السمية تُسكب في العراء، ثم تُترك تحت الشمس والرياح، قرب مساكن البشر ومسارات الحيوانات.
الضأن لم يكن يعرف أنه يشرب موتاً سائلاً. اقترب من البرك كما تقترب الكائنات العطشى من أي أثر للماء في أرض يابسة. دقائق قليلة كانت كافية لتحويل القطيع إلى كتلة من السكون الثقيل.
سنوات طويلة مرّت والأهالي يطالبون بردم الأحواض الخطرة أو إحاطتها بحواجز تمنع اقتراب البشر والماشية. المطالب نفسها كانت تصعد ثم تختفي داخل بيروقراطية مثقلة بالفوضى والحرب والانهيار. حتى جاء النفوق الجماعي الأخير، ففتح الباب مجدداً على السؤال القديم: كم روحاً يحتاج السودان كي يقتنع بأن التعدين العشوائي صار تهديداً وجودياً؟
الشركة السودانية للموارد المعدنية سارعت إلى القول إن الحادثة وقعت داخل منطقة نشاط غير مقنن، وإن المواد الكيميائية استُخدمت خارج الاشتراطات الفنية والبيئية. غير أن هذه اللغة الرسمية بدت باردة أمام صور الضأن الملقى قرب البرك كضحايا حرب صامتة.
حرب بلا طائرات ولا مدافع. حرب تنفثها مواد كيميائية تتسرّب إلى التربة والمياه والأجساد.
الخبير البيئي الدكتور بشير عمر بشير أعاد في حديثه لـ”العربية”، التذكير بخطورة السيانيد، القادر على قتل الكائنات الحية حتى عند التركيزات المنخفضة، بسبب تأثيره المباشر على قدرة الخلايا في امتصاص الأكسجين.
مادة تهاجم الدماغ والقلب بسرعة خاطفة، وتحول مناطق التعدين إلى بؤر تلوث مفتوحة، خصوصاً حين تُستخدم خارج أي رقابة علمية صارمة.
غير أن الكارثة السودانية لم تعد كامنة في خطورة المادة وحدها، وإنما في المناخ الذي يسمح بتحول السم إلى تفصيل يومي. هنا تكمن المأساة الأعمق.
دولة تتآكل مؤسساتها، وسلطة تلهث خلف تثبيت وجودها، وأطراف مترامية تُترك وحيدة أمام الكوارث.
السيول تأتي وحدها. الأوبئة تأتي وحدها. السموم تتمدد وحدها. والمواطن يواجه كل ذلك وحيداً، بظهره المكشوف، بينما يبرز وجه السلطة مرتبكاً وعاجزاً، كمن يدير بلداً من خلف زجاج سميك… يسمع الضجيج ولا يقترب من الحريق.
سلطة تبدو منشغلة بكل شيء إلا الإنسان السوداني.
كم سودانياً ينبغي أن يموت، حتى تشعر هذه السلطة بأن البلاد تتحلل بين يديها؟
