الكاتب مايكل سبنس وإشارات السوق:
عندما تصبح المعلومة رأس مال خفي
منبر نور – مقالات من بطون كتب نوبل إلى نبض الواقع
تمهيد
في رحلتنا مع الأفكار التي استحقت جائزة نوبل في الاقتصاد،
لا نبحث عن النظريات المجردة،
وإنما عن الأفكار التي غيرت طريقة عمل الأسواق
وأثرت في حياة الناس والدول.
وقد تناولنا في الحلقات السابقة اقتصاد المعلومات من زاوية عدم تكافؤ المعلومات عند جوزيف ستيغليتز، لكن هذا الموضوع لم يكتمل إلا بإسهام عالم آخر تقاسم معه جائزة نوبل عام 2001،
وهو الاقتصادي الأمريكي Michael Spence.
لقد طرح سبنس سؤالًا بسيطًا في ظاهره، عميقًا في أثره:
كيف يستطيع الإنسان أو المؤسسة أن يثبت جودته عندما لا يستطيع الطرف الآخر معرفة الحقيقة؟
السوق لا يرى كل شيء
عندما يتقدم شاب إلى وظيفة، فإن صاحب العمل لا يعرف حقيقة قدراته.
وعندما يشتري مستثمر أسهم شركة،
فإنه لا يعرف كل ما تعرفه إدارة الشركة.
وعندما يتقدم مصنع بعطاء لمشروع كبير، فإن الجهة المالكة لا تعرف بالضرورة مستوى كفاءته.
إذن، كيف تُبنى الثقة؟
وهنا قدم سبنس مفهومًا أصبح من أهم مفاهيم الاقتصاد الحديث:
الإشارة (Signaling).
العالم الذي غيّر فهمنا لسوق العمل
نال مايكل سبنس جائزة نوبل في الاقتصاد عام 2001 مع جوزيف ستيغليتز وجورج أكيرلوف عن تأسيس اقتصاد المعلومات.
وكانت مساهمته الرئيسة في تفسير كيفية استخدام “الإشارات” لتقليل عدم اليقين في الأسواق.
الفكرة من بطون العلم
يرى سبنس أن الأسواق لا تعمل فقط عبر الأسعار.
بل تعمل أيضًا عبر الرسائل غير المباشرة.
فالشهادة الجامعية، على سبيل المثال، لا تمنح المعرفة فقط،
بل ترسل إشارة إلى أصحاب العمل بأن حاملها يمتلك قدرًا من الجدية والانضباط والقدرة على التعلم.
وكذلك السمعة التجارية،
وشهادات الجودة، والالتزام بالعقود،
كلها إشارات تقلل من حالة الغموض التي تعاني منها الأسواق.
من سوق العمل إلى الاقتصاد العالمي
لم تعد فكرة الإشارات مقتصرة على التوظيف.
بل أصبحت عنصرًا أساسيًا في:
أسواق المال.
التجارة الدولية.
التصنيف الائتماني.
التصنيف السيادي للدول.
الحوكمة والشفافية.
تقييم الشركات الناشئة.
فالاقتصاد الحديث لا يتعامل مع السلع فقط، وإنما يتعامل مع المعلومات والثقة.
السودان… والاقتصاد
الذي يحتاج إلى الثقة
إذا أراد السودان جذب الاستثمارات، فإن الموارد الطبيعية وحدها لا تكفي.
فالاستثمار يبحث أيضًا عن إشارات إيجابية، مثل:
استقرار السياسات الاقتصادية.
شفافية البيانات.
استقلال القضاء.
احترام العقود.
كفاءة المؤسسات.
سهولة ممارسة الأعمال.فهذه كلها إشارات تبني الثقة قبل أن يتحرك رأس المال.
القراءة الاستشارية،
تمثل هذه النظرية ركيزة مهمة في إعداد دراسات الجدوى وتقييم المشروعات.
فالمشروع لا يُقيَّم بعوائده المالية فقط،
وإنما أيضًا بالإشارات التي يبعثها إلى المستثمرين والممولين والشركاء.
وقد تكون المؤسسة متوسطة الحجم، لكنها تمتلك سمعة عالية وشفافية في الإفصاح، فتكون أكثر قدرة على جذب التمويل من مؤسسة أكبر تفتقد الثقة.
قراءة نقدية
لا تكفي الإشارات وحدها إذا كانت زائفة أو مضللة.
ولهذا فإن الأسواق تحتاج إلى:
قوانين للإفصاح.
مراجعة مستقلة.
رقابة فعالة.
عقوبات على التضليل.
فالإشارة الصادقة تبني السوق
، أما الإشارة الكاذبة فتهدم الثقة.
ا
لخاتمة
لقد علمنا مايكل سبنس أن الاقتصاد لا يقوم على المال وحده،
بل على الثقة التي تسبق المال.
وأن الأسواق لا تزدهر فقط عندما تتوافر السلع،
بل عندما تتوافر المعلومات الصحيحة والإشارات الصادقة.
ولهذا، فإن بناء اقتصاد قوي يبدأ ببناء سمعة قوية،
ومؤسسات موثوقة، وبيئة شفافة تجعل الحقيقة أسهل وصولًا من الوهم.
المراجع الأساسية
Michael Spence, Market Signaling: Informational Transfer in Hiring and Related Screening Processes.
Nobel Prize Lectures, Economic Sciences 2001.
Joseph Stiglitz, Economics of Information.
George Akerlof, The Market for Lemons.
Journal of Economic Perspectives – Information Economics.
عبد العظيم الريح مدثر
اقتصادي متقاعد من
المصرف العربي للتنميه الاقتصاديه في افريقيا
مؤسس منبر نور البحثي
sanhooryazeem@hotmail.com
