محمد صالح محمد
أتدرين؟ أعلم يقينًا أن رسالتي هذه لن تصل إليكِ. لن تلمس أصابعكِ الرقيقة شاشتها ولن تقرأ عيناكِ المنهكتان سطورها ولن تريْ حبرها الذي هو في الأصل دموعي ولا حتى أصداء صوتي المبحوح ستصل إلى مسمعكِ.
أنتِ هناك في ضفة أخرى بعيدة، ضفة لا تبلغها رسائل الموتى على قيد الحياة. لقد رحلتِ وتركتِني هنا ألوذ بالصمت أقتات على بقايا عطركِ وأبحث عن وجهكِ في وجوه العابرين كالمجنون.
يا زولة… يا كل ناسي وأهلي و يا من كنتِ الأمان في عالم موحش.
في غيابكِ… الشتاء لا ينتهي
منذ أن أغلقتِ خلفكِ باب الغياب والوقت واقفٌ لا يتحرك. عقارب الساعة تجمدت عند لحظة وداعكِ والكون كله اتوشح بالسواد.
أكتب إليكِ والدموع تحرق جفوني و تسيل على وجنتيّ كأنهار من جمر. أنا لست بخير أنا حطام رجل و بقايا إنسان كان يضحك ذات يوم لأنكِ كنتِ بجانبه.
قلبي ينبض باسمكِ. وسادتي ما زالت تحتفظ بأنفاسكِ ومرآتي تعكس ملامحكِ الغائبة. كم هو مرعب هذا الفراغ وكم هو قاتل هذا العذاب الذي يجعلني أعشق جلادي.. أعشق غيابكِ لأنه منكِ وأكرهه لأنه يقتلع روحي من جسدي في كل ثانية تمر دونكِ.
“كنتِ لي الحياة.. والآن أنا أتنفس موتًا بطيئًا.”
الفاتورة الباهظة للعودة: ناسٌ حيموتوا :
يا زولة… أتعلمين ما هو الوجع الحقيقي؟ هو أنني كلما رفعت يدي إلى السماء أدعو الله أن تعودي يرتجف قلبي رعبًا. أدرك في عمق وجعي أنه لو قُدّر لكِ أن تعودي لي و لو رجعتِ يازولة… فإن كواكبًا ستنهار وفي ناس كتار حيموتو من فرط الصدمة أو من فرط الغيرة أو لأن قلوبهم الضعيفة لن تحتمل رؤية معجزة تُبعث من جديد.
لو عُدتِ ما معروف حيحصل لهم إيه…
قلوبٌ ستتوقف: هناك بشر عاشوا على رؤيتنا أشلاءً مبعثرة، عودتكِ ستبيد أوهامهم وتقتلهم كمَدًا.
أرواحٌ ستضيع: أولئك الذين حاولوا ترميم حطامي بعدكِ سيموتون غرقًا في دموع خيبتهم لأنهم علموا أنكِ وحدكِ كنتِ النبض وأنهم لم يكونوا سوى ظلال عابرة.
أنا نفسي قد أموت: نعم أنا الذي أنتظركِ، لو رأيتكِ واقفة أمامي مجددًا أخاف أن يتوقف قلبي من فرط الذهول، أخاف أن تخرج روحي لتستقبلكِ قبل أن تلمسكِ يداي.
حبٌّ حدّ البكاء.. والموت
إنه حبٌّ وصل إلى مرحلة بات فيها اللقاء يهدد حياة الآخرين.
نحن لم نكن حبيبين عاديين، كنا فكرة والفكرة لا تموت و لكنها قد تقتل.
أنا هنا أتقلب على جمر الشوق أسامر طيفكِ الراحل وأبكي… أبكي حتى جفت عيوني ولم يعد يخرج مني سوى أنين مكتوم يمزق صدر العتمة.
أعلم أنكِ لن تسمعي بها و لن تصل إليكِ هذه الكلمات المغموسة بدم الوريد لكنني أكتبها لأخفف عن كاهلي ثقل سرٍّ مرعب: أتمناكِ بملء الأرض وأخشى عودتكِ بملء السماء.
يا زولة… يا جرحي الذي لا يندمل ويا موتي الذي أعيش لأجله.
تحت مقصلة الانتظار:
سأغلق الدفاتر وأطفئ الشموع التي ذابت وهي تنتظر طيفكِ. أعلم أن هذه السطور ستموت هنا في عتمة صدري دون أن تقع عليها عيناكِ اللتان كانتا كل دنياي.
سأظل هنا بين ركام ذكرياتكِ أتحسس مكانكِ الفارغ في قلبي الممزق وأبكي… أبكي حتى تتلاشى روحي وتلتحق بروحكِ الراحلة.
يا زولة… إن كان بقاؤكِ بعيدةً يحمي الآخرين من الموت فإن غيابكِ يقتلني في كل ثانية. لكنني أرتضي هذا الموت البطيء فداءً لذكراكِ الطاهرة. نموت نحن وتموت رسائلي التي لم تصلكِ وتبقى لعنة حبكِ الرومانسي الحزين مكتوبة على جبيني حتى يواريني التراب.
يا أملي المستحيل و يا أيتها القاتلة الجميلة التي سأظل أعشقها… حتى آخر دقة من هذا القلب المنهك.
binsalihandpartners@gmail.com
