بقلم : تاج السر عثمان
١
جاء انقلاب ٣٠ يونيو تتويجا للتخريب الكبير الذي قادته الجبهة القومية الإسلامية لفترة الديمقراطية الثالثة ( 1985 _ 1989 م )’ فما هو حصاد وسمات تلك الفترة؟.
تميزت هذه الفترة بالسمات الآتية :
أ _ انعقاد المؤتمر الاقتصادي في عام 1986 م والذي خرج بتوصيات تتلخص في : _ إعادة تعمير وتأهيل المؤسسات والمشاريع الإنتاجية والخدمية في القطاعين العام والخاص واعادة تعمير المناطق التي تأثرت بالجفاف والمجاعة .
_ إصلاح النظام المصرفي وتصفية النشاط الطفيلي.
_ إشاعة الديمقراطية واشراك العاملين فى المؤسسات الإنتاجية .
_ تحسين أجور ومرتبات العاملين والمنتجين على ان يرتبط ذلك بزيادة الإنتاجية وتوفير مدخلات الإنتاج بالنسبة لمؤسسات القطاع العام والخاص الإنتاجية .
_ إصلاح وتحسين خدمات التعليم والصحة.
_ لجم وسائل التضخم وتخفيض أسعار السلع الرئيسية واصلاح قنوات التوزيع .
_ وضع خطة اقتصادية لتنفيذ برنامج الإصلاح الاقتصادي تخضع جميع السياسات الاقتصادية والمالية بهدف الاستغلال الكامل للطاقات الإنتاجية المتاحة واصلاح مسار الاقتصاد السوداني .
ب_ استمرت مظاهر الأزمة الاقتصادية والتي تتلخص فى الآتي :
_ ركود الإنتاج السلعي ( زراعة _ صناعة ) وتضخم قطاع خدمات المال والتجارة ، أي ان وزن الطبقات الطفيلية الإسلامية والمايوية كان مؤثرا في النشاط الاقتصادي الشيء الذي عرقل محاولة أي إصلاح وبالتالي انعكس ذلك على النشاط السياسي واخهاض الانتفاضة وتقويض الديمقراطية .
_ استفحال المديونية الخارجية التي بلغت 14 مليار دولار .
_ عجز مقيم في الموازنة الداخلية وميزان المدفوعات.
_ تزايد معدلات التضخم إذ بلغ اكثر من 45 % .
_ تدهور متواصل في سعر صرف الجنية السوداني .
_ تزايد معدلات استهلاك الفئات الطفيلية، وارتفاع معدلات الاستيراد وانكماش الصادرات وتزايد المنصرفات.
واستمرت حكومات ما بعد الانتفاضة في السياسة التقليدية التي تسببت في الأزمة الاقتصادية مثل: تقليص دور الدولة، إلغاء الضوابط على حركة المبالغ والسلع والتخلص غير المدروس والتدريجي من القطاع العام خاصة في مجال البنوك والتأمين والتجارة.
_ التشجيع المفرط للقطاع الخاص المحلى والمختلط والأجنبي دون اعتبار للأولويات والسيادة الوطنية وذلك بالإعفاءات والتغاضى عن التهرب الضريبي .
_ إطلاق العنان لقوى السوق بافتراض أن ذلك يساوى بين الأسعار وتكلفة الإنتاج ويقربها من مستويات الأسعار العالمية مما ادخل البلاد في حلقة تعديلات سعر الصرف دون تحقيق الأهداف المطلوبة.
ط _ التوجه الخارجي للاقتصاد السوداني والاعتماد شبه الكامل على العون الخارجي ، فعلى سبيل المثال في الفترة ( 1986 _ 1989 م ) تم تحقيق تمويل تنموي ( عن طريق العون الخارجي والاستجداء ) بلغ مجموعه 7 مليار دولار لتمويل التنمية والبترول والسلع التموينية والاستهلاكية ومعدات عسكرية كان تفاصيلها كالآتي : 3 مليار دولار للتمويل التنموي ، مليار دولار لسد العجز في كل سنة بعضه بترول وبعضه دعم سلعي ، 3 مليار دولار للمعدات العسكرية . ( الصادق المهدى : تحديات التسعينيات ، شركة النيل للطباعة والنشر 1990 م )
٢
تفاقم حرب الجنوب التي كانت تكلف 3 ملايين من الجنيهات يوميا ، إضافة للخسائر في الأرواح والمعدات والمجاعات وتوقف عجلة التنمية فى الجنوب ، وبذلت محاولات كثيرة من قيادات الأحزاب والتجمع والنقابات والشخصيات الوطنية في مبادرات وندوات ، حتى كللت هذه المحاولات بتوقيع اتفاقية الميرغنى _ قر نق التي أجهضها انقلاب 30 يونيو 1989 م .
٣
ظلت مصادر الخطر على الديمقراطية موجودة ، والتي تتلخص في الآتي :
_ التخلي عن شعارات الانتفاضة بعدم تصفية آثار مايو .
_ الإبقاء على القوانين المقيدة للحريات ( قوانين سبتمبر 1983 م ، قوانين النقابات وغيرها من القوانين ) .
_ عدم الجدية منذ بداية الانتفاضة في الحل السلمي لمشكلة الجنوب.
_ مغازلة الحزبين الكبيرين ( الأمة والاتحادي الديمقراطي ) لسدنة النظام المباد وعلى رأسهم الجبهة القومية الإسلامية.
_ القانون الهزيل للانتخابات الذي حرم القوى الحديثة من التمثيل .
هذا إضافة لتدهور أحوال العاملين والموظفين والمهنيين المعيشية وعدم تجاوب الحكومة مع مطالبهم مما أدى لتواتر ظاهرة الإضرابات ، هذا إضافة للانفلات والفوضى في الصحف والإعلام واتى لعيت فيها الجبهة القومية الإسلامية دورا كبيرا .
٤
كما صدر في هذه الفترة الدستور الانتقالي ، وقانون الصحافة والمطبوعات ، وقانون الجامعة ، وقامت انتخابات 1986 م بقانون انتخابي لم تشترك في إعداده كل القوى السياسية ، وتكونت حكومة ائتلافية بين الأمة والاتحادي الديمقراطي والأحزاب الجنوبية ولم تستمر طويلا .. وفشلت في حل قضايا الاقتصاد والجنوب وترسيخ الديمقراطية .. وتم تكوين حكومة ائتلافية أخري في مايو 1988 م من حزب الأمة والاتحادي الديمقراطي والجبهة القومية الإسلامية ، إلا أن تلك الحكومة أيضا فشلت في مشاكل البلاد الاقتصادية والسياسية ومشكلة الجنوب .
٥
وفى ديسمبر 1988 م حدث الإضراب السياسي العام ضد زيادة الأسعار ، وبعد الإضراب ومذكرة القوات المسلحة في فبراير 1989 م والتي أشاعت جوا انقلابيا تم تكوين حكومة واسعة التمثيل ، وبعد تكوين الحكومة الموسعة ونجاح مبادرة الميرغنى _ قر نق لحل مشكلة الجنوب انعزلت الجبهة الإسلامية التي كانت تسعى للحل العسكري .
وبعد تكوين الحكومة الموسعة كانت مواكب الجبهة الإسلامية تجوب الشوارع من اجل حكم الشريعة ، وقبل ذلك كانت مواكب أمان السودان وتحت ستار دعم القوات المسلحة ، وكان د . حسن الترابي في لقاءاته الجماهيرية بدعو علنا لقلب نظام الحكم ، وتواترت البلاغات لقيادات الأحزاب والحكومة عن تخطيط الجبهة الإسلامية لانقلاب عسكري ، وبسبب الغفلة والتهاون وقع انقلاب الجبهة الإسلامية القومية في 30 يونيو 1989 م ، لتبدأ مرحلة جديدة من الانهيار الاقتصادي والاجتماعي الشامل في البلاد.الذي قاد لانفصال الجنوب’ وتهدد بعد الحرب الجارية بتمزيق ما تبقى من الوطن.
alsirbabo@yahoo.co.uk
