كتب د. عزيز سليمان استاذ السياسة والسياسات العامة
لعقود طويلة، ظل البلدان – السودان ومصر – يديران علاقتهما خلف شعارات زاهية ورومانسبة مترعة بالحلم.. “وحدة شعب وادي النيل”، “التاريخ المشترك”، “الأخوة الأزلية”. شعارات تبدو جميلة على المنابر، لكنها كانت دائماً تخفي تحتها توترات حقيقية لم يجرؤ أحد على مواجهتها. الأزمة السودانية الأخيرة، وما تبعها من موجة لجؤ كبيرة نحو مصر، أسقطت هذه الواجهة تماماً، وكشفت عن جمر كان يتقد وميضه تحت الرماد منذ زمن طويل.
فمن الجانب المصري، صعد خطاب شعبوي عدائي على وسائل التواصل الاجتماعي أعاد إنتاج صورة السوداني كتهديد، وصل في بعض تجلياته استدعاء ذاكرة الاستيطان الهكسوسي لمصر. وعلى أرض الواقع، وثّقت تقارير موثوقة ممارسات أمنية بلغت حد تمزيق وثائق اللجوء الصادرة عن المفوضية الأممية وترحيل أصحابها قسراً، مصحوبة بحالات وفاة مؤكدة أثناء الاعتقال. ومن الجانب السوداني، استيقظت بحدة مشاعر الحذر التاريخي من “الأبوية المصرية الخديوية”، وتصاعد التوجس من نوايا الجار الشمالي. فما يجري اليوم يكشف عمق ازمة مؤلمة لشرخ نفسي وإنساني عميق بين شعبين تجمعهما جغرافيا واحدة وينتظرهما مصير واحد، في اللحظة التي يقتربان فيها من أشرس معاركهما المشتركة حول المياه.
في علم النفس السياسي، تظهر ما يُسمى بـ”عقدة الأخ الأصغر” Younger brother complexity عادةً بين شعوب تشاركت تاريخاً طويلاً لكن بشروط غير متكافئة. هذه العقدة تبقى كامنة في العادة، لكنها تنفجر بقوة عندما تُجبر الأزمات الكبرى “الأخ الأصغر” على طلب العون من “الأخ الأكبر”. وهذا بالضبط ما حدث عندما اضطر مئات الآلاف من السودانيين، من بينهم نخب العاصمة ومثقفوها، إلى النزوح شمالاً هرباً من حرب لم يختاروها.
هذه اللحظة الصعبة أطلقت ردود فعل متناقضة في الوقت ذاته، فقد شعر كثير من السودانيين بأن طلب الحماية من مصر يمس كبرياءهم الوطني، فاستدعوا تلقائياً ذكريات الحقبة الاستعمارية المشتركة ومرارات “الأبوية المصرية الخديوية” التاريخية ليحموا أنفسهم من الشعور بالامتنان القسري أو الدونية. وفي الوقت نفسه، قرأ كثير من المصريين هذا التدفق البشري المفاجئ من زاوية الخوف الاقتصادي… التنافس على فرص العمل، والضغط على الخدمات، وارتفاع الإيجارات الذي أوجع الجميع. هذا الاصطدام بين خوف المضيف وكبرياء الضيف خلق بيئة مشحونة جعلت من الصعب على السوداني أن يتصالح مع واقع احتياجه، ومن المستحيل على المسؤول المصري أن يدرك أن إهانة “الأخ الأصغر” في أشد لحظاته ضعفاً هي طعنة في الأمن القومي المشترك، أو بشكل اكثر دقة فض لعذرية تلك الشعارات الرومانسية التي وردت في افتتاحية هذا المقال.
وفي خضم كل هذا، يبقى السؤال الأكبر مغيّباً عن النقاش العام… مصر والسودان يخوضان بالفعل، وإن بصمت، المراحل الأولى من حرب المياه مع إثيوبيا. بعد ان اعلنت إثيوبيا سيادتها على مجرى النيل الأزرق بتدشين سدها في أرض بني شنقول… وفي أي مواجهة جدية مقبلة، لا يمكن لمصر – وحسابات استراتيجية بسيطة – أن تحمي حقها في مياه النيل دون السودان كعمق استراتيجي وجغرافي لا بديل عنه. لكن المفارقة المؤلمة أن السودان بات اليوم “ورقة” تتجاذبها الأطراف. فإثيوبيا تغذي بذكاء التوجس التاريخي السوداني من مصر لتبقي الخرطوم دائماً على بعد مسافة منها، فيما تنشغل النخب السياسية والعسكرية السودانية بصراعاتها الداخلية، غير مدركة كم يُوظَّف موقع بلادهم الجغرافي في لعبة أكبر من أطر خيالاتهم المشوشة.
والمأساة الحقيقية أن السياسة المصرية الراهنة في التعامل مع اللاجئين السودانيين تُفاقم هذه المعضلة بدلاً من أن تعالجها. فترحيل اللاجئين السودانيين قسراً، وتمزيق وثائق حمايتهم الدولية، وموت بعضهم المجاني اثناء الاحتجاز وإخضاعهم للابتزاز والمضايقة، يُضعف الرابط الإنساني بين الشعبين، و يُدمر الحاضنة الاجتماعية التي ستحتاجها مصر بشدة في معركة المياه القادمة (التي تلوح في الأفق). حيث لن تكسب القاهرة هذه المعركة الوجودية بالتفاهمات الأمنية السرية مع السلطات المتنفذة وحدها، طالما أن الاستعلاء الثقافي وقصر النظر السياسي يحوّلان الشريك الاستراتيجي في الجنوب إلى جار يُرحل قسرا وفي حلقه غصة وفي صدره جرح لا ينسى.
أمام هذا الواقع، لم يعد أمام البلدين ترف التقاطع في جدالات التاريخ وعقد النقص المتبادلة. فما تؤكد الجغرافيا كحقيفة صلبة أنهما جزء من حوض مائي واحد، وكلاهما يواجه التهديد الوجودي ذاته. والمخرج يستلزم خطوات جادة من الطرفين..
أولاً – على القاهرة أن تدرك أن ترحيل السودانيين قسراً وإهانتهم في وقت محنتهم هو تدمير لأهم أوراقها الاستراتيجية قبل أن تلعبها. إن احتواء أزمة “الأخ الأصغر” بكرامة ليس تفضلاً إنسانياً، انه ضرورة أمنية قومية تقتضي وقف المضايقات فوراً، والتحرك نحو تقنين إقامة السودانيين بآليات مرنة تحترم حقوقهم وتصون كرامتهم.
ثانياً – على النخبة السودانية أن تمتلك الجرأة الفكرية للتحرر من سيكولوجية الضحية والمظلومية المزمنة، وتحويل علاقتها بمصر من سردية “الاستنزاف والتبعية” إلى شراكة براغماتية واضحة الشروط.. تدفقات عوامل ومقومات الأمن الغذائي بما فيه المياه والعمق الجغرافي في مقابل المعرفة والتكنولوجيا واللوجستيات المصرية خاصة في لحظة إعادة الإعمار… هذا هو الطريق الوحيد لانتزاع السودان دوره كشريك حقيقي لا كورقة يلعب بها الآخرون.
في نهاية التحليل يمكن القول اجمالا ان الجغرافيا لا ترحم العاجزين. إذا لم يستطع “الأخ الأكبر” أن يتعامل بوعي واحترام مع محنة شقيقه، فإن “الأخ الأصغر” لن ينسى بسهولة خذلانه في أصعب لحظاته. لكن التهديد المائي القادم من الهضبة الإثيوبية سيجبر الطرفين في نهاية المطاف على الوقوف في خندق واحد. السؤال الحقيقي ليس إن كانا سيفعلان ذلك، ولكن هل سيفعلانه باختيار واعٍ وشجاعة سياسية حقيقية، أم سيُساقان إليه مكرهَين تحت وطأة العطش المشترك وبعد فوات الأوان؟
د. عزيز سليمان
Get Outlook for iOS
quincysjones@hotmail.com
