أبيي بين حق تقرير المصير ومأزق السياسة (5-5)
خمسة عشر عاماً بعد اتفاقية 20 يونيو 2011: إلى أين تتجه أبيي؟
بقلم: لوال كوال لوال
بعد مرور خمسة عشر عاماً على توقيع اتفاقية 20 يونيو 2011 بين حكومة السودان والحركة الشعبية لتحرير السودان، لا تزال منطقة أبيي تقف عند النقطة نفسها التي كانت عليها لحظة توقيع الاتفاق. فقد حملت الاتفاقية في ذلك الوقت أملاً كبيراً بإنهاء واحدة من أكثر القضايا تعقيداً بين الشمال والجنوب، خاصة بعد الأحداث الدامية التي شهدتها المنطقة في مايو 2011 ودخول الجيش السوداني إلى مدينة أبيي وما تبع ذلك من نزوح واسع ودمار كبير. كان الهدف من الاتفاقية واضحاً: وقف التصعيد العسكري، إعادة النازحين، جعل المنطقة منزوعة السلاح، نشر قوات حفظ سلام، تشكيل إدارة انتقالية مشتركة، وتهيئة الظروف السياسية والأمنية لإجراء الاستفتاء الذي يحدد مستقبل المنطقة. لكن بعد عقد ونصف من الزمن، بقي الجزء الأكثر أهمية من الاتفاقية، وهو حق سكان أبيي في تقرير مصيرهم، معلقاً. لقد أثبتت تجربة أبيي أن توقيع الاتفاقيات لا يعني بالضرورة الوصول إلى السلام النهائي. فالسلام الحقيقي لا يقاس بعدد الوثائق الموقعة، بل بقدرة الأطراف على تنفيذ ما وافقت عليه. ومنذ عام 2011 وحتى اليوم، بقيت المنطقة تعيش وضعاً استثنائياً: لا هي أصبحت جزءاً من السودان بصورة نهائية، ولا انضمت إلى جنوب السودان، ولا حصل سكانها على فرصة التعبير عن خيارهم عبر استفتاء رسمي معترف به. وهذا الوضع خلق حالة من عدم اليقين السياسي والاجتماعي أثرت على حياة المواطنين أنفسهم. فالسكان الذين كانوا ينتظرون حلاً نهائياً وجدوا أنفسهم أمام واقع جديد: أجيال نشأت في ظل النزوح، واقتصاد محلي ضعيف، ومؤسسات إدارية غير مستقرة، وقلق دائم من عودة العنف. لقد نصت اتفاقية 20 يونيو على تشكيل إدارة مشتركة بين الطرفين، لكن الخلافات السياسية حالت دون قيام إدارة مستقرة قادرة على إدارة شؤون المنطقة بصورة طبيعية تمهيدا لعقد الاستفتاء. فقد ظل الخلاف قائماً حول طبيعة الإدارة وتقاسم السلطة ومن يملك النفوذ الأكبر داخل مؤسساتها. كما أن قضية التمثيل السياسي ظلت جزءاً من المشكلة. فمنذ بداية الفترة الانتقالية في اتفاقية السلام الشامل، كان الخلاف حول أبيي مرتبطاً دائماً بالسؤال الأكبر: هل تُعامل المنطقة باعتبارها امتداداً تاريخياً لدينكا نقوك وفق ما نص عليه البروتوكول، أم باعتبارها منطقة مشتركة بين مجموعات مختلفة؟ وهنا تكمن إحدى أكبر نقاط الخلاف. فبينما يرى أبناء دينكا نقوك أن الاتفاقيات الدولية حددت هوية المنطقة السياسية والتاريخية، يرى آخرون أن أي حل يجب أن يأخذ في الاعتبار وجود المسيرية وعلاقتهم التاريخية بمسارات الرعي في المنطقة. لكن المشكلة الأساسية أن هذا الخلاف لم تتم معالجته عبر الحوار السياسي المنظم، بل تحول في كثير من الأحيان إلى صراع حول من يملك الحق في تعريف مستقبل المنطقة. وفي عام 2013، عندما نظم أبناء دينكا نقوك استفتاءً شعبياً من جانب واحد وفق مقترح الآلية الرفيع للاتحاد الأفريقي برئاسة الجنوب أفريقي ثامبيو امبيكي الذي اقترحت قيام الاستفتاء في اكتوبر عام 2013 لكن حكومة السودان رفضت ذلك بحجة أن المسيرية لن تكون حاضراً بعد أن عادوا إلى ديارهم في المجلد وضواحيها، كانت تلك الخطوة تعبيراً عن حجم الإحباط الذي وصل إليه سكان المنطقة بعد سنوات من الانتظار. فقد أعلنت اللجنة المنظمة أن النتيجة جاءت بنسبة 99.9% لصالح الانضمام إلى جنوب السودان. ورغم أن ذلك الاستفتاء لم يحظَ باعتراف رسمي من السودان أو المجتمع الدولي، إلا أنه حمل رسالة سياسية واضحة: سكان المنطقة أرادوا إيصال صوتهم بعد أن شعروا بأن الاستفتاء الرسمي الذي وعدت به الاتفاقيات أصبح بعيد المنال. لكن موقف جنوب السودان نفسه ظل حذراً. فرغم التعاطف السياسي مع مطالب دينكا نقوك، فإن حكومة جنوب السودان لم تذهب إلى خطوة الاعتراف الرسمي بالنتيجة، إدراكاً منها لحساسية العلاقة مع السودان، ولأن قضية أبيي ترتبط بملفات أكبر مثل الحدود والنفط والأمن الإقليمي. وهكذا بقيت أبيي بين موقف سوداني يرفض أي خطوة منفردة، وموقف سوداني جنوبي يخشى مواجهة سياسية مفتوحة، ومجتمع دولي يركز بصورة أساسية على منع العنف أكثر من فرض حل نهائي. وهنا تظهر المقارنة مرة أخرى مع قضية الصحراء الغربية. ففي الحالتين نجد أن قضية السكان والهوية الديموغرافية أصبحت في قلب النزاع. ففي الصحراء الغربية استمر الجدل لعقود حول من يحق له التصويت، بينما في أبيي أصبح تعريف الناخب هو العقدة التي عطلت الاستفتاء. وفي الحالتين أيضاً ظهر خطر أن يصبح الزمن أداة سياسية لتغيير الواقع على الأرض. لكن تجربة تيمور الشرقية تظل تقدم درساً مختلفاً. فقد أثبتت أن النزاعات الطويلة يمكن أن تجد طريقها إلى النهاية عندما تتوفر إرادة سياسية دولية حقيقية لتنفيذ الاتفاقات، وليس فقط توقيعها. إن المشكلة في أبيي ليست غياب الحلول، بل غياب الاتفاق على تنفيذ حل موجود أصلاً. فمنذ عام 2005 وحتى اليوم، مرت القضية عبر مراحل متعددة: بروتوكول أبيي في اتفاقية السلام الشامل، تقرير لجنة الخبراء، اتفاقية خارطة الطريق عام 2008، قرار تحكيم لاهاي عام 2009، اتفاقية 20 يونيو 2011، والاستفتاء الشعبي عام 2013. كل هذه المحطات أكدت شيئاً واحداً: أن سكان أبيي ينتظرون حلاً سياسياً نهائياً. واليوم تقف المنطقة أمام ثلاثة خيارات رئيسية: الخيار الأول: تنفيذ الاستفتاء المنصوص عليه في الاتفاقيات. وهذا هو الخيار الذي يرى كثيرون أنه الأكثر انسجاماً مع النصوص القانونية التي وافق عليها الطرفان. الخيار الثاني: استمرار الوضع الحالي. وهو أخطر الخيارات، لأنه يعني بقاء الأزمة مفتوحة واحتمال تجدد الصراع كلما تغيرت الظروف السياسية. إن استمرار تعليق قضية أبيي لا يخدم أي طرف على المدى الطويل. فالسودان لن يحقق استقراراً دائماً إذا بقيت قضية حدودية وسياسية بهذا الحجم دون حل، وجنوب السودان لن يستطيع بناء علاقة مستقرة مع جاره الشمالي بينما تظل أبيي جرحاً مفتوحاً بين البلدين. كما أن سكان المنطقة أنفسهم هم الأكثر دفعاً لثمن هذا الجمود. وبعد خمسة عشر عاماً من اتفاقية 20 يونيو، ربما يكون الدرس الأكبر هو أن العدالة السياسية لا تتحقق بمجرد الاعتراف بحقوق الشعوب، بل بإنشاء آليات حقيقية تمكنها من ممارسة تلك الحقوق. لقد أثبت التاريخ أن القضايا المؤجلة لا تختفي، بل تنتقل من جيل إلى آخر. فتيمور الشرقية وصلت إلى نهايتها بعد سنوات طويلة من الانتظار، والصحراء الغربية ما زالت تبحث عن طريقها، وأبيي تقف بين التجربتين، تحمل تاريخاً من الاتفاقيات والوعود والانتظار. ويبقى السؤال الذي سيحدد مستقبل المنطقة: هل ستكون أبيي مثالاً جديداً على نجاح حق تقرير المصير، أم ستظل نموذجاً آخر لقضية أُديرت طويلاً حتى أصبح التأجيل هو الحل الوحيد؟
lualdengchol72@gmail.com
