زهير عثمان
بينما تنشغل الأطراف السودانية بمعارك الأرض والسيطرة العسكرية، وتنشغل العواصم الإقليمية من القاهرة والرياض إلى أبوظبي وأنقرة بمسارات الوساطة المتعثرة، تدور في واشنطن معركة من نوع مختلف
ليست معركة مدافع ولا طائرات مسيّرة، بل معركة مشاريع قوانين، وجلسات استماع، وشبكات نفوذ، ومجموعات ضغط، وشركات علاقات عامة
إنها معركة الشرعية السياسية والتمثيل الدولي للسودان؛ وهي معركة لا يكسبها بالضرورة من يسيطر على المدن أو المواقع الاستراتيجية، بل من يستطيع التأثير في مراكز صناعة القرار الدولي وإقناعها بأنه الشريك الأكثر قبولاً في أي ترتيبات سياسية قادمة
السودان يعود إلى أجندة الكونغرس
مثّلت موافقة لجنة الشؤون الخارجية بمجلس النواب الأمريكي على مشروع قانون يدعو إلى مراجعة إمكانية تصنيف أطراف الحرب السودانية ضمن قائمة “الإرهابيين العالميين المصنفين بشكل خاص” تطوراً مهماً في التعاطي الأمريكي مع الأزمة السودانية
لكن ما يستحق الانتباه أكثر هو النقاش الذي دار داخل اللجنة حول بند يدعو إلى الطعن في شرعية التمثيل السوداني داخل الأمم المتحدة والمؤسسات الدولية إلى حين انتقال البلاد إلى حكومة مدنية أو حكومة منتخبة ديمقراطياً
ورغم حذف هذا البند لاحقاً أثناء المناقشات، فإن مجرد طرحه يكشف عن تحول مهم في التفكير السياسي داخل بعض دوائر صنع القرار الأمريكية
فالقضية لم تعد مقتصرة على فرض عقوبات على أفراد أو كيانات متهمة بارتكاب انتهاكات أو عرقلة المساعدات الإنسانية، بل أصبحت تمتد إلى سؤال أكثر حساسية يتعلق بمن يمثل السودان أمام المجتمع الدولي، ومن يمتلك الشرعية السياسية والأخلاقية للحديث باسمه
لماذا عاد السودان إلى واجهة الاهتمام التشريعي الأمريكي؟
بعد سنوات من تراجع حضوره داخل دوائر السياسة الأمريكية مقارنة بملفات أخرى، عاد السودان بقوة إلى أجندة الكونغرس لعدة أسباب متداخلة.
أولها الكارثة الإنسانية غير المسبوقة التي أفرزتها الحرب، والتي تعد اليوم من أكبر أزمات النزوح والجوع في العالم. وثانيها الاتهامات المتصاعدة بارتكاب جرائم حرب وانتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني
أما العامل الثالث فيتعلق بالموقع الجيوسياسي للسودان على البحر الأحمر، وسط تزايد التنافس الإقليمي والدولي على الموانئ والممرات البحرية والموارد الاستراتيجية
هذه العوامل مجتمعة دفعت قطاعات متزايدة داخل الكونغرس الأمريكي إلى التعامل مع السودان ليس فقط كملف إنساني، بل كقضية ترتبط بالأمن الإقليمي والاستقرار الدولي ومستقبل التوازنات في منطقة البحر الأحمر والقرن الأفريقي
الشرعية في عالم متعدد الأقطاب
غير أن اختزال المسألة في الموقف الأمريكي وحده قد يحجب جانباً مهماً من الصورة
فمعركة الشرعية التي تدور حول السودان ليست أمريكية فقط، وإنما هي جزء من تنافس إقليمي ودولي أوسع
فكل قوة دولية أو إقليمية تنظر إلى الأزمة السودانية من زاوية مصالحها الأمنية والاقتصادية والاستراتيجية
وتتباين مواقف الفاعلين الإقليميين والدوليين تجاه مستقبل السلطة في السودان وشكل التسوية السياسية المطلوبة، بينما تراقب قوى كبرى مثل روسيا والصين تطورات الأزمة من منظور يرتبط بحسابات النفوذ والاستثمارات والموقع الاستراتيجي للسودان على البحر الأحمر
وفي ظل استمرار الحرب وتعثر الحلول السياسية، يزداد خطر تحول الانقسام العسكري والسياسي إلى واقع مؤسسي طويل الأمد، بما يفتح الباب أمام تآكل التمثيل الوطني الموحد وظهور مراكز شرعية متنافسة تسعى كل منها للحصول على الاعتراف الخارجي.
من الأمم المتحدة إلى “كابيتول هيل”
الأخطر من النقاشات المتعلقة بالعقوبات أو التمثيل الدبلوماسي هو انتقال الصراع نفسه إلى ساحات النفوذ السياسي والإعلامي في الغرب
فخلال السنوات الأخيرة، نشطت أطراف سودانية متعددة في بناء قنوات اتصال مع أعضاء في الكونغرس، ومنظمات حقوقية، ومراكز أبحاث، ووسائل إعلام، وشركات علاقات عامة تعمل على التأثير في الرأي العام وصناع القرار
وبذلك لم تعد المعركة تدور فقط في الخرطوم أو الفاشر أو نيالا، بل أصبحت تدور أيضاً داخل أروقة “كابيتول هيل” ومراكز الدراسات ومؤسسات الضغط السياسي، حيث تتحول الملفات الإنسانية والانتهاكات الموثقة والمواقف السياسية إلى أدوات تستخدم في معركة الشرعية والاعتراف الدولي
وتبرز هنا مفارقة معقدة؛ إذ قد تهدف بعض الضغوط الدولية إلى حماية المدنيين أو تعزيز فرص الانتقال السياسي، لكنها قد تفضي في الوقت نفسه إلى تعقيد المشهد إذا تحولت قضية الشرعية إلى ساحة استقطاب دولي إضافية فوق الاستقطاب العسكري القائم بالفعل
السيناريوهات المحتملة
في ضوء التطورات الحالية، يمكن تصور ثلاثة مسارات رئيسية لمستقبل تعامل المجتمع الدولي مع السودان
السيناريو الأول هو استمرار الوضع الراهن، بحيث تتواصل الضغوط والعقوبات على أفراد وكيانات محددة، مع بقاء التمثيل الرسمي السوداني معترفاً به داخل المنظمات الدولية
أما السيناريو الثاني فيتمثل في تصاعد الضغوط السياسية والتشريعية داخل الولايات المتحدة وبعض العواصم الغربية باتجاه إعادة تقييم طبيعة العلاقة مع الأطراف السودانية المختلفة، وتوسيع قنوات التواصل مع قوى وكيانات سياسية بديلة
بينما يتمثل السيناريو الثالث في مزيد من التدويل للأزمة السودانية، عبر توسيع دور المؤسسات الدولية ومجلس الأمن وآليات المساءلة الدولية، إذا استمرت الحرب وتعثر الوصول إلى تسوية سياسية شاملة
المعركة التي تتجاوز ساحات القتال
إن القراءة السطحية لهذه التحركات باعتبارها مجرد حزمة عقوبات جديدة تفوّت جوهر التحول الجاري. فالمعركة الحقيقية أصبحت تدور حول تعريف الشرعية، وتحديد من يمثل السودان، ورسم شكل الدولة التي سيتعامل معها المجتمع الدولي في مرحلة ما بعد الحرب
لقد أثبتت التجارب الحديثة أن الحروب لا تُحسم بالسلاح وحده، بل بالقدرة على كسب الاعتراف السياسي والدبلوماسي، وبناء شبكات النفوذ، والتأثير في المؤسسات الدولية ومراكز صناعة القرار
ولهذا لم يعد مستقبل السودان يُناقش فقط في ميادين القتال أو داخل غرف التفاوض المحلية، بل أصبح جزءاً من نقاشات أوسع تدور في لجان الكونغرس، ومراكز التفكير، والعواصم الإقليمية والدولية المؤثرة
وفي هذا السياق، تبدو معركة الشرعية واحدة من أهم المعارك التي ستحدد شكل السودان القادم، وربما لا تقل أثراً في مستقبل البلاد عن المعارك العسكرية الدائرة على الأرض.
zuhair.osman@aol.com
