بعد أكثر من عقد من العمل في دولة خليجية جعلت من الدبلوماسية الإنسانية إحدى أدوات حضورها الدولي، وفي مؤسسة قطرية تُعنى بتمويل برامج التنمية والإغاثة عبر العالم، أدركت أن نجاح المؤسسات لا يتوقف على وفرة المال ولا على نبالة الرسالة، وإنما على طبيعة القيادة التي تتولى إدارة البشر قبل إدارة المشاريع. فقد تجتمع الرسالة النبيلة مع الإدارة الرديئة، وحينها تتحول المؤسسة إلى ساحة تستنزف أهل الكفاءة بدل أن تستثمرهم.
ومن رحم تلك التجربة وُلدت شخصية أسميها: الطرطنقجي.
والطرطنقجي ليس شخصًا بعينه، ولا مديرًا بعينه، وإنما نمط إداري يتكرر في مؤسسات أكثر مما نظن. وقد استعرت له اسمه من لفظ دارج في العامية القطرية القديمة، لأنه يصف أكثر مما يشتم، ويكشف أكثر مما يدين. ولعل القارئ، أينما كان، سيصادف هذا الطرطنقجي في ذاكرته قبل أن يفرغ من قراءة هذه السطور.
دخلت تلك المؤسسة وأنا أحمل شيئًا من المثالية التي تراود كل من يؤمن بأن العمل التنموي ليس مجرد وظيفة، بل رسالة. وكان يسعدني أن أرى مؤسسة عربية استطاعت أن تجعل من العون الإنساني جزءًا من حضورها الدولي، وأن تجمع تحت سقف واحد خبرات من ثقافات ومدارس مختلفة، يوحد بينها إيمانها بأن المعرفة هي رأس المال الحقيقي في عالم التنمية.
لكنني اكتشفت، مع مرور الوقت، أن المؤسسات لا تُختبر حين تعلن رسالتها، وإنما حين تستقبل فكرة جديدة. ففي تلك اللحظة ينكشف معدن القيادة؛ هل ترى في أصحاب الخبرة عونًا لها، أم منافسين ينبغي تحجيمهم؟
هنا يظهر الطرطنقجي.
وأول ما يلفت النظر فيه أنه لا يعادي المعرفة صراحة، بل يتحدث عنها كثيرًا. يكثر من ذكر الابتكار، وبناء القدرات، والتميز المؤسسي، والتحول الاستراتيجي، حتى يخيل إلى السامع أنه يعيش بين الكتب. غير أن الامتحان يبدأ عندما يجلس أمام صاحب اختصاص أمضى أسابيع أو أشهرًا في إعداد دراسة تتناول مشروعًا تنمويًا معقدًا. عندها تتبدد البلاغة الإدارية، ويحل محلها ملل لا يكاد يخفى. تمتد اليد إلى الهاتف المحمول، أو ينصرف الحديث إلى تفصيل إداري هامشي، أو يُختزل نقاش قضية استراتيجية في دقائق معدودة، ثم يُطوى الملف بقرار جاهز سبق أن اتُخذ قبل أن يبدأ الاجتماع.
ولم يكن يؤلمني أن تُرفض فكرة اجتهد صاحبها في إعدادها؛ فالاختلاف سنة العقول الحية. وإنما كان يؤلمني أن تُدفن الأفكار قبل أن تُفهم، وأن يتحول الحوار إلى إجراء شكلي، لا يُراد منه إلا استكمال صورة القرار.
هناك أدركت أن بعض المديرين لا يرفضون الأفكار لأنها ضعيفة، بل لأنها لم تخرج من رؤوسهم.
وللطرطنقجي موهبة أخرى لا تقل غرابة. فهو يسعى، من حيث يشعر أو لا يشعر، إلى تقصير المؤسسة حتى تصبح على قامته، بدلًا من أن يطيل قامته ليبلغ مستوى المؤسسة. يضيق بكل من يمتلك علمًا لا يملكه، أو تجربة لم يعشها، أو لغة يستطيع بها أن يناقش أهل الاختصاص. ولذلك لا يرى في الخبير موردًا ينبغي الاستثمار فيه، بل احتمالًا مزعجًا يجب تطويقه.
ولعل أخطر ما يميز هذا النموذج أنه يخلط بين القيادة والسيطرة. فالقيادة، في نظره، ليست القدرة على جمع العقول المختلفة حول هدف واحد، وإنما القدرة على أن يكون آخر صوت يُسمع في القاعة. أما المدير الذي يغيّر رأيه بعد حجة قوية، أو يعترف بأنه لا يعلم، فذلك ــ في قاموس الطرطنقجي ــ رجل لم يكتمل تكوينه القيادي بعد.
ومن عجيب المفارقات أن المؤسسات التي تحمل رسائل إنسانية تكون أحوج من غيرها إلى التواضع العلمي. فمن يمد يده إلى المجتمعات المنكوبة ليعينها على النهوض، أولى به أن يمد أذنه إلى الخبراء الذين يعملون معه. غير أن الطرطنقجي يقلب هذه المعادلة؛ فيظن أن السلطة تغنيه عن المعرفة، وأن المنصب يغنيه عن التعلم، وأن التوقيع في أسفل الصفحة يغنيه عن قراءة ما كُتب في أعلاها.
ولا يكتفي بذلك، بل يحرص على إظهار انشغاله الدائم، كأن الوقت الذي يهدره الآخرون في انتظاره جزء من هيبة المنصب. تُحدد الاجتماعات في مواعيدها، ويحضر أصحابها وفي أيديهم ملفاتهم وأسئلتهم، ثم تمر الدقائق تباعًا، قبل أن يدخل صاحب الإمرة دخولًا يوحي بأن تأخير الناس فضيلة إدارية. وإذا انعقد الاجتماع، لم يكن المقصود في كثير من الأحيان تبادل الرأي، وإنما إعلان ما تقرر سلفًا.
وحين يتكرر هذا المشهد، يتعلم أصحاب الخبرة درسًا قاسيًا: ليس المطلوب منهم أن يفكروا، بل أن يبرروا ما فُكر فيه من قبل. عندها يبدأ العقل في الانسحاب بصمت، وتصبح الدراسات أوراقًا تؤدي واجبها البروتوكولي، لا أدوات لصناعة القرار.
ولقد خرجت من تلك السنوات بقناعة لم تكن تخطر لي على بال: إن المؤسسة لا تبدأ في خسارة خبرائها يوم يقدمون استقالاتهم، وإنما يوم يوقنون أن علمهم لم يعد يجد من يصغي إليه.
أما الطرطنقجي، فلا يكاد يشعر بشيء من ذلك. فهو، في يقينه الذي لا يتزعزع، لا يرى نفسه إلا قائدًا استثنائيًا، يملك من الحدس ما يغنيه عن البحث، ومن السلطة ما يغنيه عن الحوار، ومن الثقة بالنفس ما يغنيه عن مراجعة النفس.
إنه لا يقولها بلسانه، لكنه يمارسها في كل قرار، وفي كل اجتماع، وفي كل فكرة تُوأد قبل أن تولد:
أنا صاحب الإمرة… عظيم الخبرة.
auwaab@gmail.com
