بقلم: زهير عثمان
عندما اندلعت الحرب في أبريل 2023، لم تكن مجرد صراع عسكري، بل كانت زلزالاً سياسياً فكك أسس اللعبة التي عاشها السودانيون لعقود، وأطاح بالثقة في النخب التقليدية والمؤسسات المنهارة
اليوم، يقيس المواطن أي مشروع سياسي بمقياس واحد وهل يستعيد الأمان والخبز والمستقبل؟ هذا التحول الجذري في وعي الشعب يفرض علينا قراءة جديدة للمشهد، تتجاوز الشعارات نحو إعادة تأسيس الدولة
أولاً— تحول جذري في المشاريع السياسية
أنتجت الحرب واقعاً قاسياً: نزوح، اقتصاد منهار، وتدمير للبنية التحتية. في هذا السياق، تراجع اهتمام المواطن بالصراعات الأيديولوجية أمام أولوية البقاء
و لقد فشلت النخب التقليدية بمختلف مشاربها من إسلاميين وقوميين ويساريين وليبراليين حقيقة في تقديم حلول ملموسة، مما وضعها أمام اختبار وجودي
اليوم، ينتقل السؤال الجوهري من “من يمسك السلطة؟” إلى “كيف نعيد بناء الدولة؟”
لا استقرار بدون دولة تحتكر السلاح، ولا ديمقراطية دون مؤسسات محايدة، ولا سلام بدون عقد اجتماعي عادل. يبرز هنا “جيل ما بعد 2023” كلاعب براغماتي لا يأبه بالخطابات العقائدية، بل يبحث عن التنمية والحوكمة والفرص الاقتصادية
المشاريع السياسية الأكثر حظاً في المستقبل هي تلك المرنة التي تستوعب التنوع، وتدير ملفات إعادة الإعمار بشفافية، وتضع حلولاً واقعية لمعاناة الناس اليومية، بدلاً من التمترس خلف معسكرات أيديولوجية أثبتت فشلها
ثانياً- القوى الإقليمية – صراع النفوذ
تحول السودان إلى ساحة تنافس إقليمي، حيث تتقاطع المصالح حول البحر الأحمر والموارد
مصر – تدعم القوات المسلحة لأسباب استراتيجية تتعلق بأمن الحدود المائية والبرية، وتعتبر استقرار الدولة المركزية ضرورة وجودية
الإمارات- تواجه اتهامات دولية بدعم قوات الدعم السريع لتعزيز نفوذها الاقتصادي ومصالحها في القرن الأفريقي، وهو ما غير موازين القوى ميدانياً
السعودية- تحاول موازنة الأدوار، ميلها التقليدي للجيش يأتي ضمن سعيها لحماية مصالحها في البحر الأحمر وتجنب الفوضى التي قد تهدد استقرار المنطقة
هذا التدخل الإقليمي ساهم في إطالة أمد الحرب وتعميق الاستقطاب، مما عرقل جهود بناء الدولة الوطنية
إن أي مشروع سياسي سوداني ناجح لن يبنى على التبعية لأي معسكر إقليمي، بل على قدرته على استعادة السيادة الوطنية والتعامل بندية وتوازن مع القوى الإقليمية، فالشعب السوداني يرفض أن يكون وقوداً لحروب الوكالة
ثالثاً- المجتمع المدني – خط الدفاع الأول
في ظل غياب مؤسسات الدولة، برز المجتمع المدني وخاصة لجان المقاومة التي تحولت إلى “غرف استجابة طارئة”,كلاعب محوري
لم يعد دور المجتمع المدني مقصوراً على النشاط السياسي، بل أصبح المنقذ الذي يوفر الغذاء والدواء ويوثق الانتهاكات
يواجه هذا القطاع تحديات جسيمة، من الاستهداف الأمني والنزوح القسري إلى نقص الموارد ومحاولات التسييس
ومع ذلك، يمتلك المجتمع المدني اليوم شرعية شعبية تفوق الأحزاب، نابعة من قربه الميداني من معاناة المواطن
لا يمكن لأي تسوية قادمة أن تتجاهل هذا الدور؛ فالمجتمع المدني هو الضامن لمنع تحول الانتقال السياسي إلى مجرد صفقة بين النخب والعسكر. يجب أن يكون شريكاً أساسياً في مراقبة السلام، وصياغة العقد الاجتماعي، وإعادة الإعمار، مكافحاً خطاب الكراهية الذي مزق النسيج الاجتماعي
نحو مشروع وطني جديد
أثبتت الحرب أن مستقبل السياسة السودانية لا يُحسم بـ”صوت العالي” أو قوة السلاح، بل بمدى القدرة على استعادة ثقة المواطن
السودانيون اليوم، بعد ما عانوه من نزوح وفقدان، لا يبحثون عن أيديولوجيات، بل عن مشروع حياة يعيد لهم كرامتهم وأمنهم
إن معركة المستقبل هي معركة بناء دولة تتسع للجميع، لا دولة الجنرالات أو النخب المتصارعة. السلام الحقيقي يتطلب ضغطاً إقليمياً مشتركاً لوقف الحرب، يتبعه مشروع وطني سوداني مستقل، يتشارك فيه المجتمع المدني مع القوى الحية لرسم مسار جديد
إن من يدرك هذا التحول في وعي الشعب سيجد مكانه في مستقبل البلاد، أما من يصر على إعادة إنتاج النماذج القديمة، فسيبقى معزولاً في قاعات التاريخ
لقد حان الوقت لنقل السودان من صراع السلطة إلى رحاب بناء الدولة، وهو عهد يتطلب إرادة جماعية، ودروساً مستفادة من أخطاء الماضي، ورؤية تضع المواطن فوق كل اعتبار.
zuhair.osman@aol.com
