محمد صالح محمد
حين أكتبُ إليكِ، لا أكتبُ بحبرٍ من مداد، بل بقطراتٍ من دمٍ استحالَ شوقاً وبأنفاسٍ باتتْ تضيقُ بصدرٍ لا يتسعُ إلا لذكراكِ.
يا زولة.. يا نبضَ الروحِ الذي يسكنُ مساماتي كيف أصفُ حالي وأنتِ لستِ مجردَ عابرةٍ في حياتي، بل أنتِ “أنا” حين تغتربُ بي الأيام.
يا زولة.. أنتِ مزروعةٌ في جواي كأنكِ جذرُ شجرةِ عتيقةٍ في تربةِ قلبي كلما جفتْ سماءُ الحياةِ من حولي، سقيتُ جذوركِ بدمعي، فازددتِ خضرةً في ثنايا الروح، وازددتُ أنا ذبولاً في واقعٍ لا يُشبهكِ.
أنتِ ليستْ مجردَ امرأةٍ عبرتْ، أنتِ “الزولةُ” التي صاغتْ تفاصيلَ روحي من جديد فصارَ كلُّ ما فيّ يحملُ بصمتكِ ويئنُّ على إيقاعِ غيابكِ.
يا من تشرقُ في دمي حين يغيبُ الضياء ألا تشعرينَ بتلكَ الرعشةِ التي تسري في أركانِ الكونِ حين أتذكركِ؟ إنَّ الحنينَ إليكِ ليسَ شعوراً عابراً، إنهُ غُربةٌ في وطني، ووحشةٌ في زحامِ الناس. أبحثُ عن ملامحكِ في وجوهِ العابرين، فلا أجدُ إلا سراباً فأعودُ إلى داخلي، إلى “جواي” حيثُ زرعتُكِ، فأجدكِ هناكَ ثابتةً، شامخةً كأنكِ الروحُ في الجسد لا تغادرينَ ولا ترحلين.
آهٍ من وجعِ المسافاتِ التي تمدُّ بيننا خيوطاً من صمتٍ ثقيل، ومن ليلٍ لا يُؤنسُ وحشتَهُ إلا طيفكِ الذي يراودني في المنامِ وفي يقظتي. أيا “زولةً” استوطنتْ خلاياي، أتدرينَ أنَّ العشقَ في حضرتكِ صارَ عبادةً، وأنَّ الحنينَ صارَ صلاتي التي لا تكتملُ إلا بذكركِ؟
لقد زرعتكِ في جواي، لا لأجني منكِ الثمار، بل لأبقى حياً بوجودكِ في داخلي. فكلما ضاقَ بي العالم، أغمضتُ عينيَّ، ودخلتُ إلى تلكَ الحديقةِ الغنّاءِ التي تسكنينها في أعماقي لأستنشقَ عبيرَ حضوركِ ولأرتوي من نبعِ ذكرياتنا التي لن يطويها النسيان.
يا زولة.. يا قدري الجميل، يا وجعي النبيل، ويا حبي الذي سأظلُّ أحملهُ حتى تذوبَ الروحُ في الروح. ابقي في جواي حيثُ لا يصلكِ سهمُ الفراق، وحيثُ لا تغيبُ شمسُ عشقكِ أبداً.
و يظلُّ اسمكِ وشماً محفوراً في جدارِ قلبي لا تمحوهُ الأيام ولا تطفئُ لهيبَهُ رياحُ الغياب. يا زولة، يا رحلةً لا تنتهي في دروبِ روحي سأظلُّ أحملُكِ في حِلّي وتَرِحالي كقنديلٍ يضيءُ عتمةَ أيامي وكأغنيةٍ شجيةٍ لا تكفُّ عن الترددِ في أذني كلما ناداني الشوق.
إنَّ كلَّ نبضةٍ في فؤادي ما هي إلا نداءٌ باسمكِ، وكلَّ دمعةٍ في عيني هي حنينٌ يرفضُ إلا أن يهمسَ لذكراكِ: “ما زلتِ هنا.. مزروعةً في جواي، تتنفسينَ معي وتعيشينَ فيَّ حتى يجمعنا قدرٌ كانَ يوماً أجملَ أحلامي.
مَزْرُوعَةٌ جُوَّايَ فِي أَعْمَاقِي
مَا هُنْتِ يَوْماً وَلا هَانَ اشْتِيَاقِي
كُلُّ الْمَسَافَاتِ تَحْكِي أَنَّكِ قَدَرِي
يَا قِصَّةَ الْعُمْرِ يَا كُلَّ اتِّفَاقِي
