عبد الله علي إبراهيم
(لم تكن الحرب ضربة لازب ولكن ما دامت وقعت فلتكن الشق الذي يأتي منه النور ولننهض كما قال همنغواي من الموضع الذي انكسرنا بالحرب فيه)
ملخص
(لا غرو أن الحرب هي مقبرة السردية الوطنية المنتظر أن تلم شعث الأمة كما وصفناها هنا: سيمفونية رحبة بالأصوات. وخرجت بالحرب سردية مظلومية الهامش والعرق لفرض نفسها سردية للوطن، والمفارقة أنها لم
تخرج من سدنتها التقليديين من مسلحي الهامش وحليفتهم القوى المدنية الديمقراطية، بل على يد “الدعم السريع” التي لم تأل جهداً في حربها لأكثر من عقد خدمة للمركز).
نشر الكاتب الصحافي عبداللطيف البوني أخيراً عدداً من المقالات عن وقائع من أيامه بعد احتلال قوات “الدعم السريع” ولاية الجزيرة، التي تقع قريته “اللعوتة” إلى شمالها، في الـ18 من ديسمبر 2023، وذكر واقعة من وقائع نزوحهم من ويلات “الدعم” اضطرتهم إلى الفرار إلى كمبو زالنجي القريب منهم، وعن إحسان أهله ضيافتهم.
لن تجد في أدبياتنا السياسية ذكراً لمثل ما جاء به البوني من مكارم تقع بين مثل أهل البوني وأهل الكمبو، بل دقت هذه الأدبيات إسفيناً بين هؤلاء الجيران. فلا تذكر مثل أهل البوني، من العرب، وأهل الكمبو، من
الأفارقة، إلا بمصطلح عرقي جعل الجفاء بينهما من المعلوم بالضرورة في سياسات العرق والعنصرية التي تكاثفت في السودان منذ العقد الثامن من القرن الماضي.
كتب البوني أن كمبو زالنجي كان في مرمى انتهاكات “الدعم السريع” قبل قريته “اللعوتة” لقربه من شارع الخرطوم- مدني، فكان أهله كلما هجمت عليهم “الدعم” آووا إلى “اللعوتة”، ولما اقتحمت القوات اللعوتة نفسها في نوفمبر 2024 خرج كل سكان القرية ليتفرقوا على الكنابي والقرى المجاورة. وقضى البوني وأسرته اليوم العاصف في الحواشات الزراعية، ثم نزلوا على زالنجي ليستقبلهم أهلها على مسافة كيلومترين من قريتهم بحفاظات المياه وآنية مليئة بالطعام، بل بـ”الدرداقات” (مفردها درداقة، وهي أيضاً “برويطة” في لهجات عربية أخرى) لحمل العجزة والمرضى، وقال البوني، “بل استقبلونا قبل ذلك بالدموع”، فأوت نساء “اللعوتة” إلى بيوت أهل زالنجي، بينما سكن الرجال مسجدي القرية. وتنازلت أسر زالنجي عن أسرتها لنساء “اللعوتة” وأطفالهن. وما سمع مغتربو زالنجي والدهابة (منقبو الذهب) منهم بنزول “اللعوتة” ضيوفاً على أهلهم حتى حولوا مليارات الجنيهات إلى أهلهم لإكرامهم.
ولما رأى أهل “اللعوتة” بعد ثلاثة أيام من الاستضافة ضخامة عددهم مما ليس بوسع زالنجي احتماله طويلاً قرروا أن يطلب بعضهم المأوى في مواضع أخرى تخفيفاً للكلفة. ولما كلم البوني مضيفته حاجة حواء ذرفت الدمع للفراق ومعها ابنها محمد وبنتها فاطمة. وقال البوني إن أطفالهم تعلقوا بأطفال الكمبو بل لا تزال بنت لهم تحفظ من لغة أطفال مضيفهم (من شعب البرقو المراريت) كلمات تلهج بها.
عاد البوني إلى قريته بعد سفرة للخارج، وكان أول ما فعله هو أخذ بناته اللائي كن معه نازحات وبعض أحفاده لزيارة حاجة حواء. فقضوا ساعات في الأنس بذكريات تلك الأيام منذ استقبلتهم على مسافة كيلومترين من القرية حتى مغادرتهم، وهي تقول “باكر الحصل دا كله حيبقى ذكريات نضحك لها”، وعلق البوني “نعم لقد صار ذكريات، وضحكنا وغسلنا أحزاننا إلا أن الدواخل معتمة”.
وبدا من فشلنا في حكي سردية راشدة عن الكنابي وكأننا في قبضة ما شكا منه الصحافي يوني بلوم في “أتلانتك” الشهرية [يونيو الجاري] في مقاله “كيف قنعت أميركا من تاريخها”، وهي عن حاجة أميركا في يومها إلى سردية للجميع. فاصطرع الناس فيها حتى حول أي تاريخ يبدأ منه سرد تاريخ أميركا. فالسردية التقليدية تبدأ بيوم تحررها من الاستعمار البريطاني في 1766، بينما تبدأ السردية الناقدة لها بـ1669 وهو تاريخ قدوم أول مسترق أفريقي إلى شواطئها.
وتفرقت السردية الأميركية لتاريخها أيادي سبأ، فكانت عقيدة الجيل الأميركي الأول أن بلدهم قام من فوق فكرة، لا نسباً من قبيل أو دين، مما فتح الباب لمواطنة كل من اعتنق هذه الفكرة. وعليه فكعب أخيلها، خلافاً للبلد ذي النسب في دين أو قبيل، يكمن في فشلها بحكاية سردية مقبولة لكل شعبها. فتبنى ليبراليو
منتصف العشرينيات تقليداً انبنى على توقير الديمقراطية والملكية والحريات الفردية. ولكن ما إن دخل الملونون والمرأة في الأكاديمية بأعداد كبيرة في الستينيات حتى بدأوا في رواية سردية من قالوا إن سردية
الليبراليين قد تجاوزتهم. وبالنتيجة رجحت عندهم دراسة الطبقة والعرق والنوع، وذاع القول “أن تعطي صوتاً لمن لا صوت له” بتوثيق ظلامات من سقط من سردية التقليد الليبرالي. ولم يعد هؤلاء الباحثون ممن نسميهم أهل نظرية العرق النقدية يحسنون الظن بأية سردية من غيرهم لأنها مما يخرج من رحم الوطنية الإثنية، أي البيضاء.
وجاء من حفر نظرية العرق النقدية في تاريخ من هم على هامش السردية الليبرالية خير كثير، أنصف كثيراً من جماعات الهامش من فوق نضالها هي نفسها وبالتشريع. ومع تعقبهم التاريخ المستقل لكل جماعة لم يبذلوا إلا جهد المقل في أن يرفأوا هذه التواريخ في سردية محيطة، ولا نعني بالإحاطة أن تكون خليطاً مساوماً، بل أن تحتفظ بتعدد الأصوات فيها نحو معنى للوطن لا للسقم منه.
وكان بالوسع دائماً بناء هذه السردية نحو وطن سوداني متآخ، إلا أن البيئة لم تتوفر لها من جهتين: تكبد السودان نظماً ديكتاتورية أكثر أعوام استقلاله من جهة، وتفاقم نهج التكتيك المسلح في حربها من جهة أخرى. فالديمقراطية وحدها هي بيئة الأصوات المتعددة الراقية رقى السيمفونية. ولم يكن ما رواه البوني عن زمالة القرية والكمبو طارئاً رهيناً بمحنة “الدعم السريع”، كانت هذه الزمالة فيها وترعرعت بالزمن لتتجاوز الأوشاب التي اعتورت باكر خلطتهما وتعايشا بغض النظرز بل كان بالوسع، متى توفرت الديمقراطية، أن تقوم زمالتهما على التقليد السوداني النقابي الرصين. فقد حاولت الحركة اليسارية في أول عهدها مخاطبة قضايا الكمبو في سياق العناية بقطاع العمال الزراعيين ضمن علاقة الإنتاج في مشروع الجزيرة، ولم تنتج الخطة زمالة مبتكرة لأن الديكتاتوريات لم تكن لتأذن بالعمل النقابي أصلاً، أو لم يتشبث أهله به بغض النظر.
ولما تركت العلاقة بين القرية والكمبو خامة لا تدخل عليها يد بالرعاية صارت مادة سياسية للحركات المسلحة لمجرد أنها انتمت لإثنيات مثلما انتمى أهل الكمبو. فاستقلت الحركات بسردية عن الكمبو، فحواها الهامشية والظلامة العرقية كانت تلك مشكلته أو لم تكن. فهي لا تعترف لأهله، في أشراط حياتهم الجديدة، بأن لهم ربما قضايا غير ما تريده لهم الحركات المسلحة. فجعلوهم شركاء لهم في التهميش بينما هم في عمليات مبتكرة مثل الاغتراب مثلهم مثل أهل القرى الذين وفرت لهم دخولهم الخدمات التعليمية والصحية باستقلال عن الدولة مما قد لا يقع للهامش، بل لربما شحنوا هذه السردية بعرقية لا يعرف أحد مدى حاجتهم إليها وهم في مثل هذه الجيرة التاريخية.
لا غرو أن الحرب هي مقبرة السردية الوطنية المنتظر أن تلم شعث الأمة كما وصفناها هنا: سيمفونية رحبة بالأصوات. وخرجت بالحرب سردية مظلومية الهامش والعرق لفرض نفسها سردية للوطن. والمفارقة أنها لم تخرج من سدنتها التقليديين من مسلحي الهامش وحليفتهم القوى المدنية الديمقراطية، بل على يد “الدعم السريع” التي لم تأل جهداً في حربها لأكثر من عقد خدمة للمركز، بل ويدها مضرجة في يومنا بدم الأفريقيين
في مدن الجنينة والفاشر. ولكنها احتاجت إلى السردية في منعطف من مثابرتها الطويلة لفرض نفسها كحقيقة سياسية وعسكرية لا مهرب منها. وبدا أنها كسبت بالاستئثار بها كثيراً، فجاءت إلى الحلف معها “الحركة الشعبية لتحرير السودان” (الحلو) صاحبة براءة اختراع السردية.
لم تكن الحرب ضربة لازب، ولكنها طالما وقعت فلتكن الشق الذي يأتي منه النور، أو السردية الوطنية الجامعة الجزلة، كما يقال، ولننهض كما قال أرنست همنغواي تماماً من الموضع الذي كسرتنا الحرب فيه.
ibrahima@missouri.edu
