بقلم: صلاح أحمد الحبو
منذ اندلاع الحرب في الخرطوم في أبريل 2023، وفد إلى دول الخليج عشرات الآلاف من السودانيين، وكان أغلبهم من الشباب والشابات الذين وجدوا أنفسهم فجأة أمام واقع جديد لم يخططوا له. وفي رابطة الماليين السودانيين بدولة قطر أتيحت لنا فرصة الاحتكاك المباشر بعدد كبير منهم من خلال برامج تدريبية وتأهيلية متعددة. غير أنّ تلك البرامج لم تكن، في حقيقتها، مجرد ورش لرفع القدرات أو تطوير المهارات المهنية؛ فقد تحولت مع الوقت إلى فضاءات اجتماعية للاحتواء والدعم واستعادة التوازن النفسي، وكنا نقرأ في عيون المشاركين شيئاً يتجاوز الحاجة إلى العمل أو التدريب: شغفاً بالتعلم، ورغبةً في التطور، وتطلعاً صامتاً إلى حياة أكثر استقراراً وكرامة.
وحين فكرت في كتابة هذا المقال وجدتني أستدعي بصورة تلقائية كتاب The Age of Migration لستيفن كاسلز ومارك ميلر، ليس بغرض تقديم مراجعة له، وإنما لأنني وجدت في بعض أفكاره مدخلاً لفهم ما يجري أمامنا. فالمسألة لا تتعلق بحركة لجوء واسعة فرضتها الحرب فحسب، بل بتحول اجتماعي أعمق قد يعيد تشكيل وعي جيل كامل من السودانيين وعلاقته بالدولة والمجتمع والمستقبل.
غالباً ما تُقرأ موجات اللجوء من زاوية الخسارة: خسارة الوطن، وخسارة الاستقرار، وخسارة الروابط الاجتماعية. وهي قراءة صحيحة في بعدها الإنساني. غير أن الاقتصار عليها يحجب وجهاً آخر للمسألة؛ فالهجرة، كما يذهب كاسلز وميلر، ليست انتقالاً للأفراد فحسب، بل انتقالٌ للأفكار والقيم وأنماط التنظيم الاجتماعي بين المجتمعات(1). ومن هنا يمكن النظر إلى اللجوء السوداني بوصفه عملية «إعادة تركيب الوعي المدني»؛ أي انتقال أعداد كبيرة من المواطنين من فضاء اجتماعي محدود الخبرة المؤسسية إلى فضاءات يختبرون فيها بصورة يومية أشكالاً مختلفة من العلاقة بين الدولة والمجتمع.
إن اللاجئ الذي يتعامل يومياً مع مؤسسات تعمل وفق قواعد واضحة وإجراءات مستقرة لا يكتسب خدمةً فحسب، بل يكتسب معياراً جديداً للحكم على المجال العام. ومع تراكم هذه الخبرات تتشكل لدى الأفراد مقاييس مختلفة للعدالة والكفاءة والشفافية والمساءلة. وهنا تكمن إحدى النتائج الأكثر أهمية في التجربة السودانية الراهنة: انتقال قطاعات واسعة من المجتمع من وعي المطالبة بالخدمات إلى وعي مساءلة النظم التي تنتج الخدمات.
لكن الأثر الأعمق ربما لا يكمن في اكتساب معرفة جديدة، بل في نشوء ما يمكن تسميته «فجوة الإمكان الحضاري»؛ وهي المسافة الإدراكية التي تتولد عندما يكتشف الإنسان أن ما كان يراه حلماً بعيداً أو ترفاً سياسياً هو، في مجتمعات أخرى، جزء طبيعي من الحياة اليومية. عند هذه النقطة لا يتغير مستوى الطموح فحسب، بل تتغير طريقة النظر إلى الدولة نفسها. فالدولة لم تعد تُقاس بقدرتها على فرض النظام فقط، وإنما بقدرتها على إنتاج الكرامة الإنسانية في صورتها الملموسة: تعليم جيد، وخدمات فعّالة، وقضاء مستقل، وفرص عادلة للحياة.
غير أن هذه التحولات تحمل في داخلها مفارقة مزدوجة. فمن ناحية، تمثل فرصة تاريخية لإعادة بناء الثقافة السياسية السودانية على أسس أكثر حداثة ومواطنة. ومن ناحية أخرى، قد تؤدي إلى اتساع الفجوة بين الوعي الاجتماعي المتجدد والبنى المؤسسية المتعثرة داخل البلاد. فالمجتمعات لا تدخل المستقبل بالسرعة نفسها؛ إذ قد تتقدم توقعات الناس قبل أن تتقدم المؤسسات القادرة على تلبيتها.
ولعلّ القيمة المعرفية الأهم في تجربة اللجوء السوداني تكمن في أنها تدفعنا إلى تجاوز الفهم التقليدي للهجرة بوصفها نزيفاً بشرياً فقط، نحو فهمها باعتبارها شكلاً من تداول الخبرة الحضارية بين المجتمعات. فالسوداني الذي يغادر بلاده اليوم لا يحمل معه حاجاته ومخاوفه وحدها، بل يعود ــ مادياً أو رمزياً ــ بخبرات جديدة حول معنى الدولة والحق والواجب والعيش الكريم.
لهذا فإن السؤال الذي سيواجه السودان بعد الحرب لن يكون فقط كيف يعيد إعمار المدن، بل كيف يستوعب هذا التحول العميق في وعي مواطنيه. فربما تكون إعادة بناء الحجر أقل تعقيداً من إعادة بناء العلاقة بين المواطن والدولة. وحينها سيصبح الرهان الحقيقي ليس على عودة اللاجئين فحسب، بل على قدرة الوطن نفسه على أن يصبح جديراً بما اكتشفه أبناؤه من العالم.
هامش المفاهيم
إعادة تركيب الوعي المدني:
مصطلح مقترح يصف التحول الذي يطرأ على إدراك الأفراد لمفاهيم الدولة والمواطنة والحقوق نتيجة الاحتكاك المباشر بأنظمة اجتماعية ومؤسسية مختلفة.
فجوة الإمكان الحضاري:
المسافة بين ما اعتاد المواطن اعتباره ممكناً داخل بيئته الأصلية، وبين ما يكتشفه من مستويات أعلى للتنظيم والحقوق وجودة الحياة في مجتمعات أخرى.
المراجع والمصادر
(1) Castles, Stephen & Miller, Mark J., The Age of Migration: International Population Movements in the Modern World, Guilford Press.
(2) Amartya Sen, Development as Freedom, Oxford University Press.
(3) Albert O. Hirschman, Exit, Voice, and Loyalty, Harvard University Press.
habobsalah@gmail.com
