“محاربة طواحين الهواء” تعبير مجازي يرجع أصله إلى رواية دون كيخوته، حيث تخيل بطل الرواية أن طواحين الهواء عمالقة أشرار، فهاجمها برمحه، فانتهى به الأمر إلى السقوط والهزيمة. وأصبح هذا التعبير يُستخدم لوصف الانشغال بمعارك وهمية أو ثانوية، بينما تُترك المشكلات الحقيقية دون مواجهة.
أستعير هذا التعبير لوصف جانب مهم من التجربة السياسية السودانية؛ فمنذ الاستقلال ظلت القوى السياسية، في تقديري، منشغلة بصراعات أيديولوجية وشعارات كبرى، بينما أهملت معالجة الأسس التي تقوم عليها الدولة الحديثة. وكانت النتيجة ما نشهده اليوم من فساد، وحرب مدمرة، وتشريد للملايين، وتآكل للسيادة الوطنية، وتدمير واسع للبنية التحتية، واستباحة لمقدرات البلاد.
عندما نال السودان استقلاله، ورثت النخبة الوطنية مؤسسات الدولة من الإدارة البريطانية، لكنها لم تُحدث إصلاحًا عميقًا في التعليم والإعلام والسياسات الثقافية بما يؤهل البلاد لبناء دولة ديمقراطية تستوعب التعدد القبلي والثقافي واللغوي. وكان الأولى أن تُغرس قيم المواطنة والتسامح والتعايش السلمي، وأن يُبنى التعليم على التفكير النقدي لا على التلقين.
ومن أبرز أوجه القصور، في رأيي، غياب التمييز بين دراسة التاريخ بمنهج علمي يعتمد على الآثار والنقوش والوثائق، وبين التعامل مع الروايات التاريخية والدينية باعتبارها حقائق تاريخية نهائية. فمن المعروف أن السيرة النبوية والحديث دُوِّنا بعد وفاة النبي ﷺ بقرنين أو أكثر اعتمادًا على الرواية الشفهية، وهو ما يقتضي التمييز بين الإيمان الديني، الذي له مكانته، وبين البحث التاريخي الذي يخضع لمناهج النقد والتحقيق. وأدى غياب هذا التمييز إلى إضعاف التفكير النقدي، وهي مشكلة لم تقتصر على السودان، بل شملت أجزاء واسعة من العالم الإسلامي، وأسهمت في توفير بيئة ملائمة لصعود تيارات الإسلام السياسي.
ومع ذلك، استطاعت دول عربية أخرى الحد من نفوذ هذه التيارات بدرجات متفاوتة، بفضل استقرار مؤسسات الدولة، سواء في الملكيات الخليجية أو في بعض الجمهوريات التي حافظت جيوشها، رغم كل الملاحظات عليها، على قدر من الاستقرار والتنمية.
أما في السودان، فقد شكّلت المصالحة الوطنية في عهد الرئيس جعفر نميري نقطة تحول مهمة. فمن خلالها توسع نفوذ الحركة الإسلامية داخل مؤسسات الدولة، وسُمح بإنشاء بنوك إسلامية معفاة من الضرائب، كما تعزز وجودها داخل القوات المسلحة. وأرى أن هذه السياسات أضعفت مناعة الدولة، ومهدت الطريق لانقلاب الإنقاذ عام 1989، الذي مكّن الإسلاميين من السيطرة على السلطة لأكثر من ثلاثة عقود.
وبعد هذه السنوات الطويلة من التمكين، أصبح إخراج الإسلام السياسي من مفاصل الدولة مهمة شديدة التعقيد، لأن نفوذه لم يعد سياسيًا فقط، بل أصبح متداخلًا مع مؤسسات الدولة والاقتصاد والمجتمع. ولذلك فإن المواجهة لا يمكن أن تكون بالشعارات وحدها، وإنما بإعادة بناء مؤسسات الدولة، وإصلاح التعليم، وتعزيز ثقافة المواطنة، وتوحيد القوى الراغبة في إنهاء هذا المشروع.
غير أن الأحزاب الوطنية السودانية، في تقديري، ما زالت تتعامل مع هذا التحدي بدرجة من الحياد أو التردد. فهي تنتقد الإسلام السياسي، لكنها لم تنجح في بناء جبهة وطنية واسعة لمواجهته، بسبب استمرار الانقسامات الطائفية والأيديولوجية، وتمسك كل طرف بمواقفه الكاملة.
ومن هذا المنطلق، أرى أن الأولوية الوطنية اليوم ينبغي أن تكون لتوحيد الجهود العسكرية والمدنية المناهضة للإسلام السياسي، بما في ذلك الانفتاح على التحالفات المعلنة، مثل التحالف مع قوات تأسيس، إذا كان ذلك يسهم في إنهاء هيمنة الحركة الإسلامية ويفضي إلى إعادة بناء الدولة على أسس جديدة. وقد يتطلب هذا المسار تقديم تنازلات سياسية متبادلة، لأن التمسك بالمواقف الأيديولوجية أو الجهوية الصارمة قد يفضي إلى إطالة أمد الحرب، بينما يظل المستفيد الأكبر هو القوى الأكثر تنظيمًا وقدرة على استثمار الانقسام.
وهنا يبرز مفهوم “التقدم قبل النقاء” (Progress over Purity). فالمراحل التاريخية الحرجة لا تُدار بالبحث عن تحالفات مثالية، وإنما ببناء أوسع جبهة ممكنة حول الهدف الأكثر إلحاحًا. وليس المطلوب أن تتفق جميع القوى على كل القضايا، وإنما أن تتفق على إنقاذ الدولة ومنع عودة المشروع الذي أوصل السودان إلى هذا الدمار.
إن أخطر ما يواجه السودان اليوم ليس استمرار الحرب وحدها، بل استمرار الانقسام بين القوى التي تعلن معارضتها للإسلام السياسي. فإذا كانت الغاية هي استعادة الدولة وبناء نظام ديمقراطي مستقر، فإن ذلك يقتضي تقديم المصلحة الوطنية على الحسابات الحزبية والأيديولوجية الضيقة.
أما الاستمرار في الانشغال بالخلافات الثانوية، ورفض أي تعاون بسبب اختلافات فكرية أو سياسية، فقد لا يكون سوى شكل آخر من محاربة طواحين الهواء؛ معارك تستنزف الجهد والوقت، بينما يظل الخطر الحقيقي قائمًا ويتمدد.
طلعت محمد الطيب
talaat1706@gmail.com
