في الليلة الظلماء يُفتقد البدر
محمد إبراهيم نقد… سيرة رجل بقي أكبر من خلافات السياسة
محمد عبدالله
في تاريخ الأمم رجال يختلف الناس حول أفكارهم، لكنهم يتفقون على احترام نزاهتهم. ورجال تتباين المواقف من مدارسهم السياسية، غير أن حضورهم الأخلاقي يتجاوز حدود الأحزاب والتنظيمات. وكان الأستاذ محمد إبراهيم نقد، رحمه الله، واحداً من هؤلاء الذين خرجوا من الإطار الحزبي الضيق ليصبحوا جزءاً من الذاكرة الوطنية السودانية.
رحل نقد عام 2012، لكن اسمه لا يزال حاضراً كلما دار الحديث عن السياسة بوصفها التزاماً تجاه الوطن، لا طريقاً إلى السلطة أو النفوذ. وعلى امتداد عقود طويلة، ظل مثالاً للسياسي الذي عاش وفق ما آمن به، وتمسك بمواقفه في أوقات المحنة كما في أوقات الانفراج.
وُلد في أسرة سودانية بسيطة، وانخرط مبكراً في الحركة الوطنية قبل أن يصبح أحد أبرز قادة الحزب الشيوعي السوداني. غير أن مكانته لم تصنعها المناصب التنظيمية وحدها، وإنما شخصيته الهادئة، وثقافته الواسعة، وقدرته على الجمع بين الصلابة في الموقف والانفتاح على الحوار.
عرفه السودانيون في سنوات الانقلابات العسكرية وتقييد الحريات. وعاش زمناً طويلاً متوارياً عن الأنظار، في واحدة من أطول تجارب العمل السري في الحياة السياسية السودانية. لكن تلك السنوات لم تترك فيه مرارة أو نزعة إلى الانتقام، بل زادته اقتناعاً بأن الحوار والديمقراطية هما الطريق الوحيد لبناء وطن يتسع للجميع.
كان من السياسيين الذين أدركوا أن أزمة السودان أعمق من مجرد التنافس على السلطة. لذلك انشغل بقضايا العدالة الاجتماعية، والتنمية المتوازنة، وحقوق الفئات المهمشة، وبناء دولة تقوم على المواطنة وسيادة القانون. ولم يكن دفاعه عن الديمقراطية موقفاً عابراً فرضته الظروف، بل قناعة لازمته حتى آخر أيام حياته.
ولم يكن نقد سياسياً فحسب، بل كان مثقفاً جاداً وباحثاً مهتماً بتاريخ السودان وتراثه الاجتماعي. وترك عدداً من الكتب والدراسات التي سعت إلى قراءة المجتمع السوداني قراءة نقدية، بعيداً عن التبسيط والأحكام الجاهزة. وكان يؤمن بأن السياسة لا تنفصل عن المعرفة، وأن فهم المستقبل يبدأ بفهم الماضي.
ومن أكثر ما ميّزه قربه من الناس. فلم تُعرف عنه مظاهر البذخ أو التعالي، وبقي محافظاً على بساطة حياته رغم موقعه السياسي. وكان قادراً على محاورة الجميع، من العامل والمزارع إلى الأستاذ الجامعي والمثقف، لذلك احتفظ باحترام خصومه قبل مؤيديه، حتى أولئك الذين اختلفوا معه فكرياً.
وفي زمن أصبحت فيه السياسة، في كثير من الأحيان، ساحة للمناورات والمصالح الضيقة، تبدو سيرة محمد إبراهيم نقد تذكيراً بقيمة نادرة هي الالتزام بالمبدأ. فقد دفع أثماناً باهظة بسبب مواقفه، لكنه لم يُعرف عنه أنه غيّر قناعاته طلباً لسلامة أو سعياً إلى مكسب.
ولا يعني ذلك أن تجربته كانت محل إجماع، فهو نفسه لم يكن يتوقع الإجماع، وكان يدرك أن السياسة بطبيعتها مجال للاختلاف. لكن قيمة الشخصيات الكبيرة لا تُقاس بعدد المؤيدين، وإنما بما تتركه من أثر في الحياة العامة، وبما تقدمه من نموذج للأجيال اللاحقة.
واليوم، وبعد سنوات على رحيله، لا يزال السودان يواجه أزمات معقدة، وتبدو الحاجة أكبر إلى رجال يضعون الوطن فوق الحسابات الضيقة، ويحترمون عقول الناس، ويؤمنون بأن الاختلاف السياسي لا يلغي الشراكة في المصير.
ولهذا، فإن ذكرى محمد إبراهيم نقد لا تخص حزباً بعينه، ولا تياراً سياسياً بعينه، بل تنتمي إلى تاريخ السودان الحديث، وإلى ذلك الجيل الذي آمن بأن العمل العام مسؤولية، وأن النزاهة ليست شعاراً، بل أسلوب حياة.
وفي الليلة الظلماء، يُفتقد البدر. وحين يرحل رجال من طراز محمد إبراهيم نقد، فإن الغياب لا يقتصر على شخص، بل يمتد إلى منظومة من القيم أصبح حضورها في الحياة السياسية أكثر ندرة من أي وقت مضى.
muhammedbabiker@aol.co.uk
