زهير عثمان
أنيميا الحب- سرديات الجرح والذاكرة في فضاء الرواية السودانية المعاصرة
قراءة في ضوء منهج علم السرد
تمهيد منهجي- لماذا علم السرد؟
قبل الشروع في تحليل رواية “أنيميا الحب” للروائية ليلى صلاح، لا بد من توضيح الأداة النقدية التي سنعتمد عليها
فمنهج علم السرد (Narratology) لا يسأل عن “ماذا” تروي الرواية فحسب، بل عن “كيف” ترويها
إنه يتتبع آليات بناء العالم الروائي- من يحكي؟ ولمن؟ وبأي زاوية رؤية؟ وكيف يتعامل النص مع الزمن؟ وكيف تُبنى الشخصيات عبر اللغة والحوار والمونولوج الداخلي؟
هذه الأسئلة الإجرائية هي ما ستمنح قراءتنا صرامة منهجية، وتكشف عن الطبقات الخفية في بناء النص، بعيداً عن الانطباعية العامة
ففي رواية تبدو الثورة السودانية خلفيتها الكبرى، والحب محورها الظاهر، يكون السؤال السردي هو الأكثر قدرة على فك شيفرات التداخل بين الخاص والعام، وبين الذاكرة الفردية والتاريخ الجمعي
أولاً- نظام الراوي – بين العليم والمحدود
تتبنى ليلى صلاح في “أنيميا الحب” راوياً عليماً محدوداً (Omniscient but Restricted)
فهي تمنح الراوي القدرة على الولوج إلى أعماق الشخصيات، لكنها تقيد هذه القدرة – في معظم أجزاء الرواية – داخل وعي البطلة ليلى.
هذا الخيار السردي يحمل دلالة كبرى- فالرواية تُروى من منظور من انهار عالمها، ومن جعلت من الفن (النحت) أداة لإعادة بناء الذات
وعليه، فإن ما نراه من أحداث الثورة، وما نلمسه من تهشم العلاقات، ليس سوى انعكاس لوعي ليلى المكسور
فالراوي لا يقدم لنا “الحقيقة” الموضوعية للأحداث، بل يقدم ليلى وهي ترى الأحداث
وهنا تكمن المفارقة السردية الأساسية في الرواية- كلما كانت الشخصية أكثر انكساراً، كان الراوي أكثر قدرة على الاقتراب منها؛ وكلما كانت الشخصية أكثر استقراراً نسبياً (مثل حسن في بعض المواضع)، ابتعد الراوي عنها، وتحول إلى الوصف الخارجي
هذه التقنية تجعل من الانهيار النفسي شرطاً للرؤية العميقة، وهو ما يمنح النص طابعاً وجودياً واضحاً
ثانياً-وجهة النظر (التركيز) – الداخلية والخارجية
من أدوات علم السرد الأساسية مفهوم “التركيز” (Focalization)، الذي وضعه الناقد جيرار جينيت. وفي “أنيميا الحب”، نلاحظ تناوباً بين مستويين من التركيز-
أ. التركيز الداخلي الثابت (Internal Focalization – Fixed)
يتجلى في المقاطع الطويلة المخصصة للمونولوج الداخلي لليلى، حيث يصبح القارئ محصوراً داخل وعيها، يرى العالم من خلال مشاعرها وخوفها وأسئلتها الوجودية , و هذه التقنية تمنح النص كثافة نفسية عالية، وتجعل من تجربة الثورة تجربة حسية قبل أن تكون فكرية
ب. التركيز الصفري (Zero Focalization)
يظهر في المقاطع التي يتحرك فيها الراوي بحرية بين الشخصيات، مقدماً معلومات عن حسن أو نورا أو رانيا، وكأنه يعرف كل شيء عنهم. لكن اللافت أن هذا التركيز الصفري لا يُستخدم لإثراء الشخصيات الأخرى بقدر ما يُستخدم لتأكيد عزلة ليلى؛ فكلما تحرك الراوي خارج وعيها، بدا وكأنه يقدم تقارير موجزة، وكأن العالم الآخر لا يكتسب وزناً إلا من خلال علاقته بها
وهذا يُعد اختياراً سردياً محفوفاً بالمخاطر؛ إذ يمنح الرواية عمقها النفسي، لكنه في الوقت نفسه يحد من تعدد الأصوات، ويجعل من الشخصيات الأخرى مجرد مرايا تعكس أزمة البطلة، بدلاً من أن تكون عوالم قائمة بذاتها
ثالثاً- الزمن السردي – انهيار الخطية
ربما تكون معالجة الزمن هي الأداة السردية الأكثر كشفاً لطبيعة الرواية
فالحرب والثورة، في وعي الشخصيات، لم يعدا حدثين خطيين يمضيان من الماضي إلى المستقبل، بل أصبحا جرحاً دائماً يعيد تشكيل الحاضر
تستعمل ليلى صلاح تقنيات زمنية متعددة، يمكن تحليلها كالتالي
1. الاسترجاع (Analepsis)
الرواية مليئة بالفلاش باك: ذكريات ليلى مع حسن قبل الثورة، لحظات النحت الأولى، مشاهد النيل في زمن مختلف. لكن هذه الاسترجاعات ليست مجرد شرح للماضي، بل هي محاولات لاستعادة معنى فُقد
فكل استرجاع هو محاولة لإعادة تركيب الذات التي تهشمت , وهذا يتوافق مع ما يسميه بول ريكور “السرد بوصفه هوية”، حيث لا يكون الماضي مجرد حدث، بل أداة لفهم الحاضر وإعادة بنائه
2. الاستباق (Prolepsis)
يظهر بشكل أقل، لكنه حاضر في لحظات الترقب والخوف، عندما تتخيل الشخصيات ما سيحدث غداً
وهذه الاستباقات تحمل غالباً نبرة تشاؤمية، وكأن المستقبل في زمن الحرب لا يحمل إلا مزيداً من الفقد
3. التكرار (Repetition)
من أبرز مميزات البنية الزمنية للرواية أنها تعيد تقديم المشاهد نفسها من زوايا مختلفة، خاصة المشاهد المتعلقة بلقاءات ليلى وحسن، أو لحظات النحت. هذا التكرار ليس عجزاً سردياً، بل هو محاولة لاستنفاد المعنى، وكأن الشخصيات تحاول أن تفهم ما حدث عبر إعادة النظر فيه مراراً، دون جدوى , وهذا يعكس بدقة حالة “الجمود الوجودي” التي تنتج عن الصدمة
4. العلاقة بين زمن الحكي وزمن الحدث
تُروى الرواية في زمن مضغوط (أشهر الحرب) لكنها تحتوي على ذاكرة تمتد لسنوات
هذا التباين بين زمن الحكي الطويل نسبياً وزمن الأحداث المختصرة يخلق إحساساً بـ التمدد النفسي للزمن؛ فالدقائق في زمن الحرب يمكن أن تحمل سنوات من الألم، واللحظات السعيدة تمر كالبرق
وهذه المعالجة الزمنية تجسد بدقة ما يعيشه النازحون والمشرّدون في الحرب السودانية
رابعاً – البنية الحوارية – المونولوج الداخلي وتيار الوعي
إذا كان الحوار الخارجي في الرواية محدوداً نسبياً، فإن المونولوج الداخلي هو المسيطر
وهذا اختيار سردي عميق الدلالة- ففي زمن انهيار التواصل الاجتماعي (بسبب الحرب والنزوح وفقدان الأمان)، يصبح الحوار مع الذات هو الملاذ الأخير
تستخدم الكاتبة تقنية تيار الوعي (Stream of Consciousness) في العديد من المقاطع، حيث تتداعى الأفكار والمشاعر والذكريات دون ترتيب منطقي ظاهر، وكأنها تعكس فوضى العالم الداخلي للشخصيات
لكن المهم منهجياً هو أن هذا التيار ليس فوضوياً بالكامل؛ بل هو موجّه نحو محاولة إعادة الترتيب , فليلى، وهي تنحت الحجر، تحاول أن تمنح الفوضى شكلاً. وهكذا، يصبح المونولوج الداخلي أشبه بـ المعمل السري حيث تُصنع المعاني، بينما يبقى العالم الخارجي (الحرب، الثورة، النزوح) مجرد ضجيج في الخلفية
وهنا نلمس تداخلاً منهجياً مهماً – علم السرد يلتقي مع التحليل النفسي، حيث يصبح السرد الداخلي أداة لفهم الصدمة، وليس مجرد تقنية فنية فالرواية تمنح القارئ حق الوصول إلى “غرفة العمليات” النفسية للشخصيات، مما يخلق تعاطفاً عميقاً، لكنه قد يجعله أيضاً أسيراً لرؤية واحدة للعالم
خامساً- الرموز السردية – حين تصبح الأشياء شخصيات
في منهج علم السرد، لا تقتصر الشخصيات على البشر، بل تمتد إلى الأشياء والرموز التي تؤدي وظيفة سردية داخل النص, وفي “أنيميا الحب”، يمكن تحليل ثلاثة رموز رئيسية بوصفها “شخصيات سردية” تؤثر في مسار الأحداث وتشكل المعنى
1. الحجر (مادة النحت)
ليس مجرد أداة فنية، بل هو شريك في الحوار مع ليلى علاقتها بالحجر هي علاقة جدلية- هي تشكله، وهو يشكلها. الحجر يقاوم، ويتشقق، ويتفتت، كما تتفتت الذات السودانية
وفي هذا الحوار الصامت، تتحقق مقاومة لا تحتاج إلى شعارات
2. النيل لا يظهر كخلفية مكانية فحسب، بل بوصفه راوياً صامتاً يشهد على التحولات
النيل في الرواية هو ذاكرة ممتدة، حاضرة في الاسترجاعات، وغائبة في زمن الحرب (كما غاب الأمان). وهنا يؤدي النيل وظيفة سردية تشبه وظيفة “الراوي الخارجي” الذي يربط بين الأزمنة
3. الكاميرا
ترمز إلى الرغبة في التوثيق، أي محاولة إيقاف الزمن وتثبيت الحقيقة. لكن الكاميرا في الرواية تفشل في مهمتها، لأن الحقيقة في زمن الحرب تتشظى، ولا يمكن لعدسة واحدة أن تلتقطها
وهذا يعكس أزمة السرد نفسه- كيف تروي حرباً بينما أنت تعيش داخلها؟
هذه الرموز لا تخدم فقط البعد الجمالي، بل تشارك في بناء الدلالة السردية، وتؤدي دوراً موازياً لشخصيات الرواية في دفع الأحداث وتعميق المعنى
سادساً- الإيقاع السردي – بين التأمل والحدث
من أبرز ما يمكن رصده منهجياً في الرواية هو تباطؤ الإيقاع في كثير من المواضع، وهو ما قد يُقرأ نقدياً على مستويين-
المستوى الأول هو التباطؤ بوصفه اختياراً جمالياً
يتوافق الإيقاع البطيء مع الحالة النفسية للشخصيات؛ ففي زمن الانهيار، يصبح الزمن ثقيلاً، وتصبح التفاصيل الصغيرة محملة بمعانٍ هائلة وهكذا، فإن قراءة صفحة كاملة تصف مشاعر ليلى وهي تلمس الحجر قد تكون أكثر تأثيراً من مشهد قتال عنيف
المستوى الثاني: التباطؤ بوصفه تحدياً سردياً
لكن هذا التباطؤ قد يضعف الدينامية السردية، خاصة للقارئ المعتاد على البناء الحدثي المتسارع. فالرواية تفتقر إلى “العقدة” التقليدية، وإلى الصراع الخارجي الواضح
الصراع هنا هو صراع داخلي بالكامل، مما يجعلها أقرب إلى “الرواية التأملية” أو “الرواية-الحالة” منها إلى “الرواية-الحدث”
وهنا يبرز سؤال منهجي هنا وهو – هل تنجح الرواية في خلق توتر سردي رغم غياب الأحداث الخارجية الكثيرة؟ الإجابة تعتمد على قدرة القارئ على الانخراط في العالم الداخلي للشخصيات
لكن من وجهة نظر سردية صارمة، كان من الممكن أن تُضخ بعض المشاهد الخارجية (مثلاً لقاءات شخصيات أخرى، أو مشاهد من الشارع) لكسر الرتابة وإثراء السرد دون المساس بالعمق النفسي
سابعاً- الشخصية بين الوظيفة السردية والرمزية
في علم السرد، تُدرس الشخصية ليس فقط ككيان نفسي، بل بوصفها عنصراً وظيفياً في بناء النص. ومن هذا المنطلق، يمكن تحليل شخصيتي ليلى وحسن – ليلى: الشخصية المحورية والمرآة السردية
ليلى ليست مجرد بطلة، بل هي مركز التركيز السردي الذي من خلاله يُبنى العالم. كل الأحداث تُروى من منظورها، وكل الشخصيات الأخرى تُفهم من خلال علاقتها بها
وهذا يجعلها شخصية “مفرطة في الوظيفة”؛ فهي تحمل ثقل النص بالكامل، مما قد يجعل أحياناً من حضورها مثقلاً ورمزياً أكثر من كونه واقعياً
حسن – الشخصية المضادة والنموذج الذكوري المختلف
يقوم حسن بوظيفة سردية مزدوجة – فهو من جهة، الحاضر الغائب في وعي ليلى، ومن جهة أخرى، النموذج البديل للذكورة التقليدية
لكن تحليلاً سردياً دقيقاً يكشف أن حضور حسن في النص محدود، وأن وظيفته الأساسية هي إنتاج الأسئلة أكثر من تقديم الإجابات , فهو ليس شخصية مكتملة بقدر ما هو سؤال مفتوح حول إمكانية وجود رجل مختلف في زمن الحرب
وهنا يمكن القول إن البنية السردية للرواية تمنح ليلى سلطة مطلقة تقريباً على رؤية العالم، مما يقلص من هامش الحركة السردية للشخصيات الأخرى، ويجعل الرواية أقرب إلى سيرة ذاتية متخيلة منها إلى رواية متعددة الأصوات
سرد الجرح بوصفه مقاومة
في النهاية، يمكن القول إن “أنيميا الحب” تقدم تجربة سردية طليعية في المشهد الروائي السوداني، حيث تختار أن تواجه الحرب والثورة ليس عبر سرديات الانتصار أو الهزيمة، بل عبر تفكيك وعي فردي يحاول النجاة
وبتطبيق أدوات علم السرد، نكتشف أن الرواية تبني عالماً يقوم على – راوٍ محدود ينحاز إلى وعي البطلة
زمن غير خطي يعكس صدمة الحرب , مونولوج داخلي كثيف يحل محل الحوار الخارجي
رموز تؤدي وظائف سردية موازية للشخصيات , – إيقاع بطيء يخدم الحالة النفسية على حساب الأحداث الخارجية
وهذه الملامح مجتمعة تجعل من “أنيميا الحب” رواية هي الجرح الذي يتنفس، حيث يصبح السرد نفسه فعلاً مقاومة- مقاومة النسيان، ومقاومة التبسيط، ومقاومة السقوط في خطاب سياسي مباشر
ورغم بعض المآخذ المتعلقة بتراجع الدينامية السردية في مواضع، وغلبة الصوت الواحد على تعدد الأصوات، فإن الرواية تظل إضافة نوعية تثري السرد السوداني المعاصر، وتقدم نموذجاً لكتابة الحرب من الداخل، عبر تفكيك ذات تبحث عن معنى في زمن انهارت فيه كل المعاني.
وأري إن القراءة بعلم السرد لا تقدم أحكاماً قيمة حول “جمال” الرواية أو “رداءتها”، بل تكشف عن آليات اشتغالها، وتجعل من القارئ شريكاً في فهم النص، ليس عبر التذوق فقط، بل عبر التحليل والتفكيك. وبهذا المعنى، تكون “أنيميا الحب” نصاً خصباً لهذه المقاربة، لأنه نص يضع السرد نفسه في قلب أسئلته الكبرى- كيف نحكي حين تنهار اللغة؟ وكيف نروي حين يتداعى الزمن؟
zuhair.osman@aol.com
