محمد صالح محمد
“يا زولة.. يا وطني المفقود في زحام الغياب”
يجلس الحنينُ على شرفة قلبي، يرتشفُ مرارة الانتظار، وينظرُ نحو أفقٍ لا يأتي منهُ سواكِ. لستِ مجرد امرأةٍ عابرةٍ في تفاصيل يومي ولستِ مجرد وجهٍ مرسومٍ في ذاكرة الأيام؛ أنتِ “الوطن” الذي غادرتهُ قسراً والبيت الذي لا تزال روحي تحاول العودة إليه ،لكنها تضيع في كل مرة في دروب الشوق الوعرة.
أنين الانتماء …
يا زولة.. يا نبضاً يسري في عروقي كأنّهُ القدر كيف أخبركِ أني في غيابكِ لا أشعر بالغربة من الناس بل أشعر بالغربة من ذاتي؟ أنتمي إليكِ بملءِ ضعفي وبكاملِ انكساري كطفلٍ فقد خارطة بيتهِ في ليلةٍ ، أظلُّ أبحثُ عن تفاصيلكِ في وجوه العابرين، في أغاني المساء الحزينة، وفي صمتِ الجدران الذي يحفظُ صدى ضحكاتكِ التي صارت غصةً في حلقي.
كان وطني بين يديكِ، كان أماني حين تضيقُ بي الأرض بما رحبت. كنتِ أنتِ الأرض التي أزرعُ فيها أحلامي، والسموات التي أرفعُ إليها دعواتي والآن.. لا شيء سوى رمادِ ذكرياتٍ يداعبُ جرحي الذي لا يندمل.
وجع العشق الذي لا يهدأ …
ليتني أستطيعُ أن أنزعكِ من قلبي كما تُنزعُ الشوكة من جسدٍ منهك لكنكِ لستِ شوكة.. أنتِ الروح وأنتِ العمر وأنتِ الوجع الذي أتلذذُ بمرارتهِ كل صباح. يا زولة هل تدركين حجم الشجن الذي يسكنُ حنجرتي حين أسمعُ اسمكِ؟ إنهُ ليس مجرد صوت، إنهُ استحضارٌ لروحٍ أرادت أن تحلق فأقعدها القدرُ على مقاعد الانتظار.
أحنُّ إليكِ حنينَ الصحراءِ للمطر، حنينَ النورسِ للبحر حنيني إليكِ أعمقُ من كل الكلمات وأصدقُ من كل الدموع التي ذرفتها في الخفاء. أنتِ الوطن الذي لا حدود له والوطن الذي كلما اقتربتُ منه ازدادَ ابتعاداً خلفَ جدارِ المستحيل.
ترنيمة الوداع المستحيل …
يا وطني الذي لا أنتمي لغيره، يا زولةً تربعت على عرش روحي وأعلنت فيهِ الحداد الأبدي. سأظلُّ أحبكِ بوفاءٍ لا يدركهُ النسيان، سأظلُّ أنتمي إليكِ حتى لو أصبحتُ رماداً يتطايرُ في مهبِّ ذكرياتنا.
أعلمُ أن الأقدارَ قد كتبت سطراً طويلاً من الفراق بيننا، لكنَّ قلبي يرفضُ أن يقرأه، يرفضُ أن يؤمنَ بأن الوطن قد يغلقُ أبوابهُ في وجهِ العاشقين. سأظلُّ في محرابكِ انتظر طيفكِ وأحملُ شجني كقلادةٍ لا تليقُ إلا بامرأةٍ مثلك، امرأةٍ كانت وستظل وطني الذي لا وطن لي سواه.
أقفُ عند حافة النسيان وأتراجع؛ فكيف لي أن أنسى وطناً منحني اسمي وطعماً للروح ومعنى للحياة؟ إنّ كل نبضةٍ في قلبي ما هي إلا صدى لاسمكِ وكلما أغمضتُ عينيّ وجدتني أهرعُ إليكِ في أحلامي، أرتمي في ظلال طيفكِ الباقي، وأبكي كمن يودعُ روحهُ في جسدٍ آخر.
يا زولة.. يا وجعي الأجمل سأظلُّ مسافراً في دروب غيابكِ، أحملُ حقيبةً مليئةً بالخيبات والذكريات، أبحثُ عن أي طريقٍ يعيدني إلى دفءِ ذلك الوطن.
قد نكون افترقنا في الواقع لكنني أسكنكِ وتسكنيني في عالمٍ موازٍي لا يصله الفراق حيث لا يزال قلبي يهمسُ في صمتِ الليل: أنتِ وطني، أنتِ ملاذي، وأنتِ الحبُّ الذي أحياني.. ثم قتلني لكنني بقيتُ عاشقاً للقتلِ على يديكِ حتى آخر نفسٍ في عمري.
binsalihandpartners@gmail.com
