دكتور الوليد آدم مادبو
﴿وَقَالُوا آمَنَّا بِهِ وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾
سورة سبأ، الآيتان 52–53
ثمة لحظات في تاريخ الأمم لا تسقط فيها الحكومات فقط، ولا تنهزم فيها الجيوش فقط، بل تنهار فيها الأكاذيب الكبرى التي ظل الناس يعيشون داخلها عقوداً طويلة. وما نشهده اليوم في السودان يبدو أقرب إلى واحدة من تلك اللحظات النادرة؛ لحظة ينكشف فيها الفرق بين ما قيل للناس وما أريد لهم أن يصدقوه، وبين ما كان يجري فعلاً خلف ستار الشعارات والأناشيد واللافتات الكبيرة.
فبعد سنوات طويلة من الحديث عن المشروع الحضاري، والدفاع عن العقيدة، وحراسة الوطن، وخوض المعارك المصيرية، يجد السودانيون أنفسهم أمام مشهد يكاد يفوق الخيال سخرية. فالجماعة التي ظلت تطلب من الآخرين التضحية بكل شيء، تكتشف فجأة فضيلة التسوية عندما يصبح المطلوب منها هي أن تدفع الثمن. والجماعة التي بشّرت الناس بالصمود حتى آخر رمق، تبدو اليوم مستعدة لاكتشاف مزايا الواقعية السياسية كلها دفعة واحدة إذا كان المقابل هو الخروج الآمن، وحماية الثروات والممتلكات، وتأمين المستقبل الشخصي لقياداتها.
وهنا يفرض السؤال نفسه بقسوة لا مهرب منها: إذا كان السلام ممكناً اليوم، فلماذا لم يكن ممكناً بالأمس؟ وإذا كانت التسوية الوطنية خياراً مشروعاً الآن، فلماذا لم تكن كذلك قبل أن تتحول الخرطوم إلى مدينة منكوبة، وقبل أن يمتلئ السودان بملايين النازحين واللاجئين والمشردين؟ ما الذي تغيّر بالضبط؟ هل تبدلت المبادئ؟ أم أن الذي تبدل هو موقع الخطر نفسه، إذ انتقل من بيوت السودانيين إلى حسابات أصحاب المشروع الحضاري وممتلكاتهم ومستقبلهم السياسي؟
هذه ليست هزيمة سياسية عادية. إنها لحظة الانكشاف الكبرى. فالذي يسقط هنا ليس تنظيماً فحسب، بل رواية أخلاقية كاملة. لقد أمضت الحركة الإسلامية عقوداً وهي تقدم نفسها باعتبارها حارسة الدين والوطن، فإذا بها في لحظة الامتحان الأخيرة تكشف، من حيث لا تريد، أن الدين كان وسيلة، وأن الوطن كان منصة، وأن السلطة وحدها كانت الغاية الثابتة التي لا تتغير. وما يجري اليوم ليس تفاوضاً على مستقبل السودان بقدر ما هو تفاوض على شروط الخروج من السودان، وعلى الكيفية التي يمكن بها تحويل الهزيمة الوطنية إلى نجاة شخصية.
لكن الخطأ سيكون فادحاً إذا تصورنا أن المأساة تبدأ عند الإخوان المسلمين وتنتهي عندهم. فالإخوان، في تقديري، ليسوا أصل الداء بقدر ما هم مرحلته الأخيرة وأكثر صوره تطرفاً. إنهم التعبير النهائي عن أزمة الدولة المركزية السودانية التي عجزت، منذ الاستقلال، عن التحول إلى دولة وطنية حديثة قادرة على استيعاب تنوعها وإدارة تناقضاتها عبر السياسة والمؤسسات.
صحيح أن هذه الدولة حملت في داخلها اختلالات عميقة: مركزية مفرطة، وتمثيلاً سياسياً غير متوازن، وعجزاً مزمناً عن بناء عقد وطني جامع. لكنها، رغم ذلك، لم تكن في أصلها دولة أيديولوجية مغلقة، ولا مشروعاً فاشياً منظماً. كانت دولة مأزومة، لكنها ظلت تحتفظ، بدرجات متفاوتة، بمساحات من السياسة والمجتمع والحياة العامة. غير أن الإسلاميين حين وصلوا إلى السلطة لم يسعوا إلى معالجة هذه الاختلالات، بل اكتشفوا فيها فرصة تاريخية.
فبدلاً من إصلاح الدولة المركزية، أعادوا تشكيلها لخدمة مشروعهم الخاص. لم يروا في عيوبها مشكلة ينبغي تجاوزها، بل أدوات جاهزة يمكن استخدامها. أخذوا المركزية ووسعوا مداها، وأخذوا ضعف المؤسسات وحولوه إلى تبعية، وأخذوا أجهزة الدولة فأخضعوها لمنطق التمكين والولاء. وما كان مجرد أزمة دولة أصبح، على أيديهم، مشروع هيمنة شامل.
وهكذا لم تجد دولة 56 ضالتها في الإسلاميين بقدر ما وجد الإسلاميون ضالتهم في دولة مأزومة قابلة للاختطاف. أخذوا عيوبها القديمة وضاعفوها، وأخذوا نزعتها المركزية فحولوها إلى احتكار شامل، وأخذوا أدواتها البيروقراطية فصبغوها بصبغة أيديولوجية، حتى انتهى الأمر بولادة نموذج جديد لم تعرفه الدولة السودانية بهذا الشكل من قبل: دولة أمنية مسيّسة بالعقيدة، ترى في المجتمع مادة للتوجيه، وفي الدولة ملكية للتنظيم، وفي السلطة حقاً حصرياً لا يجوز تداوله.
وهكذا لم يكن التحالف بين التنظيم والأجهزة مجرد زواج مصلحة عابر، بل كان التقاءً مثالياً بين حاجتين متكاملتين. التنظيم احتاج إلى دولة تفرض مشروعه، والدولة المختطفة احتاجت إلى عقيدة تبرر سطوتها. وكما يقول المثل العربي القديم: وافق شنٌّ طبقة. وجد كل طرف في الآخر ما كان ينقصه، حتى أصبح من الصعب التمييز بين الدولة والجماعة، وبين السلطة والعقيدة، وبين المصلحة الوطنية ومصلحة التنظيم. ولذلك لم تكن الحرب انحرافاً عن التجربة بقدر ما كانت ذروتها المنطقية الأخيرة.
غير أن هذه القصة لا تكتمل من دون الطرف الثالث الذي ظل حاضراً في خلفية المشهد السوداني لعقود طويلة. فمثلما وجد الإسلاميون ضالتهم في الدولة المختطفة، وجدت دوائر نافذة في مصر ضالتها في هذا الترتيب كله. لم يكن الأمر مؤامرة بالمعنى الرائج للكلمة، لكنه لم يكن أيضاً مجرد مصادفة تاريخية بريئة. لقد التقت مصالح أطراف مختلفة حول تصور واحد للسودان: سودان منضبط أمنياً، محدود السياسة، قليل المفاجآت، تُدار شؤونه من أعلى أكثر مما تُصنع إرادته من أسفل.
ولهذا فإن اللغز الحقيقي ليس لماذا صمت بعض الساسة أو العسكريين أو الإسلاميين السودانيين هذا الصمت الأسطوري أمام التدخلات والاعتداءات المصرية المتتالية، بل كيف نشأت بيئة كاملة جعلت هذا الصمت يبدو طبيعياً. فالجماعة التي تقضي نهارها في الحديث عن السيادة الوطنية تتحول فجأة إلى داعية حكمة وضبط نفس عندما يأتي الخبر من شمال الوادي. والسياسي الذي يرى المؤامرات في كل اتجاه يفقد حساسيته التحليلية بصورة مدهشة عندما يكون الفاعل هو القاهرة.
والحقيقة أن مصر ليست قوة سحرية، كما أن السودان ليس بلداً عاجزاً بطبيعته. فالدول، في نهاية المطاف، تسعى وراء مصالحها كما تفعل كل الدول. أما المشكلة الحقيقية فتبدأ عندما تفقد النخب ثقتها بنفسها، فتغدو مستعدة لمنح الآخرين من الهيبة أكثر مما يملكون، ولانتزاع الثقة من نفسها أكثر مما تستحق.
وربما كان أعظم إنجاز حققته هذه العلاقة النفسية المختلة أنها نجحت في إقناع قطاعات من النخبة السودانية بأن الاعتراض على مصر تهور، وأن الصمت أمامها حكمة، وأن التنازل لها نضج سياسي. وهكذا وجد السودان نفسه، عبر سنوات طويلة، أسير معادلة عبثية: نخبة تخشى مجتمعها في الداخل، وتبحث عن الطمأنينة خارج حدودها في الخارج. وعندما التقت المصلحتان دفع السودان الثمن، مرة بعد مرة، وجيلاً بعد جيل.
واليوم لم تعد نتائج هذه المعادلة شأناً سودانياً خالصاً. فالدولة التي تنهار في السودان لا تحتفظ بشظاياها داخل حدودها. إنها تنثرها في القرن الأفريقي كله. من موجات النزوح واللجوء إلى اقتصاد الحرب وشبكات السلاح، ومن هشاشة الحدود إلى احتمالات التطرف والعنف التي تنمو دائماً في تربة الخراب واليأس. ولهذا فإن الكارثة السودانية لم تعد تهدد وحدة السودان وتماسك شعبه الوجداني فحسب، بل تهدد استقرار الإقليم بأسره، وتضع القرن الأفريقي أمام احتمالات خطيرة لن يدفع ثمنها السودانيون وحدهم.
أما الذين يظنون أنهم يستطيعون اليوم مقايضة الوطن بما تبقى من مصالحهم الشخصية، أو شراء النسيان بتسوية متأخرة، فإنهم يسيئون قراءة التاريخ كما أساؤوا قراءة السودان نفسه. فبعض الأخطاء يمكن إصلاحها، وبعض الهزائم يمكن تجاوزها، لكن هناك لحظات يتحول فيها الفشل إلى ذاكرة عامة، وتتحول فيها المأساة إلى حكم تاريخي لا تكتبه المحاكم ولا تصدره الحكومات.
ألم تر أن بعض الإسلاميين الذين خاصموا العالم كله تقريباً، قد تصرفوا مؤخراً وكأن الصمت على الانتهاكات المصرية لحرمة الجوار السوداني فضيلة سياسية لا يعرفها غيرهم؟
ولذلك فإن اقتلاع دولة الإسلاميين ليس سوى نصف المهمة. أما النصف الآخر فهو تحرير الفكرة السياسية السودانية نفسها من ميراث الدولة المركزية القديمة، ومن وهم الوصاية الخارجية، ومن ذلك الاعتقاد البائس بأن السودان لا يستطيع الوقوف على قدميه إلا إذا استند دائماً إلى كتفٍ غير سودانية.
ذلك هو المعنى الأعمق لهذه اللحظة، وذلك هو معنى الآية الكريمة: «وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ». فحين يصبح الوطن كله هو الثمن المدفوع، لا يعود ممكناً استرداد البراءة القديمة. وحين تنكشف الحقيقة كاملة، لا يعود ممكناً العودة إلى المشهد بالأقنعة نفسها. عندها لا يبقى للمرء إلا أن يخرج من المسرح كما دخل إليه: محمولاً بأفعاله المشينة. أما السودان، فرغم كل شيء، فسيبقى أطول عمراً من الذين ظنوا يوماً أنهم يملكونه وأنهم قادرون على تحديد مصيره.
auwaab@gmail.com
