تأمُلات
كمال الهِدَي
توقفتُ منذ سنوات عن متابعة والكتابة عن فشل وفساد مجموعة معتصم جعفر، التي أراها الأسوأ في إدارة الكرة في البلد، وذلك بعد أن سئمت تناول
حالات فسادهم التي لا تنتهي.
واليوم فرض عليّ خبر مضحك مبكٍ العودة إلى تناول فشلهم. يقول الخبر إن اتحاد الكرة وافق على صعود تسعة أندية إلى الممتاز!
فهل سمعتم، بالله عليكم، بمهزلةٍ أكبر من ذلك؟
تسعة أندية دفعة واحدة؟
أعلم أن أسامة عطا المنان ومعتصم يراهنان علي منع الفيفا تدخل الحكومات الوطنية في عمل الاتحادات الرياضية، لكنني سبق أن كتبت ما معناه أن الحكومة السودانية، منذ أيام البشير، لو أرادت مناهضة فساد هذه المجموعة، التي تنتمي إلى شبكات فسادهم الأوسع، والضغط عليها، لعرفت كيف تفعل ذلك. لكنهم لم يكونوا يناهضون الفساد، بل ظلوا دائماً يحتفون بالمفسدين والفاشلين.
وعموماً، دعونا من حكوماتنا، ولنتساءل عن دور المؤسسات الدولية التي كثيراً ما يراهن عليها كثير من رموزنا، وساستنا وإعلاميينا. ألا تتفقون معي في أن المجموعة التي يسيطر عليها أسامة عطا المنان، تجد دعم فاسدين في الاتحادات الإقليمية، وفي الفيفا نفسه؟
وإلا فكيف يستسيغون مثل هذا العبث المتمثل في صعود تسعة أندية دفعة واحدة إلى الدوري الممتاز؟
ألا يفهم مسؤولو الاتحاد الافريقي والفيفا أن خطوةً كهذه تعني شيئاً واحداً، وهو إرضاء أكبر عدد من الناخبين في مختلف مناطق السودان، بما يضمن للمجموعة سيطرتها على اتحاد الكرة لعدد غير محدود من الدورات؟
وهل يمكن أن تصب مثل هذه الخطوة في اتجاه تطوير كرة القدم السودانية، يا فيفا؟
لا شك لدي إطلاقاً في أن مسؤولي الفيفا يدركون أن هذه المجموعة غير معنية بتطوير الرياضة في البلاد، وأن كل همها هو تضخيم أرصدتها المصرفية، والاستفادة من وجودها في المناصب. لكن من الواضح أن الفيفا لا يرفض ذلك، ما دام البلد المعني متخلفاً، وأهله متناحرين، ومسؤولوه غير جادين في أي أمر يتعلق بحياة البشر أو أنشطتهم المختلفة.
وقد ظللت أكرر في مقالاتي السياسية أن المجتمع الدولي ليس منظمة خيرية، وهو غير معني بضعاف الحس الوطني أو بالشعوب غير الحريصة على تطور بلدانها. ولذلك كنت أرى دائماً أن التعويل علي هذا المجتمع الدولي في حل مشكلاتنا ليس أكثر من تفكيرٍ رغائبي لن يفضي إلا إلى مزيد من التشرذم والدمار.
وينطبق الفهم نفسه على الفيفا وغيره. فطالما أن لدينا رياضيين ضعيفي النفوس ومسؤولي اتحادات محلية لا يهمهم سوى المال، فسيستمر فساد مجموعة معتصم جعفر، ولن يمنعهم الفيفا أو غيره. وسنظل نحن نتذمر، وهو تذمر لا يعنيهم في شيء، ما داموا يحققون ما يرغبون فيه.
فشواهد فشل هذه المجموعة لا تُحصي ولا تُعد. فهم يسمون دورينا ب “الممتاز” وهو لا يمت للتميز بأي صلة. والآن يمضون فيما يسمونه “دوري النخبة”، الذي تُلعب مبارياته على ملاعب تشبه أرضياتها حظائر الأبقار، غير عابئين بما قد يتعرض له اللاعبون من إصابات. أما الفيفا فيتفرج على كل ذلك، ولا يحاسبهم، رغم أنه يخصص أموالاً للاتحادات الوطنية لتطوير البنى التحتية.
وبالأمس القريب، تعرض منتخب السيدات الأولمبي لهزيمة ثقيلة أمام منتخب سيدات جزر القمر. وقد أثارت تلك الهزيمة سخرية الكثيرين، لكن قلة من تساءلوا عن كيفية إعداد هذا المنتخب، أو عن دوافع اختيار برهان تية مدرباً له، رغم إخفاقاته المتكررة مع منتخباتنا الرجالية.
السبيل الوحيد لمناهضة فساد وضع حدٍ لفشل هذه المجموعة هو أن يتحلى مسؤولو الاتحادات الإقليمية بقدر من النزاهة، وأن يمارس الإعلام دوره بشكل جاد ويصدق في حملات التغيير، وأن يكون لجماهير الكرة كلمة فيما يجري، سواءً بمقاطعة المنافسات التي تنظمها هذه المجموعة أو بغير ذلك من الوسائل مثل الوقوف ضد مسؤولي الاتحادات المحلية، حتى نضمن إجراء جمعيات عمومية حقيقية تأتي برجال يخلصون لقضية الرياضة في البلد. وهو ما أراه صعباً، لأننا لو كنا نتصرف بهذا الشكل، لكنا شهدنا تغييراً للأفضل على المستوى السياسي قبل الرياضي.
أما ألاعيب بعض الإعلاميين ورفضهم لمجموعة فاسدة مع الترويج لمجموعة أخرى سبق أن حظيت بفرصتها، ولم نر منهم سوى الفشل فهو ضحك على الذقون. وستكون نتيجته الوحيدة تبادل الكراسي بين كل دورة وأخرى، بين فاشلين ومن هم أفشل منهم.
kamalalhidai@hotmail.com
