بقلم: هشام الحلو
تكتسب فلسفة ألبير كامو أبعاداً وجودية تتجاوز مجرد التنظير حين تصطدم بالواقع السوداني الراهن، حيث يتحول “العبث” من مفهوم تجريدي إلى واقع يومي يعيشه الملازمون النار والنازحون في الفيافي. إن التوق الإنساني لأن تكون الحياة الحقيقية “في مكان آخر” يجد تجليه الأقسى في رحلة “مريم”، تلك المرأة التي غادرت بيتها في أم درمان القديمة تحت زخات الرصاص، لتبحث عن معنى للوجود وسط صمت كوني مطبق.
والتَقَيْتُ بـ “مريوما” في خضم تلك الرحلة العظيمة والمنهكة؛ رحلة النزوح التي تعيد صياغة الكائنات. كانت امرأة فارعة الطول، قمحية اللون، يشي قوامها بأنفة كنداكية لم تكسرها الدروب، وبصبر راسخ رسوخ النخيل في وجه الريح. كان صمتها لغة قائمة بذاتها، أعمق من كل الكلمات التي قيلت في وصف المأساة، وفي صمتها ذاك، كنت أقرأ سيرة مدينة كاملة حُملت فوق الأكتاف والقلوب.
ولطالما سكنت هواجس الإنسان تلك الرغبة العارمة في أن تكون حياته في زمن مضى، أو في يوتوبيا لم تأتِ بعد، لكن بالنسبة لمريم، فإن “اللحظة الراهنة” هي استيقاظها في الخامسة فجراً لتواجه طابور المياه الطويل، وحمل الأواني الثقيلة التي تقرّح اليدين. سألت مريم عن سر صمودها وهي تضع جالون الماء الثقيل أرضاً، فنظرت إليّ بعينين يلتمع فيهما إرث الصبر السوداني وقالت: «يا ولدي، نحن ما مرقنا ونزحنا عشان نحمي جلودنا وبس، مرقنا عشان نحفظ كرامتنا. الصخرة الأنا شايلاها كل يوم دي ما الجالون ده، الصخرة هي سؤالي الساكت للعالم ده: هل بقينا مجرد أرقام في كشوفات النازحين؟ أنا شايلة تعبي ده زي اسمي، ما عشان أصل لشيء، لكن عشان ما أنكسر.»
سكتت مريم، وتأملتُ في صمتها المهيب ذاك كيف يتجسد ثقل “صخرة سيزيف” التي تمسك بها يومياً، مواجهةً “اللامبالاة” التي يبديها العالم تجاه صرخات الجوع وحمى الملاريا التي تنهش أجساد صغارها. هي لم تهرب من الصخرة، بل واجهتها بوعي الوجود العاري، مدركة أن السعادة – في أقسى صورها – تكمن في المضي قدماً رغم كل انكسار.
بيد أن هذا الاغتراب لا يقف عند حدود الرفض السلبي، بل يتجلى في “الإنسان المتمرد” الذي يحول المعاناة إلى فعل تضامن جماعي، تماماً كما فعل الدكتور “ريو” في رواية “الطاعون”؛ حين نفضت مريم غبار اليأس عن ثوبها، وحولت ركناً من خيمتها المتهالكة إلى “مدرسة” للصغار. وفي تلك المساحة التي لا تتجاوز بضعة أمتار، وبينما كان صدى المدافع يرسم خطوط القلق في السماء، كانت مريم ترسم الحروف على الرمل. وحين سألتها عن جدوى التعليم وسط غبار المعسكرات، أجابت وهي تمسح على رأس طفل صغير: «الحرب دي دايْرانا ننسى كيف نقرأ أسامينا، ونتعود على الضلام. الخيمة دي ما بس بتضلل علينا من المطر، دي حيطة واقفة ضد الجهل. الجيل ده لو ضاع في العدم، البيرجع يبني شوارع أم درمان القديمة وأزقتها الحنيّنة وضلال بيوتنا الخلّيناها وراؤنا منو؟ نحن بنقرّيهم عشان نقول للموت نحن لسه قاعدين هنا.»
إن “المكان الآخر” الذي ننشده ليس حيزاً جغرافياً بالضرورة، بل هو تلك المساحة من الحرية والوعي التي نبتكرها داخلنا حين تضيق بنا الأمكنة؛ فمريم التي تكتوي ليلاً ببرد الصحراء، وجدت في داخلها “صيفاً لا يقهر” يتجسد في تلك اللحظة التي يرتفع فيها صوت الصغار وهم يرددون الأناشيد، متغلبين بضجيجهم البريء على صمت العالم اللامبالي.
تعلّمنا مريم أن نقبل الـ “هنا” بكل جراحها لنصنع منها فضاءً للجمال، فالحياة لا توجد إلا حيث نكون، وبقدر ما نملك من شجاعة لمواجهة كبد الحياة ومشقة الحرب بضجيج تعليمنا وحبنا. تظل مريم، بطولها الفارع وصمتها المهيب، شاهدة حية على أن المكان الذي نبحث عنه لم يكن يوماً خارجنا، بل هو تلك القدرة المذهلة على خلق الجدوى من قلب اللاجدوى، وعلى صياغة الأمل من طين المعاناة. إنها لا تنتظر نهاية الحرب لتبدأ حياتها، بل هي “الحياة ذاتها” في أسمى تجلياتها المقاومة.
ذاكرةمننجا
hishamissa.issa50@gmail.com
