منصات حرة
جميل جدًا أن يكون هناك يوم عالمي للنوبيين يستذكرون فيه التاريخ، ويستعرضون خلاله الثقافة النوبية بكل ضروبها من عادات وتقاليد راسخة، وهوية نوبية، وموسيقى وغناء وشعر ودراما، مع الدعوات المستمرة لتوحيد الكلمة شمالًا من أسوان وحتى دنقلا جنوبًا، نعم، لقد كان لأصحاب الفكرة من لدن الراحل المقيم محمد سليمان ولياب نظرة إستراتيجية نجني ثمارها اليوم.
وتزامنًا مع الاحتفاء بالمناسبة في وادي حلفا خلال هذا الأسبوع، شهدنا حدثين مهمين يصلحان لبناء مبادرة تضع خارطة طريق نوبية لعدة سنوات مقبلة، ولتصبح واقعًا معاشًا لا نحتاج فيه سوى لتلك النظرة الحكيمة، والبذل والعطاء والتجرد؛ لنفتح آفاقًا جديدة لمستقبل المنطقة النوبية في المجالات كافة (الثقافية، والاقتصادية، والتنموية، والاجتماعية، والرياضية.. إلخ)؛ وخاصة في ظل الوضع الراهن الذي تتسيده التكتلات القبلية والجهوية والإقليمية وكذلك المسلحة، فواقع اليوم يفرض علينا الوحدة ولا خيار سواها أمامنا، وإلا سيقول لسان حالنا: “أُكلنا يوم أُكل الثور الأبيض”.
الحدث الأول المهم- ولي الشرف بأن أكون صاحب الفكرة والبذرة لهذا الطرح منذ حياة الراحل المقيم- وهو وضع حجر الأساس لمركز مكي علي إدريس “الثقافي” شمال قرية عبري، والذي يتوافق مع الذكرى الأولى لرحيل الهرم النوبي الأديب مكي على إدريس – طيب الله ثراه – ليكون بذلك فرصة جديدة للوحدة النوبية، وصرحًا يستكمل مسيرة الراحل المقيم في التوثيق والبحوث والدراسات النوبية، وتجمعًا لكل المبدعين النوبيين، ومكانًا للتخطيط والتنفيذ وإخراج الأعمال الفنية، وكذلك تعلم اللغة النوبية، والتدرب على كل الفنون من نحت، ورسم، وموسيقى، وشعر، وغناء، وكتابة، وعزف، وغيرها من ضروب الثقافة التي تحتاج فعليًّا إلى مركز يحمل هذه المواصفات ويدار بأيدي أشخاص لهم إمكانات وقدرات عالية، وبذلك تصبح المنطقة مكتفية ذاتيًا من هذا الجانب.
وأمام اللجنة التسييرية القائمة على أمر المركز حاليًا، نقول: شكرًا لجهودكم، وإن هذا العمل يكتمل بتشكيل لجنة عليا (تضع الدستور والتشريعات التي تحكم عمل المركز)، وتصطحب معها أندية وكيانات المنطقة النوبية في وادي حلفا والسكوت والمحس ودنقلا، وكذلك الجانب المصري. كما أبعث برسالة إلى الكيانات النوبية كافة دون فرز، للمساهمة في بناء هذا المركز بالرأي والدعم المعنوي والمادي، ورسالتي التالية إلى كل الناشطين النوبيين على امتداد المنطقة النوبية وأخص جميع المغتربين، ليدعموا الفكرة وليشهدوا مولدها، ورسالة مهمة في بريد المطربين النوبيين والشعراء، أن هلموا لدعم قيام مركزكم الثقافي، فأنتم أولى الشرائح بتشجيع قيام المركز، ورسالة أخيرة في بريد كل النوبيين من أسوان شمالًا حتى دنقلا جنوبًا، وأنا على ثقة بأن النوبيين يملكون القدرات الكافية لبناء مثل هذا الصرح غير الربحي، فهم دون شك رواد العمل التكافلي والتعاوني داخل وخارج السودان ومصر.
والحدث الاستثنائي الثاني هو تأسيس الهيئة القيادية لقرية عبري، والذي تُوج بانتخاب مجلس أربعيني يمثل الفئات كافة، ويهدف إلى أن يكون الوعاء الجامع الذي يمثل عبري في جميع المحافل الشعبية والرسمية، والتصدي للقضايا الخدمية والمطلبية، وطرح الأفكار والرؤى من أجل التعمير والتطوير، وهي تجربة تستحق التعميم في القرى النوبية كافة، ويمكنها أن تكون نواة جديدة تمهد لتكوين (الهيئة القيادية العليا للنوبيين)، بعد تكوين وتمثيل جميع الهيئات في القرى كافة، لتكون واجهة تمثل النوبيين وتوحد الكلمة وتتصدى للقضايا العامة، بجانب كونها السند الذي يحمي ويصون الأرض والإنسان والمكتسبات التاريخية للمنطقة النوبية.
ومن هنا، أناشد جميع الغيورين على الأرض النوبية بأن يدرسوا هذه التجربة، ويترجموها على أرض الواقع؛ فالتجربة ببساطتها وسهولة تنفيذها، يمكنها أن تكون المخرج والمنقذ الوحيد مما تعيشه المنطقة من تعدد كيانات غير فاعلة، وأشخاص يعملون في جزر معزولة، وأحلام وتطلعات وأهداف في الفضاء العام تحتاج إلى مثل هذه الهيئة لتترجمها واقعًا ملموسًا.
حبًا وودًا
manasathuraa@gmail.com
