كتب الأستاذ الجامعي د.محمد عبد الحميد
في الوقت الذي كان فيه مركز أوباما الرئاسي الضخم في شيكاغو — والذي بلغت تكلفة إنشائه نحو 850 مليون دولار — يفتح أبوابه أمام الجمهور، كانت ماليا أوباما، ابنة الرئيس الأمريكي السابق، تحضر مثلها مثل سائر المدعوين. لم تتقدم إلى أي موقع قيادي أو إداري في المؤسسة التي تحمل اسم والدها، رغم أن ذلك كان متاحاً لها بسهولة. لم تتعامل مع اسم العائلة باعتباره استحقاقاً يفتح أمامها أبواب النفوذ والوجاهة. اختارت طريقاً آخر أكثر صعوبة وأقل ضماناً. اختارت أن تدخل عالم السينما والإخراج من بوابة المنافسة المهنية الحقيقية، وأن تقدم نفسها باسم فني مختصر هو “ماليا آن”، تاركة لأعمالها أن تتحدث عنها قبل أن يتحدث الناس عن نسبها.
وهنا يبرز سؤال يستحق التأمل العميق في مجتمعنا.. هل اسم العائلة رافعة تساعد صاحبها على الانطلاق، أم كرسي متحرك يجعله عاجزاً عن السير وحده؟
لا أحد ينكر أن اسم الأسرة قد يكون رأسمالاً اجتماعياً مهماً. فهو يفتح الأبواب المغلقة، ويمنح صاحبه فرصة الوصول إلى دوائر النفوذ بسرعة أكبر. لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول الاسم من فرصة إلى بديل عن الكفاءة، ومن وسيلة إلى غاية، ومن رصيد أولي إلى مصدر وحيد للمشروعية.
والمثير للاهتمام أننا ما زلنا نرى أشخاصاً ينتقلون من مقاعد الأسرة إلى مقاعد القيادة كما لو أن المناصب جزء من الميراث العائلي. يتحدثون بثقة عن قضايا عامة لم يختبروها، ويجلسون في مواقع التأثير قبل أن يقدموا ما يثبت أهليتهم لها، وكأن التاريخ الذي صنعه الآباء يمكن أن يعفي الأبناء من مشقة البناء الذاتي.
لكن الأكثر إيلاماً ليس مجرد صعود غير المؤهلين باسم العائلة، ولكن صعودهم عبر نظام لا يطلب منهم سوى الاسم نفسه.
يمكن ملاحظة انه وفي العقدين الأخيرين، دخل قصر الرئاسة في السودان إثنين من أبناء أسر عريقة معروفة. عائلات لم تستثمر في أبنائها كنخبة سياسية مدربة على دهاليز العمل السلطوي، ولم تمنحهم تكويناً إدارياً أو معرفياً عميقاً. لم تُعدّهم للسياسة كحرفة تحتاج إلى تعلم، فقد تعاملت مع الاسم وكأنه شهادة كفاءة دائمة الصلاحية، وكأن الحكمة تسري في الدم، وكأن القيادة تورث كما تورث الأراضي والعقارات.
وهنا تبرز المفارقة الأكثر قسوة… النظام السلطوي الذي كان يحكم البلد لا يرى في هؤلاء الأبناء كفاءات يحتاجها، بقدر ما ينظر لهم كوجوه يريد توظيفها. وجوه تحمل أسماء تاريخية تمنحه شرعية رمزية، وتضفي على سلطانه هالة من الاستمرارية والقبول. إنها صفقة ضمنية… النظام يمنحهم المناصب، وهم يمنحونه غطاءً اجتماعياً.
وفيما يبدو أن دوافع أبناء هذه العائلات هي سيكولوجية وطبقية في المقام الأول. إنهم لا يشتهون السلطة بقدر ما يرهبون فكرة الخروج من دائرة النفوذ. يخشون أن يصبح الاسم العريق مجرد ذكرى، وأن تتحول العائلة إلى صفحة في كتاب التاريخ بينما يعيش غيرهم في صدر المشهد.
لهذا، هم لا يعافون الأنظمة السلطوية في جوهرها، بقدر ما يعافون البقاء خارج مراكز القرار. لا يمانعون أن يكون الحكم ديكتاتورياً، طالما أنه يبقيهم في الصورة. لا يزعجهم الاستبداد، بقدر ما يزعجهم الجلوس على الهامش. المأساة أنهم يصبحون، دون أن يشعروا، أداة في آلة الاستبداد، وليسوا حكاماً حقيقيين. وهنا تكمن المقارنة الصامتة مع ماليا أوباما.
فماليا لم تتصرف باعتبارها وريثة لمجد سياسي يمكن تحويله إلى وظيفة أو منصب أو نفوذ دائم. حيث كان بإمكانها أن تجد مكاناً مريحاً في المؤسسة التي تحمل اسم والدها، وأن تستفيد من شبكة العلاقات الواسعة، وأن تضمن لنفسها حضوراً دائماً في المجال العام.
لكنها اختارت الطريق الأصعب.. طريق الاختبار الشخصي. اختارت أن تُقاس بما تنجزه لا بما ترثه. اختارت أن تخاطر بالفشل في عالم السينما، حيث لا يكفي الاسم لصنع فيلم ناجح، حيث الجمهور والنقاد لا يسألون عن النسب والحسب. وهنا يجب التوقف عند نقطة في غاية الأهمية لصالح التحليل، فهي لم تهرب من ظل والدها فقط، ولكنها ببساطة اختبرت مدى قدرة مؤسسات بلدها على احتضانها كمبدعة لا كابنة رئيس سابق.
وهذا هو الفارق الجوهري بين النموذجين… في المجتمع الأمريكي، الاسم يمنح فرصة أولى، لكنه لا يعفي صاحبه من الاختبار. والمؤسسات القوية تسمح لمن يرغب بأن يبدأ من الصفر. أما في مجتمعنا، الاسم غالباً ما يكون الوجهة النهائية. لا أحد يسأل عن القدرة، ولكن عن موقع الأسرة و الانتماء. فالنظام السلطوي يحتاج إلى وجوه لا إلى كفاءات. الإرث العائلي ليس عيباً، كما أن الانتماء إلى أسرة ذات تاريخ ليس جريمة. العيب يبدأ عندما يتحول الإرث إلى بديل عن الجهد، وعندما يصبح الاسم شهادة كفاءة دائمة الصلاحية، وعندما يعتقد صاحبه أن التاريخ الذي صنعه الآخرون يمكن أن يعفيه من كتابة تاريخه الخاص.
والأخطر من ذلك.. عندما يصبح الاسم أداة تواطؤ مع نظام لا يحترم الكفاءة، ولا يطلب من أبنائه سوى الولاء والصمت.
فالناس قد يحترمون الاسم لبعض الوقت، وقد يفتحون له الأبواب في البداية. غير أن البقاء خلف تلك الأبواب يحتاج إلى شيء آخر تماماً، يحتاج إلى كفاءة، إلى معرفة، إلى قدرة حقيقية على الإنجاز.
فالاسم العائلي، في أفضل الأحوال، رافعة مؤقتة. أما الكفاءة فهي وحدها التي تمنح الإنسان القدرة على الوقوف عندما تُسحب الرافعة من تحته.
لكن المشكلة الحقيقية في مجتمعنا ليست فيمن يختار الكرسي المتحرك، بقدر ما هي في من يصنع الكرسي المتحرك ويجعله الخيار الوحيد المتاح. النظام الذي لا يخلق بدائل، والذي يرضى بأن يكون الاسم هو المؤهل الأول والأخير، هو النظام الذي يضمن استمرار العجز، ويجعل من أبناء العائلات رهائن فخمين، لا حكاماً حقيقيين.
وفي النهاية، يبقى سؤال ماليا أوباما الصامت هو الأقسى على أبناء العائلات في مجتمعنا.. ماذا سيبقى منكم لو حُذفت أسماء آبائكم من بطاقات التعريف؟
هل سيعرفكم الناس بأعمالكم، أم سيضطرون للعودة إلى شجرة النسب ليكتشفوا من تكونون؟
د. محمد عبد الحميد
prof.mohamed.ahameed@gmail.com
