زهير عثمان
كيف يعيد اليسار السوداني تعريف التنظيم في القرن الحادي والعشرين؟
المشكلة ليست في التنظيم، بل في طريقة رؤية العالم
كل تنظيم سياسي ليس مجرد هيكل إداري يضم مكاتب ولجاناً ولوائح داخلية، بل هو قبل ذلك طريقة معينة في فهم الواقع وإنتاج المعرفة السياسية فالحزب لا يحدد فقط كيف تُتخذ القرارات، بل يحدد أيضًا- من أين تأتي الحقيقة؟ ومن يفسر المجتمع؟ وكيف يتحول غضب الناس وتطلعاتهم إلى مشروع سياسي؟
ومن هنا تصبح أزمة المركزية الديمقراطية أعمق من كونها مسألة تنظيمية أو خلافًا حول اللوائح الداخلية؛ فهي سؤال فلسفي حول العلاقة بين المعرفة والسلطة والتنظيم
فطريقة بناء الحزب تحدد في النهاية طريقة رؤيته للعالم. فالحزب المركزي يميل إلى قراءة المجتمع من خلال مؤسساته الداخلية وتقاريره وتحليلاته التنظيمية، بينما التنظيم المفتوح يرى المجتمع نفسه مصدرًا مستمرًا للمعرفة السياسية
ولهذا فإن التحدي الذي يواجه اليسار اليوم ليس التخلي عن التنظيم، بل تحرير التنظيم من نموذج تاريخي نشأ في عالم مختلف، حتى يصبح قادرًا على فهم مجتمع متغير، متعدد الأصوات، سريع الحركة
أولاً- جذور المبدأ وتحولاته — هل كانت المركزية ضرورة أم عقيدة؟
نشأت المركزية الديمقراطية داخل التجربة البلشفية في روسيا القيصرية، في ظروف تاريخية استثنائية اتسمت بالقمع السياسي والعمل السري ومحدودية وسائل الاتصال
كانت الدولة القيصرية تحتكر المجال العام، وكانت التنظيمات الثورية تواجه الاعتقالات والملاحقات الأمنية، لذلك أصبحت مسألة بناء تنظيم قادر على البقاء شرطًا أساسيًا للاستمرار
في ذلك السياق، جاءت الفكرة الأصلية للمركزية الديمقراطية بوصفها حلًا عمليًا- نقاش واسع وديمقراطي قبل القرار، ثم وحدة في التنفيذ بعد اتخاذ القرار
لم تكن الفكرة في بدايتها قائمة على إلغاء الاختلاف، بل على التوفيق بين حاجتين متعارضتين: حرية النقاش من جهة، وفاعلية التنظيم من جهة أخرى
لكن الإشكالية ظهرت عندما انتقل هذا المبدأ من كونه وسيلة لحماية المعرفة الثورية في ظروف القمع، إلى تصور يعتبر الحزب نفسه المصدر الأساسي للحقيقة السياسية
ومع تصاعد البيروقراطية الحزبية لاحقًا، خصوصًا بعد قرار المؤتمر العاشر للحزب البلشفي عام 1921 بحظر الفصائل الداخلية، بدأت المركزية تنتقل تدريجيًا من آلية تنظيمية مرتبطة بظرف استثنائي إلى مبدأ أكثر صلابة في إدارة الاختلاف
وفي بعض التجارب اللاحقة، تحولت وحدة الحزب من ضرورة عملية إلى ما يشبه “عبادة الوحدة”، حيث أصبح الخلاف الداخلي يُنظر إليه أحيانًا باعتباره تهديدًا للتنظيم وليس فرصة لتطويره
ومع ذلك، فإن المسألة لا يمكن اختزالها في تجربة تاريخية واحدة؛ فالمشكلة لم تكن فقط في الأشخاص أو القيادات، بل في السؤال الأوسع: هل يمكن لأداة تنظيمية نشأت في زمن القمع أن تبقى كما هي في زمن الانفتاح؟
لقد حذر مفكرون من داخل التيار الاشتراكي نفسه من مخاطر الجمود التنظيمي. فقد رأت روزا لوكسمبورغ أن كبت التعدد داخل الحركة الثورية قد يؤدي إلى انفصال الحزب عن الطاقة الحية للجماهير. بينما طرح أنطونيو غرامشي تصورًا مختلفًا للحزب باعتباره “مثقفًا جماعيًا” ينمو داخل المجتمع لا فوقه.
ثانيًا- من الحزب الطليعي إلى أزمة الوسيط الثوري
لم يكن الحزب اللينيني مجرد حزب انتخابي تقليدي، بل كان يحمل تصورًا خاصًا لدور التنظيم السياسي.
فالحزب كان يُنظر إليه باعتباره “حزب الطليعة”؛ أي التنظيم الذي يمتلك قدرة تحليلية متقدمة، يستطيع من خلالها تجاوز الوعي المباشر للمطالب اليومية نحو رؤية تاريخية أوسع
وهنا ظهر مفهوم الحزب باعتباره وسيطًا بين الواقع والمستقبل , لكن المشكلة بدأت عندما تحول الوسيط من أداة لفهم المجتمع إلى سلطة تفسر المجتمع نيابة عنه
فالحزب الذي يفترض أنه يحمل وعيًا متقدمًا قد يقع في خطر الاعتقاد بأنه يمتلك المعرفة النهائية، وأن المجتمع يحتاج إلى أن يُقاد أكثر مما يحتاج إلى أن يُصغى إليه
وهذه هي المفارقة الأساسية- الحزب الذي نشأ لتحرير الإنسان من علاقات السيطرة، قد يجد نفسه أحيانًا أسيرًا لمنطق السيطرة داخل بنيته التنظيمية
وهنا يظهر ما سماه عالم الاجتماع روبرت ميشيلز بـ”القانون الحديدي للأوليغارشية”، حيث تميل التنظيمات الكبيرة، بحكم حاجتها إلى الإدارة والاستمرارية، إلى إنتاج مراكز قوة داخلية
فالمشكلة ليست بالضرورة في نوايا الأفراد، بل في طبيعة البنية نفسها؛ إذ إن الإدارة تنتج تخصصًا، والتخصص ينتج سلطة، والسلطة تميل إلى حماية نفسها
ثالثً- التجربة السودانية — عندما نجح النموذج في مواجهة زمنه
لا يمكن فهم تجربة الحزب الشيوعي السوداني بمعزل عن الظروف التاريخية التي نشأ فيها
فالحزب، منذ تأسيسه، واجه ظروفًا معقدة شملت الاستعمار، والأنظمة العسكرية، والحظر السياسي، والاعتقالات المتكررة
في مثل هذه البيئة، لم يكن التنظيم الصارم عبئًا، بل كان مصدر قوة
لقد ساعد النموذج التنظيمي الحزب على- بناء كوادر سياسية ونقابية – الحفاظ على هوية فكرية واضحة
الاستمرار رغم القمع والمنع
وهنا يجب الاعتراف بأن النموذج الذي يبدو اليوم بحاجة إلى مراجعة، كان في لحظات تاريخية معينة أداة فعالة للصمود
لكن المفارقة أن الأداة التي ساعدت الحزب على البقاء في مواجهة الدولة القمعية، أصبحت مطالبة اليوم بالتكيف مع مجتمع لا تحكمه فقط علاقة الحزب بالسلطة، بل تحكمه تحولات اجتماعية وثقافية وتكنولوجية عميقة
لقد انتقل السودان من زمن كانت فيه المشكلة الأساسية هي الوصول إلى المجال السياسي، إلى زمن أصبحت فيه المشكلة هي كيفية فهم مجتمع متعدد المصادر والأصوات
ولهذا فإن السؤال لم يعد فقط – كيف يحافظ الحزب على وحدته؟
بل كيف يجدد نفسه دون أن يفقد هويته؟
رابعًا- صدمة الواقع الجديد — الحرب ومجتمع الشبكات
كشفت الحرب التي اندلعت في السودان منذ أبريل 2023 عن أزمة أعمق في النماذج السياسية التقليدية
فقد ظهر جيل جديد من الفاعلين السياسيين خارج الأطر الحزبية الهرمية، وبرزت لجان المقاومة وغيرها من المبادرات المجتمعية كنماذج أكثر أفقية ومرونة
هذه التجارب لم تنتظر دائمًا القيادة التقليدية، بل أنتجت أشكالًا جديدة من المشاركة والتنظيم، مستفيدة من وسائل التواصل الحديثة ومن المبادرات المحلية
إن المجتمع اليوم لم يعد يتحرك كقاطرة لها مركز قيادة واحد ومسار محدد، بل أصبح أقرب إلى شبكة متعددة المراكز، حيث تُنتج الأفكار والمبادرات من مواقع مختلفة
ولهذا لم يعد السؤال – كيف يقود الحزب المجتمع؟
بل أصبح – كيف يتعلم الحزب من حركة المجتمع؟
لكن ذلك لا يعني أن النموذج الأفقي هو الحل الكامل؛ فالأفقية نفسها تواجه تحديات تتعلق بالاستمرارية، وصناعة القرار، والتنسيق
لذلك فإن المستقبل لا يحتاج إلى استبدال الهرمية بالأفقية، بل إلى بناء صيغة جديدة تجمع بين القدرة التنظيمية والديمقراطية المفتوحة
خامسًا- نحو الحزب بوصفه فضاءً لإنتاج المعرفة الجماعية
إن تجديد اليسار لا يعني التخلي عن التنظيم، بل إعادة تعريف معنى التنظيم
الحزب الجديد لا ينبغي أن يكون مؤسسة تمتلك الإجابات مسبقًا، بل فضاءً يساعد المجتمع على اكتشاف الأسئلة والحلول
وهذا يتطلب انتقالات أساسية- من العضو المنفذ إلى العضو المنتج
فالعضوية لم تعد مجرد التزام تنظيمي، بل مشاركة في إنتاج الرؤية والسياسة
من الاختلاف باعتباره خطرًا إلى الاختلاف باعتباره مصدرًا للتعلم
فالأفكار لا تتطور داخل بيئة مغلقة، بل من خلال الاحتكاك والنقد والحوار
من القيادة باعتبارها مركزًا للحقيقة إلى القيادة باعتبارها وظيفة تنسيق
القائد لا يكون من يملك الإجابة النهائية، بل من يساعد التنظيم على قراءة الواقع بصورة أفضل
من الحزب المتعالي إلى الحزب الموجود داخل المجتمع
فالحزب لا ينبغي أن يرى نفسه وصيًا على المجتمع، بل شريكًا في إنتاج مستقبله، يعمل داخل الحركات الاجتماعية ويتعلم منها
ولادة جديدة
إن أزمة اليسار السوداني ليست في فقدان التنظيم، بل في التمسك بنموذج تنظيمي نشأ في عالم يختلف جذريًا عن عالم اليوم
التحدي ليس تدمير الماضي، ولا إنكار التاريخ، بل تحرير ما فيه من قوة حتى يصبح قادرًا على مواجهة الحاضر
فالحزب الذي يخاف من الأسئلة يموت قبل أن يخسر الانتخابات، والحزب الذي يجعل الديمقراطية طريقة لفهم المجتمع لا مجرد إجراء إداري داخلي، هو الحزب الذي يمتلك فرصة استعادة دوره
لقد كان القرن العشرين عصر الأحزاب التي حاولت قيادة التاريخ، أما القرن الحادي والعشرون فهو عصر الأحزاب التي يجب أن تتعلم من حركة المجتمع قبل أن تطلب تغييره
وفي السودان اليوم، حيث أعادت الحرب تشكيل الدولة والمجتمع والسياسة، فإن السؤال الأكبر أمام اليسار ليس فقط كيف يستعيد حضوره، بل كيف يعيد تعريف نفسه داخل مجتمع لم يعد يشبه المجتمع الذي نشأت فيه أحزاب فترة مؤتمر الخريجيين
فالمستقبل لن يكون للحزب الذي يحتكر الحقيقة، بل للحزب الذي يمتلك القدرة على تنظيم الحوار حولها , وهنا يبدأ التجديد الحقيقي.
zuhair.osman@aol.com
