باستخدامك هذا الموقع، فإنك توافق على سياسة الخصوصية وشروط الاستخدام.
موافق
الخميس, 18 يونيو 2026
  • اختياراتنا لك
  • اهتماماتك
  • قائمة القراءة
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
سودانايل
أول صحيفة سودانية تصدر من الخرطوم عبر الانترنت
رئيس التحرير: طارق الجزولي
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • الرياضة
  • أعمدة
  • الثقافية
  • بيانات
  • تقارير
  • المزيد
    • دراسات وبحوث
    • وثائق
    • نصوص اتفاقيات
    • كاريكاتير
    • حوارات
    • الثقافية
    • اجتماعيات
    • عن سودانايل
    • اتصل بنا
Font ResizerAa
سودانايلسودانايل
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • بيانات
  • الرياضة
  • أعمدة
  • اجتماعيات
  • الثقافية
  • الرياضة
  • الملف الثقافي
  • بيانات
  • تقارير
  • حوارات
  • دراسات وبحوث
  • سياسة
  • فيديو
  • كاريكاتير
  • نصوص اتفاقيات
  • وثائق
البحث
  • قائمة القراءة
  • اهتماماتك
  • اختياراتنا لك
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
تابعنا
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
منبر الرأي
د. عبد المنعم مختار عرض كل المقالات

مسارات التفاوض في الحرب السودانية (2023–2026): منبر جدة، اتفاق المنامة، وخارطة طريق الرباعية

اخر تحديث: 17 يونيو, 2026 5:19 مساءً
شارك

د. عبد المنعم مختار
أستاذ جامعي في مجال الصحة العامة
المدير العام للشركة الألمانية-السودانية للبحوث والاستشارات وبناء القدرات
المدير التنفيذي لمركز السياسات القائمة على الأدلة والبيانات
moniem.mukhtar@gmail.com
الملخص
يمثل مسار مسارات التفاوض في الحرب السودانية (2023–2026) بنية معقدة من المبادرات الإقليمية والدولية التي نشأت استجابة لانفجار الصراع بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع في أبريل 2023، والذي سرعان ما تحوّل إلى حرب شاملة ذات أبعاد سياسية وعسكرية وإنسانية متداخلة. وقد تميزت هذه المسارات بغياب مركز قيادة تفاوضي موحد، وتعدد الفاعلين الخارجيين، وتباين الأدوات المستخدمة بين الوساطة الإنسانية، والضغط السياسي، ومحاولات بناء أطر تسوية شاملة.
انطلقت هذه المسارات من منبر جدة باعتباره الإطار الأول والأكثر مباشرة لوقف إطلاق النار، قبل أن تتطور لاحقاً إلى مسار المنامة الذي حاول الانتقال نحو تفاهمات سياسية وأمنية أوسع بين القيادات العسكرية، وصولاً إلى خارطة طريق الرباعية التي عكست نموذجاً تنسيقياً دولياً متعدد الأطراف يهدف إلى إدارة الصراع ضمن مراحل تدريجية تشمل وقف إطلاق النار ثم الترتيبات السياسية الانتقالية.
تُظهر قراءة بنية هذه المسارات أن منبر جدة ركّز أساساً على حماية المدنيين وتثبيت هدن إنسانية قصيرة الأمد وتسهيل الوصول الإنساني، لكنه عانى من ضعف آليات المراقبة والتنفيذ واعتماد الالتزام الطوعي للأطراف المتحاربة، مما أدى إلى انهيار معظم الاتفاقات الجزئية سريعاً. أما مسار المنامة فقد مثّل محاولة أكثر تقدماً من حيث طبيعة التمثيل السياسي والعسكري والإقليمي، إذ جمع قيادات عسكرية رفيعة وفاعلين إقليميين مؤثرين، وناقش قضايا تتجاوز وقف إطلاق النار إلى مستقبل الدولة السودانية، ووحدة الجيش، وإعادة هيكلة القطاع الأمني، والانتقال السياسي، إلا أنه بقي في إطار التفاهمات غير الملزمة أو “مبادئ إطار عام” غير قابلة للتنفيذ الفوري.
غير أن الأهمية البنيوية لمسار المنامة تتجاوز كونه أحد مسارات التفاوض، إذ يمكن اعتباره الركيزة الأساسية لأي حل مستقبلي في السودان. ويعود ذلك إلى كونه المسار الوحيد الذي اقترب من معالجة جذور الأزمة وليس فقط أعراضها، من خلال طرح قضايا تتعلق بهوية الدولة، وبنية الجيش، وإعادة تنظيم السلطة السياسية والأمنية، وهي القضايا التي تمثل جوهر الصراع وليست نتائجه. كما أنه المسار الذي جمع بين مستويات القرار العسكري العليا والفاعلين الإقليميين الأكثر تأثيراً، ما يجعله أقرب إلى هندسة تسوية شاملة قابلة للتطوير في أي عملية سلام مستقبلية. إضافة إلى ذلك، فإن محدودية نجاحه لا تعني فشله المفاهيمي، بل تعكس غياب البيئة السياسية والتنفيذية القادرة على تحويله إلى اتفاق ملزم، وهو ما يجعل مضمونه المرجعي قابلاً للاستدعاء في أي مفاوضات لاحقة.
في المقابل، جاءت خارطة طريق الرباعية باعتبارها إطاراً تنسيقياً بين الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة ومصر، حيث سعت إلى دمج المسارات المختلفة ضمن رؤية تدريجية تبدأ بوقف إنساني لإطلاق النار، ثم وقف دائم للقتال، ثم عملية سياسية انتقالية. غير أن هذا الإطار ظل غير ملزم قانونياً أو تنفيذياً، وعانى من تعدد مراكز القرار وتباين الأولويات الاستراتيجية بين أطرافه، ما انعكس على محدودية قدرته على فرض آليات تنفيذ أو مراقبة فعالة على الأرض.
وعلى مستوى القضايا الجوهرية، اتفقت جميع المسارات على مبادئ عامة مثل ضرورة وقف الحرب، وحماية المدنيين، وتسهيل العمل الإنساني، والحفاظ على وحدة الدولة السودانية، لكنها اختلفت في درجة التفصيل وآليات التطبيق. فقد بقيت مسألة تنفيذ وقف إطلاق النار هي الحلقة الأضعف في جميع المبادرات، بسبب غياب الثقة بين الأطراف المتحاربة وغياب قوة رقابية محايدة، إلى جانب استمرار الحسابات العسكرية والسياسية الداخلية لكل طرف.
كما تكشف المقارنة البنيوية بين المسارات الثلاثة أن الفاعلين الإقليميين والدوليين لم يتحركوا ضمن استراتيجية موحدة، بل ضمن شبكات مصالح متقاطعة، حيث ركزت بعض الأطراف على الاستقرار الإقليمي ومنع الانهيار الكامل للدولة السودانية، بينما ركزت أطراف أخرى على النفوذ الجيوسياسي والاقتصادي في البحر الأحمر وشرق إفريقيا. هذا التباين أدى إلى إنتاج دبلوماسية متعددة المسارات بدل مسار تفاوضي واحد متماسك.
وبذلك يمكن القول إن مسارات التفاوض في الحرب السودانية بين 2023 و2026 لم تنجح في إنتاج تسوية سياسية أو عسكرية نهائية، لكنها أسست لهيكل تفاوضي متشعب يعكس طبيعة الصراع ذاته، ويكشف أن الأزمة السودانية لا تُدار فقط داخل ساحة الحرب، بل أيضاً داخل توازنات إقليمية ودولية متنافسة تحدد حدود الممكن في أي تسوية مستقبلية.
النص الكامل للمقال
مقدمة
شهدت الحرب السودانية التي اندلعت في 15 أبريل 2023 بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع تحوّلاً سريعاً من صراع داخلي محدود إلى أزمة إقليمية ودولية معقدة، امتدت آثارها إلى الأمن في القرن الإفريقي وحوض البحر الأحمر. وقد ترتب على هذا التحول تعدد مسارات الوساطة والتفاوض التي قادتها أطراف إقليمية ودولية مختلفة، في محاولة لاحتواء التصعيد العسكري ومنع انهيار الدولة.
في هذا السياق برزت ثلاثة مسارات رئيسية شكّلت البنية الأساسية للدبلوماسية المرتبطة بالأزمة: منبر جدة، ومسار المنامة، وخارطة طريق الرباعية التي ضمت الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة وجمهورية مصر العربية. وتمثل هذه المسارات ثلاث مقاربات مختلفة لإدارة النزاع؛ إذ ركّز منبر جدة على البعد الإنساني ووقف إطلاق النار، بينما اتجه مسار المنامة نحو محاولة صياغة إطار سياسي–أمني أكثر شمولاً، في حين عكست الرباعية نموذجاً تنسيقياً غير رسمي متعدد الأطراف يهدف إلى هندسة تسوية تدريجية للصراع.
وقد أشار Feltman (2024) إلى أن تعدد المسارات التفاوضية في الحالة السودانية لم ينتج عنه تراكم خطي نحو تسوية، بل أدى إلى “تشظي دبلوماسي” يعكس تباين مصالح الفاعلين الإقليميين والدوليين. كما أكدت International Crisis Group (2024) أن غياب آلية تنفيذ موحدة وضعف الثقة بين الأطراف المتحاربة جعلا معظم الاتفاقات الجزئية عرضة للانهيار السريع.
ومن جهة أخرى، أبرزت تقارير الأمم المتحدة أن البعد الإنساني ظل المحرك الأكثر استقراراً في جميع المسارات التفاوضية، رغم فشل هذه المسارات في تحويل التفاهمات السياسية إلى التزامات قابلة للتطبيق الميداني (United Nations 2024). كما لعبت المواقف المتباينة للدول المؤثرة—خاصة الولايات المتحدة، والمملكة العربية السعودية، والإمارات العربية المتحدة، ومصر—دوراً محورياً في تشكيل حدود كل مسار وإمكانياته.
وبذلك لا يمكن فهم تطور مسارات التفاوض في السودان باعتبارها سلسلة مبادرات منفصلة، بل بوصفها شبكة متداخلة من الجهود السياسية والأمنية التي تعكس توازنات إقليمية معقدة، وتكشف في الوقت ذاته عن محدودية أدوات الوساطة التقليدية في إنهاء الحروب الأهلية ذات الطابع المركب.
منبر جدة
يُعد منبر جدة أهم وأبرز مسار تفاوضي مباشر لوقف إطلاق النار خلال الحرب السودانية، وقد أُطلق رسمياً في مايو 2023 برعاية مشتركة من المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة الأمريكية. جاء إطلاق المنبر بعد أقل من شهر على اندلاع الحرب في 15 أبريل 2023 بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، في وقت كانت فيه الخرطوم تشهد معارك واسعة النطاق وانهياراً سريعاً للخدمات الأساسية والبنية التحتية المدنية.
تميز منبر جدة عن معظم المبادرات اللاحقة بكونه المسار الوحيد الذي جمع ممثلين عسكريين مباشرين من الطرفين على طاولة تفاوض واحدة. وفي 11 مايو 2023 وقع الطرفان “إعلان جدة للالتزام بحماية المدنيين في السودان”، الذي نص على احترام القانون الدولي الإنساني، وحماية المدنيين، وتأمين المرافق الطبية، وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية، والسماح بعمليات الإجلاء الإنسانية (United States Department of State, 2023).
وفي 20 مايو 2023 توصل الطرفان إلى أول اتفاق رسمي لوقف إطلاق النار لمدة سبعة أيام قابلة للتمديد. إلا أن الاتفاق تعرض لانتهاكات واسعة منذ الساعات الأولى لدخوله حيز التنفيذ، ما كشف عن الفجوة الكبيرة بين التفاهمات السياسية والواقع العسكري الميداني. وخلال الفترة بين مايو وديسمبر 2023 شهد منبر جدة أكثر من عشر جولات تفاوضية مباشرة وغير مباشرة، وأسفر عن سلسلة من الهدن المؤقتة تراوحت مدتها بين 24 ساعة و7 أيام و14 يوماً، إلا أن جميعها انهارت بسبب استمرار العمليات العسكرية وعدم وجود آليات مراقبة فعالة (International Crisis Group, 2024).
كما تميز المنبر بمحاولة إنشاء آلية مراقبة مشتركة سعودية–أمريكية لمتابعة الالتزام بالهدن، إلا أن هذه الآلية واجهت صعوبات كبيرة نتيجة غياب وجود ميداني مباشر داخل مناطق القتال، واعتمادها على تقارير الأطراف المتحاربة ومصادر مفتوحة ومعلومات استخباراتية غير مكتملة.
ورغم فشل منبر جدة في تحقيق وقف دائم للحرب، فإنه نجح في تأسيس عدد من المبادئ التي أصبحت لاحقاً مرجعاً لمعظم المبادرات اللاحقة، بما في ذلك أولوية حماية المدنيين، وضمان الوصول الإنساني، وربط أي عملية سياسية مستقبلية بوقف الأعمال العدائية. ولذلك يعتبر كثير من الباحثين أن منبر جدة كان أهم مسار تفاوضي مباشر خلال المرحلة الأولى من الحرب (Feltman, 2024).
مفاوضات المنامة
2.1 خلفية مسار المنامة في الحرب السودانية
يمثل مسار المنامة أحد أكثر مسارات التفاوض السودانية غموضاً وأقلها توثيقاً مقارنة بمنبر جدة أو مسارات الأمم المتحدة، لكنه في الوقت نفسه يُعد من أهم محاولات التفاوض المباشر بين القيادات العسكرية العليا للطرفين خلال الحرب (Feltman, 2024). ظهر هذا المسار في يناير 2024 بعد نحو تسعة أشهر من اندلاع الحرب، في وقت كانت فيه معظم المبادرات السابقة قد وصلت إلى حالة من الجمود أو الفشل الجزئي (International Crisis Group, 2024).
جاءت أهمية مسار المنامة من كونه أول قناة تفاوضية جمعت شخصيات عسكرية رفيعة المستوى من القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع منذ اندلاع الحرب. كما تميز عن منبر جدة بوجود ممثلين مباشرين للدول الإقليمية الأكثر تأثيراً على أطراف النزاع، خاصة مصر والإمارات العربية المتحدة، إضافة إلى مشاركة كل من الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية (Sudan Tribune, 2025)، وهو ما منح المحادثات وزناً سياسياً واستراتيجياً كبيراً.
وتشير التقارير المتقاطعة إلى أن اجتماعات المنامة عقدت بصورة سرية خلال يناير 2024 (Reuters, 2024)، بعيداً عن التغطية الإعلامية والضغوط السياسية المحلية التي كانت تؤثر على مسارات التفاوض الأخرى. وقد جاءت هذه الاجتماعات بعد إدراك متزايد لدى الوسطاء الإقليميين والدوليين بأن فرص الحسم العسكري السريع أصبحت محدودة وأن استمرار الحرب يهدد بتحول السودان إلى بؤرة عدم استقرار إقليمي طويلة الأمد (United Nations, 2024).
كما اكتسبت المنامة أهميتها من كونها حاولت الانتقال من منطق الهدن الإنسانية المؤقتة إلى منطق المبادئ السياسية والأمنية الحاكمة للتسوية الشاملة، وهو ما جعل بعض الباحثين يصفونها بأنها كانت محاولة لصياغة “إطار سياسي–أمني تأسيسي” للحل المستقبلي أكثر من كونها مجرد تفاوض حول وقف إطلاق النار (Feltman, 2024).
كما تشير التغطيات اللاحقة في الصحافة الإقليمية إلى أن ما عُرف إعلامياً بـ”إعلان مبادئ المنامة” لم يكن اتفاقاً نهائياً ملزماً، بل مسودة إطار سياسي–أمني تم التوافق عليه مبدئياً قبل أن يتعثر لاحقاً بسبب تباينات داخلية وإقليمية، خصوصاً بعد عودة الملف إلى الخرطوم حيث واجه رفضاً من قوى سياسية وعسكرية، أبرزها التيارات المرتبطة بالإسلاميين (Sudan Tribune, 2025).
2.2 الأطراف المشاركة في مفاوضات المنامة
شاركت في المحادثات شخصيات رفيعة المستوى من الطرفين العسكريين. فقد مثل القوات المسلحة السودانية الفريق أول ركن شمس الدين كباشي، عضو مجلس السيادة ونائب القائد العام للقوات المسلحة، بينما مثل قوات الدعم السريع الفريق عبد الرحيم دقلو، نائب قائد قوات الدعم السريع وشقيق قائدها محمد حمدان دقلو (حميدتي) (Reuters, 2024).
وإلى جانب الطرفين السودانيين شارك ممثلون من مصر والإمارات العربية المتحدة، وهما الدولتان الأكثر ارتباطاً بالطرفين المتحاربين من حيث النفوذ السياسي والعلاقات الاستراتيجية. كما حضرت الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية بصفة داعمة ومراقبة للعملية التفاوضية (Feltman, 2024).
وتبرز أهمية هذه التركيبة في أنها جمعت للمرة الأولى تقريباً القوى الإقليمية والدولية الرئيسية المؤثرة على مسار الحرب داخل منصة واحدة، وهو ما منح المفاوضات قدرة محتملة على معالجة بعض التناقضات التي أعاقت المسارات السابقة.
2.3 الأجندة التفاوضية ومسارات التوافق
ركزت المفاوضات على مجموعة من القضايا السياسية والأمنية والاستراتيجية التي تجاوزت النطاق الضيق للهدن المؤقتة. وتضمنت المناقشات مستقبل الدولة السودانية، ووحدة القوات المسلحة، ووقف الأعمال العدائية، وآليات الانتقال السياسي، وسبل استعادة مؤسسات الدولة، بالإضافة إلى القضايا الإنسانية (International Crisis Group, 2024).
وبحسب المعلومات التي تسربت لاحقاً، فإن الطرفين توصلا إلى درجة من التوافق حول عدد من المبادئ الأساسية، من أهمها الحفاظ على وحدة السودان، والحفاظ على وحدة المؤسسة العسكرية السودانية، ورفض تقسيم البلاد، والاعتراف بعدم وجود حل عسكري كامل للصراع، وضرورة الانتقال إلى عملية سياسية تفاوضية (United Nations, 2024).
كما ناقشت الاجتماعات إمكان الانتقال التدريجي من وقف إطلاق النار إلى ترتيبات سياسية أوسع تشمل إعادة بناء المؤسسات الأمنية والعسكرية ضمن إطار دولة مدنية مستقبلية، رغم أن التفاصيل الكاملة لهذه النقاشات لم تُنشر رسمياً.
وتشير تقارير لاحقة إلى أن هذه التوافقات الأولية كانت أقرب إلى “مبادئ إطار عام” أكثر من كونها نصوصاً تنفيذية، وهو ما جعلها عرضة للتراجع بعد عودة الأطراف إلى مراكز القوى الداخلية.
2.4 بنود اتفاق المنامة الموقع بالأحرف الأولى
لم يُنشر النص الكامل لما عُرف إعلامياً باتفاق أو إعلان مبادئ المنامة، إلا أن المصادر المتعددة تشير إلى التوصل إلى إعلان مبادئ أولي أو اتفاق مبدئي بالأحرف الأولى تضمن مجموعة من المبادئ العامة الحاكمة للعملية السياسية المستقبلية، قُدرت بنحو 21–22 مبدأ عاماً (Sudan Tribune, 2025).
وتشمل إعادة بناء هذه المبادئ وفق ما ورد في المصادر: وقف الحرب عبر التفاوض، الحفاظ على وحدة الدولة، الحفاظ على وحدة الجيش، إنهاء تعدد الجيوش، إطلاق مسار مدني انتقالي، إصلاح القطاع الأمني، إعادة بناء مؤسسات الدولة، والعدالة الانتقالية، إضافة إلى تفكيك البنية السياسية للنظام السابق.
كما برز بوضوح بند تفكيك التمكين المرتبط بالحركة الإسلامية والمؤتمر الوطني، وهو بند اعتُبر محورياً في إعادة تشكيل الدولة، وأثار لاحقاً اعتراضات سياسية حادة داخل بعض الدوائر المرتبطة بالنظام السابق (Feltman, 2024).
كما تضمنت التقديرات بنداً غير مكتوب تفصيلياً يتعلق بإعادة هندسة السلطة الانتقالية على أساس مدني، مع تقليص الدور السياسي المباشر للمؤسسة العسكرية.
2.4.1 وقف إطلاق نار إنساني مؤقت
تضمنت المناقشات التمهيد لوقف إطلاق نار مؤقت يهدف إلى تهيئة البيئة المناسبة للحوار السياسي وتخفيف المعاناة الإنسانية (United Nations, 2024). وكان المقصود من هذا الوقف الانتقال لاحقاً إلى وقف أكثر استدامة للأعمال العدائية، إلا أن هذه المرحلة لم تصل إلى التطبيق العملي الكامل.
2.4.2 فتح الممرات الإنسانية
أعطت الوثيقة أهمية خاصة لتسهيل وصول المساعدات الإنسانية إلى المدنيين، وفتح ممرات آمنة لوصول الغذاء والدواء والإغاثة إلى المناطق المتضررة، خاصة في الخرطوم ودارفور وكردفان (United Nations, 2024). وقد جاء ذلك استجابة للتدهور الإنساني المتسارع الذي شهدته البلاد خلال عام 2023 وبداية 2024.
2.4.3 حماية المدنيين
استندت المناقشات إلى المبادئ التي سبق تضمينها في إعلان جدة لحماية المدنيين، مع التركيز على وقف الانتهاكات ضد السكان المدنيين، وحماية المرافق الصحية والخدمية، ومنع استهداف البنية التحتية المدنية (United States Department of State, 2023).
2.4.4 ترتيبات المراقبة الميدانية
ناقش المشاركون إمكان إنشاء آليات مراقبة لمتابعة الالتزام بأي وقف محتمل لإطلاق النار. إلا أن المفاوضات لم تتوصل إلى نموذج نهائي متفق عليه بسبب الخلافات المتعلقة بالجهة التي ستتولى المراقبة وطبيعة وجودها الميداني (International Crisis Group, 2024).
2.4.5 آلية التحقق الإقليمي
برز خلال المناقشات اتجاه نحو الاعتماد على آلية تحقق إقليمية مدعومة من الدول الراعية والوسطاء الرئيسيين، بدلاً من نشر بعثة دولية كبيرة، غير أن هذه الفكرة بقيت في إطار النقاش ولم تنتقل إلى مرحلة التنفيذ (Feltman, 2024).
2.5 التزامات الأطراف العسكرية والسياسية
أشارت التسريبات المتاحة إلى أن الطرفين أبديا استعداداً مبدئياً للالتزام بعدد من المبادئ السياسية والأمنية، من بينها الحفاظ على وحدة السودان ووحدة الجيش السوداني ورفض تفكيك الدولة السودانية وضرورة إنهاء الحرب عبر التفاوض السياسي وليس عبر الحسم العسكري الكامل (Sudan Tribune, 2025).
كما ناقش الطرفان مبادئ عامة تتعلق بإعادة إطلاق العملية السياسية المدنية بعد وقف الحرب، لكن لم يتم الوصول إلى اتفاق تفصيلي بشأن شكل السلطة الانتقالية أو الترتيبات الدستورية المستقبلية.
وتضيف التحليلات أن القضايا المتعلقة بتفكيك التمكين الإسلامي وإعادة هيكلة الجيش كانت من أكثر البنود حساسية، حيث ارتبطت مباشرة بميزان القوى الداخلي بعد عودة الأطراف إلى الخرطوم.
2.6 دور الوسطاء الإقليميين والدوليين
لعبت البحرين دور الدولة المستضيفة التي وفرت البيئة السياسية والأمنية للمفاوضات، بينما مارست مصر والإمارات دوراً مباشراً في تقريب وجهات النظر بين الأطراف المتحاربة. كما ساهمت الولايات المتحدة والسعودية في توفير الغطاء السياسي والدبلوماسي للمحادثات (Feltman, 2024).
2.7 أسباب تعثر التفعيل الكامل للاتفاق
رغم التقدم النسبي الذي تحقق في المنامة، فإن الاتفاق لم ينتقل إلى مرحلة التنفيذ الفعلي. ويمكن تفسير ذلك بعدة عوامل مترابطة. أولها استمرار الرهان العسكري لدى الأطراف المتحاربة (International Crisis Group, 2024).
وثانيها الضغوط السياسية الداخلية، خاصة داخل معسكر الجيش السوداني، حيث لعبت التيارات الإسلامية والقوى المرتبطة بالنظام السابق دوراً في رفض أو تعطيل مسار الاتفاق.
أما العامل الثالث فتمثل في غياب آليات تنفيذ وضمانات واضحة، إضافة إلى استمرار العمليات العسكرية واتساع رقعة القتال خلال عام 2024، ما قلّص فرص البناء على ما تحقق في المنامة (United Nations, 2024).
ورغم تعثر الاتفاق، فإن مسار المنامة ظل مهماً لأنه كشف إمكانية التوصل إلى تفاهمات مباشرة بين القيادات العسكرية العليا للطرفين.
آلية الرباعية (الولايات المتحدة–السعودية–الإمارات–مصر)
تُعد آلية الرباعية (Quad) منذ اندلاع الحرب السودانية في أبريل 2023 أحد أكثر الأطر غير الرسمية تأثيراً في إدارة الصراع، وأكثرها تعقيداً من حيث البنية والتداخل بين السياسي والأمني والاقتصادي.
تتكون الرباعية من الولايات المتحدة، والمملكة العربية السعودية، والإمارات العربية المتحدة، ومصر.
وفق التتبع الزمني، تطورت الرباعية إلى منصة “هندسة تسوية متعددة المراحل”، وبلغت ذروتها في سبتمبر 2025 عندما صدر بيان خارطة طريق وقف الحرب (Reuters, 2025).
وتشير البيانات الصادرة عن الدول الأربع إلى أن خارطة الطريق تقوم على حزمة مترابطة من العناصر الأساسية التي لا تنفصل عن بعضها، ويمكن تلخيصها كما يلي:
الدعوة إلى وقف إطلاق نار إنساني عاجل لمدة ثلاثة أشهر لتمكين وصول المساعدات الإنسانية بشكل واسع داخل السودان (Reuters, 2025).
التأكيد على أن هذا الوقف الإنساني يمثل مرحلة تمهيدية وليست نهائية في مسار إنهاء الحرب.
الانتقال بعد الهدنة الإنسانية إلى وقف دائم وشامل لإطلاق النار بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع (Reuters, 2025).
إطلاق عملية سياسية انتقالية تمتد لحوالي تسعة أشهر تهدف إلى تأسيس حكومة مدنية ذات شرعية واسعة (Reuters, 2025).
التأكيد على مبدأ أن العملية السياسية يجب ألا تكون خاضعة لسيطرة أي من أطراف الحرب أو مفروضة عسكرياً (Reuters, 2025).
التأكيد على عدم وجود حل عسكري للصراع وأن استمرار القتال يفاقم الكارثة الإنسانية (Reuters, 2025).
دعم وحدة السودان وسيادته وسلامة أراضيه ورفض أي مسارات تؤدي إلى التقسيم (Reuters, 2025).
الدعوة إلى تسهيل وصول المساعدات الإنسانية دون عوائق إلى جميع المناطق المتضررة ورفع القيود المفروضة على العمل الإغاثي (Reuters, 2025).
الدعوة إلى وقف أو تقليص الدعم العسكري الخارجي للأطراف المتحاربة باعتباره عاملاً رئيسياً في إطالة أمد الحرب (Reuters, 2025).
التأكيد على حماية المدنيين والبنية التحتية المدنية وفق قواعد القانون الدولي الإنساني (Reuters, 2025).
الإشارة إلى أهمية التنسيق مع الاتحاد الإفريقي وجامعة الدول العربية والأمم المتحدة والشركاء الدوليين لدعم المسار السياسي (Reuters, 2025).
التأكيد على ضرورة مواجهة التهديدات العابرة للحدود المرتبطة بالإرهاب وعدم الاستقرار الإقليمي في البحر الأحمر والقرن الإفريقي (Sudan Tribune, 2025).
الإشارة إلى رفض أي دور للقوى المرتبطة بالتيارات الإسلامية المتشددة أو “الإسلام السياسي” في مستقبل العملية السياسية الانتقالية، وفق الصياغات الواردة في البيان المشترك (Reuters, 2025).
لكن رغم شمولية هذا الإطار، بقيت خارطة الطريق غير ملزمة قانونياً، ولم تتضمن أي آلية تنفيذ أو قوة مراقبة دولية أو نظام عقوبات واضح في حال الانتهاك، ما جعلها أقرب إلى إطار سياسي إرشادي يعتمد على توافق الأطراف وضغط الوسطاء (Feltman, 2024).
وتُظهر القراءة التحليلية أن أحد أبرز نقاط الضعف البنيوية في الرباعية هو تعدد مراكز القرار وتباين الأولويات الاستراتيجية بين أعضائها، حيث تختلف دوافع الولايات المتحدة عن السعودية والإمارات ومصر، سواء من حيث تعريف التهديد أو ترتيب الأولويات الجيوسياسية أو طبيعة العلاقة مع الأطراف السودانية.
وبذلك بقيت الرباعية إطاراً تنسيقياً واسع النفوذ، لكنه محدود الفاعلية التنفيذية، يعتمد على الضغط الدبلوماسي أكثر من امتلاكه أدوات إلزام ميدانية قادرة على فرض التسوية.
المقارنة التحليلية بين منبر جدة، مسار المنامة، وخارطة طريق الرباعية
تُظهر المقارنة بين المسارات الثلاثة (منبر جدة، مسار المنامة، وخارطة طريق الرباعية) اختلافاً بنيوياً عميقاً في طبيعة التفاوض، ومستوى الإلزام، وأدوات التنفيذ، رغم اشتراكها في الهدف العام المتمثل في وقف الحرب السودانية وإطلاق مسار سياسي انتقالي (International Crisis Group, 2024).
أولاً: الطبيعة القانونية والسياسية
يُعد منبر جدة أقرب إلى إطار تفاوضي إنساني–عسكري محدود النطاق، يركز على وقف إطلاق النار وحماية المدنيين دون الدخول في تفاصيل التسوية السياسية الشاملة (United States Department of State, 2023). في المقابل، يمثل مسار المنامة محاولة لصياغة إطار سياسي–أمني تأسيسي يتجاوز الهدن إلى تصور شامل لإعادة هيكلة الدولة والمؤسسة العسكرية (Feltman, 2024). أما خارطة طريق الرباعية فتندرج ضمن إطار سياسي دولي غير ملزم، يحدد مراحل عامة للتسوية دون أن يتحول إلى اتفاق تنفيذي أو وثيقة قانونية واجبة التطبيق (Reuters, 2025).
ثانياً: مستوى الإلزام والتنفيذ
يتسم منبر جدة بوجود التزامات مؤقتة وضعيفة التنفيذ، تعتمد على حسن نية الأطراف دون وجود قوة مراقبة فعالة، ما أدى إلى انهيار معظم الهدن المتفق عليها (International Crisis Group, 2024). أما مسار المنامة فكان أعلى طموحاً من حيث التوافق السياسي، لكنه لم ينتقل إلى مرحلة التنفيذ أصلاً بسبب غياب الاتفاق النهائي والانقسام حول القضايا الجوهرية. في حين أن خارطة طريق الرباعية لم تتضمن منذ البداية أي آلية تنفيذ أو عقوبات أو قوة رقابة ميدانية، ما جعلها إطاراً توجيهياً أكثر من كونها مساراً تنفيذياً (Feltman, 2024).
ثالثاً: نطاق القضايا المطروحة
يركز منبر جدة أساساً على وقف إطلاق النار، حماية المدنيين، والمساعدات الإنسانية، مع فصل شبه كامل عن المسار السياسي (United States Department of State, 2023). بينما توسع مسار المنامة ليشمل قضايا الدولة السودانية، إصلاح القطاع الأمني، وحدة الجيش، والانتقال السياسي، إضافة إلى تفكيك البنية السياسية للنظام السابق (Sudan Tribune, 2025). أما الرباعية فقد جمعت بين البعدين الإنساني والسياسي والاستراتيجي، بما في ذلك وقف الدعم الخارجي، دعم وحدة السودان، وإطلاق عملية انتقال مدني، دون الدخول في تفاصيل بنيوية داخلية ملزمة (Reuters, 2025).
رابعاً: دور الفاعلين الإقليميين والدوليين
اعتمد منبر جدة على وسيطين رئيسيين هما السعودية والولايات المتحدة، ما منح العملية طابعاً ثنائياً منسقاً نسبياً. بينما اتسم مسار المنامة بتعدد الأطراف الإقليمية (مصر، الإمارات، السعودية، الولايات المتحدة، البحرين)، ما جعله أكثر تعقيداً من حيث تضارب المصالح (Feltman, 2024). أما الرباعية فمثلت نموذجاً متعدد الأقطاب يجمع أربع قوى رئيسية ذات أولويات استراتيجية مختلفة، وهو ما أدى إلى ضعف وحدة القرار وتباين الرسائل السياسية الموجهة للأطراف السودانية (International Crisis Group, 2024).
خامساً: الفاعلية والنتائج
أنتج منبر جدة عدداً من الهدن المؤقتة، لكنه فشل في تثبيت وقف دائم لإطلاق النار بسبب غياب آليات الرقابة واستمرار العمليات العسكرية. أما مسار المنامة فقد أنتج توافقات أولية ومبادئ عامة، لكنها لم تُنفذ ولم تتحول إلى اتفاق نهائي. في حين أن الرباعية أنتجت خارطة طريق سياسية عامة في 2025، لكنها بقيت غير ملزمة ولم تُترجم إلى نتائج ميدانية ملموسة (Reuters, 2025).
سادساً: بنية الفشل المشترك
تشترك المسارات الثلاثة في ثلاثة عناصر بنيوية رئيسية:
غياب آليات تنفيذ قسرية أو قوة مراقبة مستقلة
الاعتماد على التوافق السياسي غير الملزم
تأثرها المباشر بتوازنات القوى الإقليمية أكثر من النصوص التفاوضية نفسها
هذا التداخل بين الطموح السياسي وضعف أدوات التنفيذ جعل جميع المسارات تدور في إطار “إدارة الصراع” أكثر من “حسم الصراع” (Feltman, 2024).
خاتمة
تكشف المسارات الثلاثة للتفاوض في الحرب السودانية—منبر جدة، ومسار المنامة، وخارطة طريق الرباعية—عن نمط متكرر في إدارة النزاعات المعقدة، حيث تتقدم الهندسة الدبلوماسية على القدرة الفعلية على التنفيذ. ورغم اختلاف مستويات الطموح بين هذه المسارات، فإنها جميعاً تتحرك داخل مساحة واحدة قوامها “إدارة الأزمة” بدل “حلها”، وهو ما يفسر محدودية أثرها على الأرض واستمرار الحرب بوتيرتها المتقلبة.
منبر جدة مثّل النموذج الأكثر وضوحاً من حيث التركيز على البعد الإنساني ووقف إطلاق النار، لكنه اصطدم بغياب أدوات إلزام ومراقبة ميدانية، ما جعله ينتج هدناً قصيرة العمر أكثر من إنتاجه لسلام مستقر. أما مسار المنامة فقد انتقل نظرياً إلى مستوى أعلى من التعقيد السياسي، محاولاً معالجة قضايا بنيوية تتعلق بالدولة والجيش وإعادة تشكيل السلطة، لكنه لم يمتلك أساساً مؤسسياً أو توافقاً داخلياً كافياً لتحويل المبادئ إلى اتفاق نافذ، فظل أقرب إلى “تصور تسوية” غير مكتمل.
غير أن مسار المنامة يكتسب أهمية نوعية تتجاوز كونه مجرد حلقة تفاوضية ضمن سلسلة المبادرات، إذ يمكن اعتباره الركيزة الأساسية لأي حل مستقبلي محتمل في السودان. يعود ذلك إلى عدة أسباب مترابطة: أولها أنه المسار الوحيد الذي انتقل من منطق الهدن المؤقتة إلى منطق معالجة بنية الدولة نفسها، بما يشمل وحدة الجيش، وإعادة هيكلة القطاع الأمني، ومستقبل السلطة الانتقالية. وثانيها أنه جمع للمرة الأولى قيادات عسكرية عليا مع فاعلين إقليميين مؤثرين بشكل مباشر، ما جعله أقرب إلى “تسوية سياسية–أمنية شاملة” وليس مجرد تفاوض تكتيكي. وثالثها أن طبيعة القضايا التي تناولها—مثل شكل الدولة بعد الحرب، ومصير القوات المسلحة، وإعادة تعريف السلطة—هي في جوهرها نفس القضايا التي لا يمكن لأي تسوية لاحقة تجاوزها أو الالتفاف حولها.
بمعنى آخر، فإن أي تسوية مستقبلية واقعية ستضطر، بشكل مباشر أو غير مباشر، إلى العودة إلى القضايا التي طرحها مسار المنامة، لأنه الوحيد الذي اقترب من “هندسة الحل” بدل الاكتفاء بإدارة وقف إطلاق النار. وبالتالي فإن تجاهله أو تجاوزه لا يلغي مضمونه، بل يعيد إنتاجه في أي مفاوضات لاحقة بصيغ مختلفة.
في المقابل، جاءت خارطة طريق الرباعية لتقدم الإطار الأوسع والأكثر شمولاً من حيث الرؤية الزمنية والتسلسل المرحلي، لكنها في الوقت نفسه كانت الأكثر تجريداً والأضعف من حيث أدوات التنفيذ، إذ اعتمدت على توافقات دبلوماسية بين قوى ذات أولويات متباينة، دون وجود مركز قيادة موحد أو آلية ضغط فعالة على أطراف الحرب.
يُظهر التحليل المقارن أن الإشكالية الجوهرية لا تكمن في غياب المبادرات، بل في طبيعة تصميمها ذاته: تعدد الوسطاء، تباين المصالح الإقليمية، وغياب القوة التنفيذية المحايدة. هذا النمط أدى إلى إنتاج “تعدد مسارات دون تراكم”، حيث لا يبني مسار لاحق على سابقه بشكل مؤسسي، بل يعيد إنتاج نفس القيود بأشكال مختلفة.
كما يكشف المقال أن الصراع السوداني لم يعد يُدار داخل حدود الداخل فقط، بل أصبح جزءاً من هندسة إقليمية متعددة المستويات، تتداخل فيها الحسابات الأمنية (مصر)، الجيوسياسية (السعودية والولايات المتحدة)، والاقتصادية–الاستراتيجية (الإمارات)، ما يجعل أي تسوية رهينة توازنات خارجية بقدر ما هي مرتبطة بإرادة الأطراف السودانية نفسها.
في المحصلة، لا تبدو المشكلة في نقص المبادرات، بل في غياب “معمار سلام” قادر على تحويل التوافقات الجزئية إلى التزامات قابلة للتنفيذ. وحتى يحدث ذلك، ستظل هذه المسارات أقرب إلى أدوات لإدارة الحرب من كونها جسوراً حقيقية لإنهائها.
المراجع
Bellamy AJ. World peace (and how we can achieve it). Oxford: Oxford University Press; 2019.
Bell C. On the law of peace: peace agreements and the lex pacificatoria. Oxford: Oxford University Press; 2008.
Barnett M. Empire of humanity: a history of humanitarianism. Ithaca: Cornell University Press; 2011.
de Waal A. Sudan’s war and the political marketplace. London: London School of Economics and Political Science; 2024.
de Waal A. The real politics of the Horn of Africa: money, war and the business of power. Cambridge: Polity Press; 2015.
European Commission. Sudan crisis: humanitarian response and EU support. Brussels: European Commission; 2025.
Feltman J. Mediating Sudan’s conflict: fragmented diplomacy and competing tracks. Washington DC: Brookings Institution; 2024.
International Crisis Group. Sudan’s civil war: breakdown of the state and regional entanglement. Brussels: International Crisis Group; 2024.
International Institute for Strategic Studies. Sudan and great power competition in the Red Sea region. London: IISS; 2025.
Johnson DH. The root causes of Sudan’s civil wars. 3rd ed. Oxford: James Currey; 2016.
Lund A. Syria’s civil war and the fragmentation of mediation processes. Stockholm: Swedish Institute of International Affairs; 2022.
Menkhaus K. State collapse and reconstruction in the Horn of Africa. Boulder: Lynne Rienner Publishers; 2021.
Paris R. At war’s end: building peace after civil conflict. Cambridge: Cambridge University Press; 2004.
Security Council Report. Sudan: Security Council developments and analysis. New York: Security Council Report; 2025.
Sudan Tribune. Analysis of Quad roadmap and mediation fragmentation in Sudan. 2025–2026.
The Tahrir Institute for Middle East Policy. Breaking the cycle: can Geneva succeed where Jeddah failed in Sudan? Washington DC: TIMEP; 2024.
United Nations Human Rights Council. Report of the Independent International Fact-Finding Mission for the Sudan. Geneva: United Nations; 2024.
United Nations Office for the Coordination of Humanitarian Affairs. Sudan humanitarian overview 2025. New York: OCHA; 2025.
United Nations. Pathways for peace: inclusive approaches to preventing violent conflict. New York: United Nations; 2021.
United Nations. Reports of the Secretary-General on the Sudan. New York: United Nations; 2024.
United States Department of State. Declaration of commitment to protect the civilians of Sudan. Washington DC: US Department of State; 2023.
United States Department of the Treasury. Sudan sanctions program updates. Washington DC: Department of the Treasury; 2025.
Walter BF. Committing to peace: the successful settlement of civil wars. Princeton: Princeton University Press; 2002.
Wehrey F. This war is out of our hands: the internationalization of Libya’s post-2011 conflicts. New York: Columbia University Press; 2020.

الكاتب

د. عبد المنعم مختار

شارك هذا المقال
Email Copy Link Print

مصدرُك الموثوق للأخبار والتحليلات والآراء الدقيقة!

نقدّم تغطية دقيقة ومتوازنة، إلى جانب تحليلات معمّقة وآراء متنوعة تساعدك على فهم ما وراء الخبر. تابع آخر المستجدات والرؤى أولًا بأول.
3.5KLike
140Follow
5.5KFollow

يتصفح زوارنا الآن

منبر الرأي
التصوف بين البدعة والسنة 3-3 .. بقلم: الشيخ أحمد التجاني أحمد البدوي
هذا التلميذ في السبعينات له كل التقدير والاحترام
الأخبار
الدعم السريع تعتزم إعلان حكومة موازية خلال أيام
منبر الرأي
رواية فركة- قراءة ! .. بقلم: عدنان زاهر
منبر الرأي
الأصل الأفريقي للحضارة : خرافـة أم حقيقـة ؟ (7) .. ترجمة / محمد السـيد علي

مقالات ذات صلة

منبر الرأي

منهج التربية الإسلامية يُخالف الدُّستور وروح العصر (2-2) .. بقلم: بابكر فيصل بابكر

بابكر فيصل بابكر
منبر الرأي

تحالف الامة والحركه الشعبيه الانتخابي : مثالي وواقعي معا .. بقلم: عبد العزيز حسين الصاوي

عبد العزيز حسين الصاوي
منبر الرأي

هي كرمة لا النوبة أو لا كوش وكميت وليس مصر .. بقلم: طارق عنتر

طارق الجزولي
منبر الرأي

الحزب الإتحادي المــُوحـد – بيان حول الموقف التنازلي لبعض مُكونات نداء السودان

طارق الجزولي
مساحة اعلانية
سودانايل
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
تصميم وتطوير JEDAR
Facebook Rss