بسم الله الرحمن الرحيم
أ.د. احمد محمد احمد الجلي
ahmedm.algali@gmail.com
مقدمة: تحولت ايران من دولة سنية إلى دولة ذات أغلبية شيعية في بداية القرن السادس عشر الميلادي، عندما أسّس الشاه إسماعيل الصفوي ) ت 930 ه / 1524 م( الدولة الصفوية سنة 1501م، وأعلن المذهب الشيعي الاثني عشري مذهبًا رسميًا للدولة. وقد اعتمد الصفويون عدة وسائل لنشر التشيع خلال القرنين السادس عشر والسابع عشر،منها: استقدام علماء الشيعة من جبل عامل في لبنان،ومن البحرين وسورية والعراق. ومن أبرزهم:الشيخ علي الكركي، وغيره ممن أسهموا في:نشر الفقه الشيعي، وتأسيس الحوزات العلمية، وكتابة المناهج الدينية، وتحويل الشعائر الشيعية إلى مؤسسات دولة،فكان ذلك تاسيساً للمرجعية الشيعية وتثبيت العقيدة في المجتمع. وإنشاء مؤسسات دينية وتعليمية شيعية . كما عمل اسماعيل الصفوي على فرض المذهب الشيعي في أجهزة الدولة والقضاء والتعليم،ومما عزّز الهوية المذهبية الشيعية الصراع السياسي والعسكري مع الدولة العثمانية السُنًِية .
ولم يحدث التحول الى المذهب الشيعي دفعة واحدة، بل استغرق عدة أجيال،وفي إيران اليوم، يتراوح عدد الشيعة بين 75 و80 مليونًا من جملة السكان البالغة 90 مليون نسمة، ويشكلون نحو 85% إلى 90% . بينما يعادل السُنًة قرابة 9 إلى 10 ملايين، بنسبة 8% إلى 12% تقريبًا .وهناك أقليات دينية أخرى مثل: المسيحيين،و اليهود،والزرادشتيين ،والبهائيين ،والقوميات غير الفارسية، ،كالأكراد والبلوش والتركمان وبعض العرب .و تتركز الأغلبية الشيعية في وسط البلاد والمدن الكبرى مثل:طهران وقم وأصفهان ومشهد،بينما يتوزع الاخرون في شرق البلاد وغربها وجنوبها.
وهكذا أصبح التشيع منذ العصر الصفوي جزءًا من الهوية السياسية للدولة الإيرانية، وتعزز أكثر بعد الثورة الإيرانية بقيادة روح الله الخميني، حيث تأسس نظام «ولاية الفقيه» الذي يمنح رجال الدين دورًا مركزيًا في الحكم.ولهذا يرى بعض الباحثين أن التشيع في إيران لم يكن مجرد تحول ديني فقط، بل أيضًا مشروعًا سياسيًا لبناء هوية مستقلة عن العالم السني المحيط، خاصة في مواجهة العثمانيين تاريخيًا ثم القوى الإقليمية العربية لاحقًا.
(1) النظام السياسي في ايران : يمثل النظام السياسي في الجمهورية الإسلامية الإيرانية نموذجًا فريدًا في الفكر السياسي المعاصر، إذ يقوم على تداخل معقد بين العقيدة الدينية الشيعية الإمامية والبناء الدستوري الحديث. ويعود هذا التميز إلى محاولة حل إشكالية تاريخية عميقة في الفكر الشيعي، وهي: من يملك الشرعية السياسية في عصر غيبة الإمام المعصوم؟، فمنذ ما يُعرف بـ”الغيبة الكبرى” للإمام الثاني عشر، واجه الفكر الشيعي فراغًا في مصدر السلطة، الأمر الذي أدى إلى تطور نظريات متعددة، بلغت ذروتها في نظرية “ولاية الفقيه” التي طبّقها الإمام الخميني بعد الثورة الإيرانية عام 1979م.
(2) مكانة الامام عند الشيعة:في ادب الشيعة -لا سيما الامامية الاثناعشرية إن الايمان بالامام جزء من العقيدة الايمانية بالائمة ،الذين تسلسل قائمتهم على النحو التالي:
ـ 1-علي بن أبي طالب رضي الله عنه الذي يلقبونه بالمرتضى ـ رابع الخلفاء الراشدين، وصهر رسول الله ، وقد مات غيلةً حينما أقدم الخارجي عبد الرحمن بن ملجم على قتله في مسجد الكوفة في 17 رمضان سنة 40 هـ.
2-ـ الحسن بن علي رضي الله عنهما، ويلقبونه بالمجتبى (3- 50هـ).
ـ 3-الحسين بن علي رضي الله عنهما ويلقبونه بالشهيد (4 -61هـ).
ـ4- علي زين العابدين بن الحسين (38 -95 هـ) ويلقبونه بالسَّجَّاد.
ـ5- محمد الباقر بن علي زين العابدين (57 -114هـ) ويلقبونه بالباقر.
ـ6- جعفر الصادق بن محمد الباقر (83 – 148هـ) ويلقبونه بالصادق.
ـ 7-موسى الكاظم بن جعفر الصادق (128-ـ 183هـ) ويلقبونه بالكاظم.
ـ 8-علي الرضا بن موسى الكاظم (148- 203هـ) ويلقبونه بالرضى.
9-ـ محمد الجواد بن علي الرضا (195-ـ 220هـ) ويلقبونه بالتقي.
ـ10- علي الهادي بن محمد الجواد (212 -254هـ) ويلقبونه بالنقي.
11-ـ الحسن العسكري بن علي عبد الهادي (232 -260هـ) ويلقبونه بالزكي.
ـ 12-محمد المهدي بن الحسن العسكري (256هـ ـ …) ويلقبونه بالحجة القائم المنتظر.
ويعتقد الامامية الاثناعشرية، بأن الإمام الثاني عشر( محمد المهدي)، دخل سردابًا في دار أبيه بِسامرا (سُرَّ مَنْ رأى)، (كانت سامراء عاصمة الدولة العباسية بعد بغداد، وكان اسمها آنذاك «سر من رأى» ،وقد بناها الخليفة المعتصم بالله عام 221هـ/835م لتكون عاصمة دولته وما تزال آثارها موجودة ،ومن أهم معالمها الباقية الجامع الكبير ومئذنته الملوية)،وغاب غيبة صغرى بدأت عام 256ه او بعدها بقليل، وانتهت سنة 329ه، ثم غيبة كبرى ،بدات في هذا التاريخ ولا يعرف متى تنتهي . وقد اختلفوا في سِنّه وقت اختفائه فقيل أربع سنوات وقيل ثماني سنوات، غير أنَّ معظم الباحثين يذهبون إلى أنَّ الإمام الثاني عشر غير موجود أصلاً،وان الحسن العسكري الامام الحادي عشر لم يعقب ابناً ،ومن ثم فإن القول بمحمد المهدي، من اختراعات الشيعة ، ويطلقون عليه لقب (المعدوم أو الموهوم).
و قد جعل الشيعة العقيدة في الامام اساسا لمذهبهم ،وركنا من اركان الدين لديهم ،ويقول احد كتابهم المعاصرين بعد حديثه عن اركان الاسلام :” ولكن الشيعة زادوا ركنا خامساً- الى جانب اركان الاسلام الاربعة الموجبة للعمل وهي: الصلاة والصيام والزكاة والحج -اما الشهادة بالوحدانية ونبوة محمد فمجرد قول- وهو الاعتقاد بالامامة،وانها منصب إلهي كالنبوة ،فكما ان الله سبحانه يختار من يشاء من عباده للنبوة والرسالة ،ويؤيده بالمعجزة ،التي هي كنص عليه … فكذلك بختار للامامة من يشاء ،ويأمر نبيه بالنص عليه ،وان ينصبه إماما للناس من بعده للقيام بالوظائف التي كان على النبي ان يقوم بها،،سوى ان الامام لا يوحى اليه كالنبي ،وانما يتلقى الاحكام من النبي مع تسديد الهي( انظر: أصل الشيعة واصولها – محمد الحسين آل كاشف الغطاء- ص: 102).
(3)
وظيفة الامام عند الشيعة: من وظائف الامام عند الشيعة تكملة الشريعة،وإبلاغ ما استودع لديه منها ،اذ يعتقد الشيعة ان الائمة استودعهم النبي ،اسرار الشريعة،وانه لم يبينها كلها،بل بينًّ بعضها –وهو ما اقتضاه زمانه-وترك للائمة ان يبينوا للناس ما تقتضيه الازمنة من بعده،ومن ثم كانت اقوال الائمة شرعا اسلاميا ،لأنها تتميم للرسالة. ونتيجة لهذه المكانة ،وهذه الدرجة من المعرفة المنسوبة الى الائمة، اصبحت أوامرهم ونواهيهم شرعا،وصاروا حجة لله على الخلق تجب طاعتهم ،ويجب اتباعهم، كمايقول الشيعة.ويصور احد علماء الشيعة، تصورهم لمكانة الامام فيقول:”بل نعتقد ان امر الأئمة امر اللّه تعالى ونهيهم نهيه ،وطاعتهم طاعته ,ومعصيتهم معصيته ، ووليهم وليه ، وعدوهم عدوه، ولا يـجـوز الـرد عليهم، والراد عليهم كالراد على الرسول،والراد على الرسول كالراد على اللّه تعالى ، فيجب التسليم لهم والانقياد لامرهم والاخذ بقولهم ” (انظر:عقائد الامامية،ص: 70، ،الكافي ،ج 1،ص: 185-190،)، ونسبوا الى الائمة من الصفات ما يميزهم بها عن غيرهم،ومن ثم قالوا بعصمتهم وغيبتهم ورجعتهم بعد الغيبة.
عصمة الائمة : نتيجة لما أضفاه الشيعة على الائمة من صفات، ومواهب علمية غير محدودة،ذهبوا الى أنَّ الإمام ليس مسؤولاً امام احد من الناس ،ولا مجال للخطأ في افعاله مهما أتى من افعال ،بل يجب تصديقه والايمان بأن كل ما يفعله خير لا شر فيه لأن عنده من العلم ما لا قبل لأحد بمعرفته.ومن هنا قرر الشيعة للإمام من ضمن ما قرروه العصمة. فذهبوا الى ان الأئمة معصومون في كل حياتهم لا يرتكبون صغيرة و لا كبيرة،و لا يصدر عنهم اية معصية ،ولا يجوز عليهم خطأ و لا نسيان. يقول محمد باقر المجلسي (توفي سنة:110ه)،احد علمائهم-:” اعلم أن اجماع علماء الامامية قد انعقد على ان الامام معصوم من جميع الذنوب صغيرة كانت أم كبيرة،من اول العمر الى آخره فلا يقع منهم ذنب اصلا لا عمدا ولا نسيانا ولا سهوا ولا غير ذلك.”( حياة القلوب ( المجلسي) ج 7 ص: 27،نقلا عن عقيدة الشيعة ( دونلدسن)، ص: 317. ظهر الاسلام ( احمد أمين) ج 4 ص: 110 )،ويقول عالم اخر من علمائهم:” إن الائمة القائمين مقام الانبياء في تنفيذ الاحكام،واقامة الحدود ،وحفظ الشرائع،وتأديب الانام معصومون كعصمة الانبياء وأنهم لا يجوز منهم كبيرة و لا صغيرة وأنه لا يجوز منهم سهو في شيء في الدين ولا ينسون شيئا من الاحكام، وعلى هذا مذهب سائر الامامية الا من شذ منهم.” والذي دعا الشيعة الى القول بعصمة الائمة،هو خطؤهم في اعطاء الائمة وظائف لم يقل بها اهل السنة لأمير المؤمنين او الخليفة.اذ اسند الشيعة الى الامام، حفظ الشريعة والقيام عليها بعد النبي ،فهو الذي يفسرها ويقيد مطلقها،ويوضح غامضها،ويمنع عنها التحريف والتزييف والضلال ،ولا ينبغي ان يكون مثل هذا الشخص عرضة للخطأ،والا لما أمن ان يقوم بوظيفته.يقول الشريف المرتضى:” لقد ثبت عندنا وعند مخالفينا انه لا بد من امام في الشريعة يقوم بالحدود وتنفيذ الاحكام .. واذا ثبت ذلك وجبت عصمته ،لانه لو لم يكن معصوما وهو امام فيما قام به من الدين الذي من جملته اقامة الحدود وغيرها ،وواجب الاقتداء به من حيث قام وفعل ،لجاز وقوع الخطأ منه في الدين، ولكنا اذا وقع منه ذلك مأمورين باتباعه والاقتداء به في فعله،وهذا يؤدي الى ان نكون مأمورين بالقبيح على وجه من الوجوه،واذا فسد ان نكون مأمورين بالقبيح وجب عصمة من امرنا باتباعه والاقتداء به في الدين.” وهكذا يحتج الشيعة لمعتقدهم هذا بأن العلة التي لاجلها كانت الحاجة للإمام هو عدم عصمة الأمة، فلو لم يكن الإمام معصوما لكانت الحاجة الى إمام آخر.( كتاب العيبة ( الطوسي) ص: 15.)
ويمكن ان نستدرك على الشيعة بالقول أن وظيفة الامام،ليس حفظ الشريعة ،بل واجبه هو حفظ مصالح الأمة وتطبيق شرع الله فيها عن طريق اقامة الحدود ،وتنفيذ الاحكام،وجلب المصالح ودرء المفاسد،وهذا كله لا يحتاج الى عصمة من يقوم به.اما الذي يحفظ الشريعة ،ويقوم عليها،بعد النبي فهم علماء الامة ،وذلك عن طريق الدراسة والاجتهاد وفقا لقوله تعالى:”( وَٱلرَّبَّـٰنِيُّونَ وَٱلْأَحْبَارُ بِمَا ٱسْتُحْفِظُوا مِن كِتَـٰبِ ٱللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ) :المائدة/ الآية (44)، (وَلَـٰكِن كُونُوا رَبَّـاٰنِيّينِ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ ٱلْكِتَـٰبَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ) (آل عمران،/ الآية 79). وحقيقة فان الائمة -الذين نسب اليهم الشيعة العصمة- قد باشروا كثيرا من الاعمال،فكانت اعمالهم واضحة للناس بعضها صواب ،وبعضها خطأ،فلم يكن هناك مجال لادعاء عصمتهم، بل إنهم هم انفسهم قد شهدوا باحتمال الخطأ منهم.فقد روي عن علي أنه قال لاصحابه: ( لا تكفوا عن مقالة بحق،او مشورة بعدل،فإني لست آمن أن أخطيء) (شرح نهج البلاغة ( ابن ابي الحديد) ج 11،ص: 102.). كما ورد ان الحسين كان يظهر الكراهية لصلح أخيه الحسن مع معاوية ،وابدى لومه لأخيه على ذلك ،بل وحثه على قتال أهل الشام.ولو كان علي معصوما من الخطأ او عالما بالغيب-كما قالوا- ما قبل التحكيم.ولو كان الحسين كذلك لما انتهى الى المصير ،الذي انتهى اليه. وتاريخ ائمة الشيعة واضح ومليء بالاحداث والمواقف التي جانبهم فيها الصواب ،مما يدل على عدم عصمتهم ،وانهم كغيرهم من البشر عرضة للخطأ والصواب،بل انهم لو كانوا معصومين لتغير وجه التاريخ.
وعلى كل فان العصمة بهذا المفهوم الشيعي غريبة على التصور الاسلامي،بعيدة كل البعد عن تعاليم القرآن ،لأن العصمة المطلقة بعيدة عن الطبائع البشرية،التي ركبت فيها الشهوات،وركب فيها الخير والشر.والذي يبدو ان الائمة الاولين كعلي والحسن والحسين،لم تعرف لديهم العصمة،التي ادعاها الشيعة ،ونسبوها لهم،كما يتضح من أقوالهم التي سبق ان اشرنا اليها.
الغيبة: كما اشرنا من قبل ،يعتقد الشيعة ان الامام غاب غيبة صغرى بدأت عام 256ه او بعدها بقليل، وانتهت سنة 329ه، وفي هذه المرحلة كان الإمام – بحسب العقيدة الاثني عشرية – يتواصل مع أتباعه عبر أربعة نواب خاصين يُعرفون بـ«السفراء» أو «النواب الأربعة»، وهم:
- عثمان بن سعيد العمري.
- محمد بن عثمان العمري.
- الحسين بن روح النوبختي.
- علي بن محمد السمري.
وقالت الامامية الاثناعشرية برجعة آخر ائمتهم الامام محمد المهدي المنتظر،الذي يعتقدون انه دخل سردابا بدار ابيه “بسامرا”،وانه سيخرج آخر الزمان فيملأ الارض عدلا. ويقول ابن خلدون( توفي : سنة 808ه) ،عن انتظارهم لخروج الامام :“يزعمون أن الثاني عشر من أئمتهم ـ وهو محمّد بن الحسن العسكري يلقبونه بالمهدي ،دخل في سرداب بدارهم بالحلة، وتغيّب حين اعتقل مع أمّه وغاب هناك، وهو يخرج آخر الزمان فيملأ الأرض عدلا، ويشيرون بذلك الى الحديث الواقع في كتاب الترمذي في المهدي. وهم الى الآن ينتظرونه ويسمونه المنتظر لذلك، ويقفون في كلّ ليلة بعد صلاة المغرب بباب هذا السرداب، وقد قدموا مركباً فيهتفون باسمه ويدعونه للخروج حتى تشتبك النجوم ثمّ ينفضّون ويرجئون الأمر الى الليلة الآتية وهم على ذلك لهذا العهد(انظر:المقدمة (ابن خلدون) ص: 199،ولا يزال اهل العراق يلاحظون مثل هذا التصرف من بعض الشيعة الذين يذهبون الى السرداب في سامرا لاتنظار خروج المهدي !!!.)
ثم غاب الامام الثاني عشر غيبة كبرى ، (منذ عام: 329هـ إلى اليوم)، ولا يعرف متى تنتهي. وبعد وفاة السفير الرابع، يُعتقد الشيعة أن الاتصال المباشر بالامام قد انقطع، وبدأت «الغيبة الكبرى»، حيث لا يوجد نائب خاص للإمام، وأن غياب الإمام هو لحكمة إلهية، منها حفظه من القتل أو انتظار الوقت المناسب للظهور.
رجعة الائمة: قد نادى الشيعة برجعة الأئمة،واردوا بذلك ان يعود الامام الى الظهور بعد الغيبة،او الاختفاء ،او الى الحياة بعد الموت. وقد ظهرت فكرة الرجعة اول ما ظهرت في دوائر الشيعة على يد عبد الله بن سبأ الذي نادى برجعة النبي،ثم زعم رجعة “علي”،قائلا :انه لم يقتل بل رفع الى السماء ،كما رفع عيسى عليه السلام ،وان ما ادعته الخوارج من قتله فكذب، اذ ان شيطاناً تمثل لهم في صورته فظنوا انه علي، وأنه سيعود الى الارض،فيملؤها عدلاً بعد ان مليئت جوراً. (الفرق بين الفرق ( البغدادي) ص: 233/ 234) .
وقد اجمع الشيعة على غيبة الإمام ورجعته قبل يوم القيامة ،ولكن السؤال الذي اختلف الشيعة حوله هو انه: الى ان يظهر الامام ويقيم الدولة كيف يكون العمل؟.وقد ذهب بعض الشيعة الى ان العمل كجماعة، وقيام الاحكام وتنفيذها، لا يكون الا مع الامام ،وعلى يديه، ومن ثم عطل هؤلاء الى عهد قريب صلاة الجمعة ،بل حرم بعضهم اداءها ،حتى يخرج الامام المنتظر( انظر:اثر الامامة في الفقه الجعفري واصوله/ على احمد السالوس/ ص: 382-383) ،كما انهم علقوا الجهاد بظهور الامام ولم يجيزوه الا معه (المرجع السابق ص: 396-397.)،و لم يجيزوا اي عمل جماعي الا بعد ظهور الامام .
ولكن بعض علماء الشيعة قد بذلوا جهدا في تغيير هذه الافكار عن الغيبة،فذهبوا الى ان الإمام وإن كان غائبًا فهو يشرف روحيًا على الأمة، وإنما يرجع الناس في فترة الغيبة الى العلماء والفقهاء ،وهنا برز دور «المراجع الدينية» أو «الفقهاء»، الذين اصبحوا يقومون بوظائف عديدة مثل:الإفتاءالقضاء إدارة الأوقاف والأموال الشرعية وتمثيل المجتمع الشيعي .و ان غيبة الامام لا ينبغي ان تقود الى تعطيل الأحكام ،وعدم اقامة الدين والاسلام في الدولة والمجتمع.وقد دعا هؤلاء الى ما يعرف لدى الشيعة بولاية الفقيه.،بمعنى ان الفقيه الشيعي له الولاية العامة في اقامة الأحكام وتنفيذها ،وتدبير أمور الدولة وتنظيمها ،بينما يرى الآخرون ان الفقهاء لا يتجاوزون حدود الافتاء ،والقضاء الى ما هو من اختصاص الحاكم او الامام، ويقومون بوظائف عديدة مثل:الإفتاء والقضاء وإدارة الأوقاف والأموال الشرعية، وتمثيل المجتمع الشيعي . و أصبح العلماء مثل أبو القاسم الخوئي ،وعلي السيستاني،و روح الله الخميني، من أبرز المراجع المعاصرين ،ومن هنا نشأت مؤسسة «المرجعية”. وقد ساق كل من الفريقين حججا لدعواه،كما سنبين فيما بعد.
(4)
مراحل تطور الفقه السياسي عند الشيعة : يُعد مفهوم ولاية الفقيه من أكثر المفاهيم تطورًا في الفكر السياسي الشيعي الإمامي. فهو لم يظهر دفعة واحدة بصيغته التي طبقتها الجمهورية الإسلامية في إيران، وإنما مر بمراحل استغرقت نحو ألف عام، وانتقل من فكرة محدودة تتعلق ببعض الشؤون الشرعية إلى نظرية تمنح الفقيه سلطة قيادة الدولة، ثم عاد الجدل حولها في العصر الحديث بين مدرستي قم والنجف. وقد مر تطور الفقه السياسي في ايران بالمراحل التالية:
المرحلة الأولى : عصر ازدهار الفقه الفردي: وقد كانت بعض المصطلحات من قبيل: حاكم الشرع أو السلطان أو الإمام، متداولة في سياق الحديث عن المراحل العليا في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والقضاء والحدود، والجهاد، والخمس، والبيع، والحجر ، والنكاح، والطلاق، والصوم والحج وصلاة الجمعة، وغيرها .. ولم يتناول الفقهاء موضوع الحكم والولاية السياسية العامة. ولكن يمكن ملاحظة بعض المؤشرات التي تدل على تناول الشيخ المفيد( (336 أو 338 – 413 هـ) في كتابه (المقنعة) لموضوع الحكم. ويُعد الشيخ المفيد من أوائل من بحثوا في صلاحيات الفقيه زمن غيبة الإمام الثاني عشر،وكان يعيش في بغداد في ظل الدولة البويهية، حيث لم يكن الشيعة يمتلكون سلطة سياسية مستقلة، ولذلك ركز على كيفية إدارة المجتمع الشيعي أثناء الغيبة.وقد منح الفقيه صلاحيات مثل:. القضاء. إدارة الأوقاف. حماية أموال الأيتام. تنفيذ بعض الأحكام الشرعية عند الضرورة. لكن المفيد لم يقل أبداً إن الفقيه يحل محل الإمام في قيادة الدولة أو يمتلك سلطة سياسية مطلقة.
المرحلة الثانية: عصر السلطنة والولاية: وتمتد من القرن العاشر الهجري حتى القرن الثالث عشر الهجري، وتبدأ مع جلوس السلالة الصفوية على العرش، وتنتهي مع بدايات الحركة الدستورية (المشروطة). وتتميز هذه المرحلة بإعلان المذهب الشيعي (الإمامي الإثني عشري) مذهبا رسميا في إيران، وسيطرة الفقهاء الشيعة النسبية، في العهدين الصفوي) 907 – 1148هـ \ 1501/م – 1736م( والقاجري ( 1789- 1925م). . ولم تكن ولاية الفقيه في هذه الفترة تعني نظرية مستقلة للدولة أو نظاما للحكم .. وإنما هي ممارسة القدر المتيقن الجائز للفقهاء ليس إلا ،مثل: القضاء وإقامة الحدود وصلاة الجمعة ويسجل للفقهاء في هذه المرحلة تفكيكهم الأمور العرفية عن الأمور الشرعية. ففي حين اعتبروا القضاء وتطبيق الحدود والأمور الحسبية من مسؤولية الفقهاء.. اعتبروا السياسة والأمن من جملة الأمور العرفية، ومن واجبات المسلمين من ذوي الشوكة، أي السلاطين. ويمكننا اعتبار فقيه العصر الصفوي الشيخ علي بن الحسين بن عبدالعالي الكركي العاملي المعروف بالمحقق الكركي (ت: 940م،)، أول فقيه تنم كتاباته عن مؤشرات على نظرية الدولة. وقد استدعى الصفويون المحقق الكركي من جبل عامل في لبنان.وقام بطتوير فكرة جديدة مفادها أن:الفقيه نائب الإمام الغائب في الأمور العامة.لكن التطبيق العملي كان مختلفاً.فالسلطة السياسية بقيت بيد الشاه الصفوي.أما الفقيه فكان يمنح الشرعية للحاكم، ويشرف على القضاء والأوقاف والتعليم الديني.إذن:لم يكن الكركي يدعو إلى أن يحكم الفقيه بنفسه، وإنما إلى شراكة بين السلطان والفقيه.وهذه المرحلة تُسمى أحيانًا”ازدواجية السلطتين”.وقد منح في هذه المرحلة الفقهاء صلاحيات في القضاء،و إدارة الأوقاف،و حماية أموال الأيتام،و تنفيذ بعض الأحكام الشرعية عند الضرورة. لكن رغم ذلك فلم لم يقل الكركي إن الفقيه يحل محل الإمام في قيادة الدولة، أو يمتلك سلطة سياسية مطلقة حيث اعتبر الكركي ،الفقيه نائبا للإمام المهدي ،ولكن من غير الثابت أنه كان يعني ضرورة تأسيس الفقهاء للحكومة الإسلامية بأنفسهم.
المرحلة الثالثة: عصر المشروطة والنظارة وتبدأ هذه المرحلة من بداية القرن الرابع عشر الهجري ، حيث أخذت تطرح أسئلة وتتداول مفاهيم جديدة في المجتمع وفي أذهان الفقهاء الشيعة، وأدى ذلك إلى قيام حركة المشروطة-(ويراد بها الحكومة الدستورية المقيدة بالقانون، أي أن سلطة الحاكم ليست مطلقة، وإنما تخضع لدستور ومجلس نيابي ورقابة شعبية)- التي نجحت في إقرار الدستور وملحقه التعديلي ،وتقييد سلطة الملوك وصلاحياتهم المطلقة.وقد انقسم الفقهاء لدى بحثهم للمفاهيم السياسية الجديدة من قبيل الحرية والعدالة والمساواة والحقوق العامة والفصل بين السلطات والقانون والنيابة والحكم المشروط أو الاستبداد المطلق والإشراف على مجلس الشورى، حيث عبر فريق منهم عن نظرة تقليدية ترفض بصورة مطلقة التطور الديموقراطي، وتدافع عن المسار السياسي السابق الذي يقوم على أساس الفصل بين السلطة الدينية (ولاية الفقيه التعيينية في الأمور الحسبية) والسلطة السياسية (في الأمور العرفية)، وهو ما تبلور تحت عنوان (الحكومة الشرعية)، فيما ذهب الفريق الآخر يدعو إلى التطور والتغيير باتجاه التوفيق بين المشروطة والمشروعة، مع المحافظة على نظرية الدولة القائمة على الإذن العام الصادر عن الفقهاء (المشروطة والمشروعة هما تياران فكريان وسياسيان برزا خلال الثورة الدستورية في إيران((1905-1911) فالمشروطة: حركة طالبت بوضع دستور وتأسيس مجلس شورى (برلمان) للحدّ من الاستبداد،والمشروعة: تيار قاده رجال دين (مثل الشيخ فضل الله نوري)، الذي ذهب الى أن الدستور يجب أن يكون متوافقاً تماماً مع الشريعة الإسلامية، ونشأ الخلاف لأن أنصار “المشروعة” رفضوا الدستور الوضعي المستورد من الغرب، مطالبين بأن تكون القوانين “مشروعة” ومستمدة مباشرة من أحكام الدين، مما أدى في النهاية إلى انقسام وصراع سياسي وفكري.
أما أول فقيه بحث بالتفصيل في مسألة ولاية الفقيه، وجعل منها مسألة فقهية مستقلة، وأقام عليها الدليل العقلي والأدلة النقلية المتعددة فهو الشيخ احمد النراقي (ت: 1245م)، في كتابه ” عوائد الأيام في بيان قواعد الأحكام” ،وهو أحد أهم المراجع الفقهية والأصولية”،الذي يعتبره كثير من الباحثين نقطة التحول الكبرى في التظام السياسي الايرني،فقد اطلق عبارة أصبحت أساس النظرية الحديثة في ولاية الفقيه،ونصت على أن كل ما ثبت للنبي والإمام من ولاية، يثبت للفقيه أيضاً، إلا ما أخرجه الدليل.وهذه أول صياغة شبه مكتملة لما يسمى،الولاية العامة للفقيه،وأن للفقيه:إدارة المجتمع،و إقامة الحدود،و تنظيم الدولة،و إدارة المال العام،و قيادة الأمة. لكن النراقي لم يؤسس دولة ولم يضع نظامًا سياسيًا مفصلًا، لذلك بقيت النظرية فقهية أكثر منها عملية،ويعتبر رأيه هذا أول رأي صريح بوجوب الدور السياسي للفقهاء.
المرحلة الرابعة : عصر الجمهورية الإسلامية: تبدأ هذه المرحلة في أواخر القرن الرابع عشر الهجري، ويعتبر الإمام الخميني أول فقيه في التاريخ الشيعي ينجح في تأسيس دولة. لقد كان لنظرية الإمام الخميني الخاصة في الحكومة الإسلامية دور مهم في نجاح حركته السياسية وهي تقوم على أركان أربعة: - حاجة الإسلام إلى قيام الدولة من أجل تطبيق قسم كبير من أحكامه.
- إن إقامة الحكومة الإسلامية وإعداد مقدماتها، ومن بينها المعارضة العلنية للظالمين، من واجبات الفقهاء العدول، وإن اتباع الناس لهم ومساندتهم هي من الأمور الواجبة.
- إن الحكومة الإسلامية تعني ممارسة الفقهاء العدول المعينين من جانب الشارع ، لولايتهم في كل الجوانب الحكومية التي كانت تسري عليها ولاية النبي والإمام المعصوم .
- إن الحكومة الإسلامية والقوانين الصادرة عنها تعتبر من الأحكام الأولية، وتتمتع بالأولوية والتقدم على جميع الأحكام الفرعية، وأن حفظ النظام واجب شرعي,
(5)
ادلة من قالوا بضرورة ولاية الفقيه في غيبة الامام ما يلي:
أ) إن هذا الدين يسعى الى تنظيم شؤون المجتمع ،وحفظ حقوق الناس ،والدفاع عنهم ،وتحقيق مصالحهم ،وهذا لا يتأتى بدون ان يقوم زعيم يقود الناس وسائس يسوس أمورهم.ويقول السيد حسين الطباطبائي البروجردي (1292–1380هـ/1875–1961م): “لا يبقى شك لمن تتبع قوانين الإسلام وضوابطه في انه دين سياسي واجتماعي ،وليست احكامه مقصورة على العبادات المحضة المشروعة لتكميل الافراد ،وتامين السعادة في الآخرة ،بل ان اكثر احكامه مربوطة بسياسة المدن وتنظيم الاجتماع وتأمين سعادة هذه النشأة او جامعة للحسنين ومرتبطة بالنشأتين ،وذلك كاحكام المعاملات والسياسات من الحدود والقصاص،والديات ،والاحكام القضائية المشروعة لفصل الخصومات، او الاحكام الكثيرة الواردة لتأمين الماليات التي يتوقف عليها حفظ دولة الاسلام،كالاخماس والزكوات،ونحوها… ولأجل ذلك اتفق الخاصة والعامة على انه يلزم في محيط الاسلام وجود سائس وزعيم ،يدبر امور المسلمين بل هو من ضروريات الإسلام”.(: في انتظار الامام،ص: 76-77. ) ورغم ذلك لا يعتبر السيد البروجردي صاحب نظرية ولاية الفقيه العامة أو المطلقة التي أصبحت أساس النظام السياسي في الجمهورية الإسلامية بعد ثورة 1979. بل كان ينتمي إلى الاتجاه التقليدي في الحوزة الذي يرى أن للفقيه ولاية في مجالات محددة، مثل:القضاء بين الناس. الإشراف على الأوقاف. رعاية أموال القاصرين والأيتام. بعض شؤون الحسبة (الأمور التي لا يجوز تعطيلها شرعاً). أما إقامة دولة يقودها الفقيه بوصفه نائباً عاماً للإمام المعصوم ويتمتع بسلطات سياسية شاملة، فلم يكن هذا هو المشروع الذي تبناه أو دعا إليه.وقد كان السيد السيد البروجردي شيخا للإمام الخميني ، لكنهما اختلفا في النظرة إلى دور الفقيه في الحكم ،و.بعد وفاة البروجردي عام 1961 بدأ الخميني يطرح بصورة أوضح نظريته التي تطورت لاحقاً في كتاب الحكومة الإسلامية (ولاية الفقيه)، حيث قال إن الفقيه الجامع للشرائط يملك الولاية العامة على المجتمع والدولة في عصر غيبة الإمام المهدي.وبذلك يمكن القول إن:البروجردي مثّل المدرسة التقليدية المحافظة. الخميني نقل النظرية إلى مستوى جديد، فجعل ولاية الفقيه أساساً لنظام سياسي كامل ،كما سنرى فيما بعد.
ب) إن ولاية الفقيه أمر لا يتعارض مع معنى انتظار الامام وخروجه ،اذ ان الانتظار لا يعني تعطيل الحياة او تركها ليعيث بها الاشرار والفجار فسادا. يقول لطف الله الصافي الكلبايكاني (1919- 2022) : ” وليعلم ان معنى الانتظار ليس تخلية سبيل الكفار والاشرار وتسليم الامور اليهم ،والمراهنة معهم، وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر،والاقدامات الاصلاحية،فإنه كيف يجوز ايكال الامور الى الاشرار مع التمكن من دفعهم عن ذلك والمراهنة معهم وترك الامر بالمعروف والنهي عن المنكر ،وغيرها من المعاصي التي دل عليها العقل والنقل ،واجماع المسلمين،ولم يقل احد من العلماء او غيرهم باسقاط التكاليف قبل ظهوره( يعني الامام المنتظر) … ان الايات والاحاديث الكثيرة تدل على خلاف ذلك ،اذ تدل على تأكيد الواجبات, والتكاليف والترغيب الى مزيد الاهتمام في العلمل بالوظائف الدينية كلها في عصر الغيبة،فهذا توهم لا يتوهمه الا من لم يكن له قليل من البصيرة والعلم بالاحاديث والروايات”.( منتخب الاثر في الامام الثاتي عشر عليه السلام ،ص: 499-500،نقلا عن : في انتظار الامام،ص: 68-69.) وقد فهم بعض الشيعة المعاصرون من الانتظار وجوب التمهيد والتوطئة لظهور الامام ،وان هذه التوطيئة لا تفيد غير العمل السياسي ،اما باثارة الوعي السياسي وحده،حين لا يقتدر على الثورة المسلحة ،واما مع الثورة حين يكون مجالها.( في انتظار الامام ،ص: 70.)
ج) ان الفقهاء لهم الحق في النيابة عن الامام ،والقيام بأمر الدولة ،وشؤون المجتمع ،والسياسة في غيبته،ويقول الفيض الكاشاني :” وكذا اقامة الحدود والتعزيرات،وسائر السياسات الدينية . ـفإن للفقهاء المؤمنين اقامتها في الغيبة بحق النيابة عن الامام في زمن الغيبة ،مأذونون من قبل الائمة في القضاء والافتاء وغيرهما، و ذلك لإطلاق ادلة وجوبها، وعدم دليل على توقفه على حضور الامام.( انظر: البدر الزاهر،نقلا عن: ي اتظار الإمام ،ص: 93.)
الخميني وولاية الفقيه:
وقد تبلورت هذه الاراء عند الشيعة المعاصرين فيما يعرف بنظرية ولاية الفقيه،التي اضفى عليها آية الله الخميني بعداً سياسياً ،واخرج بها المذهب الشعي من طور الجمود السياسي المتمثل في انتظار عودة الامام الغائب ليقيم حكومة الاسلام ،الى القول بوجوب سعي الفقهاء الى اقامة دولة يحكمها الاسلام وتطبق فيها نظمه وشريعته. وقد احتج الخميني لاثبات هذه النظرية ،ودافع عنها دفاعا حارا في جملة من المحاضرات جمعها فيما بعد تحت عنوان : ولاية الفقيه ،او الحكومة الاسلامية”.
وقد رفض الإمام الخميني في البداية نظرية ( الانتظار للإمام المهدي )، التي كانت تهيمن على الفكر السياسي الشيعي حتى وقت قريب رفضاً مطلقاً ، وحاول ان يسقط بالأدلة العقلية، الأحاديث التي كانت تعتبر متواترة، والتي كانت توصي بذلك ، ولم يعبأ بها ، وكتب يقول :”بديهي .. إن ضرورة تنفيذ الأحكام لم تكن خاصة بعصر النبي بل الضرورة مستمرة.. واعتقاد: أن الإسلام قد جاء لفترة محدودة أو لمكان محدود يخالف ضروريات العقائد الإسلامية ، وبما إن تنفيذ الأحكام بعد الرسول والى الأبد من ضروريات الحياة ، لذا كان وجود حكومة فيها مزايا السلطة المنفذة المدبرة ضروريا ، إذ لولا ذلك لساد الهرج والمرج…ويمضي الخميني الى القول : ( فقد ثبت بضرورة الشرع والعقل: ان ما كان ضروريا أيام الرسول وفي عهد الإمام أمير المؤمنين علي بن ابي طالب من وجود الحكومة لا يزال ضروريا إلى يومنا هذا. ولتوضيح ذلك أتوجه إليكم بالسؤال التالي: قد مر على الغيبة الكبرى لإمامنا المهدي أكثر من ألف عام ، وقد تمر ألوف السنين قبل ان تقتضي المصلحة قدوم الإمام المنتظر ، في طول هذه المدة المديدة هل تبقى أحكام الإسلام معطلة يعمل الناس خلالها ما يشاءون؟.. ألا يلزم من ذلك الهرج والمرج؟ . القوانين التي صدح بها نبي الاسلام ،وجهد في نشرها وبيانها وتنفيذها طيلة ثلاث وعشرين عاما ،هل كل ذلك لمدة محدودة؟ .هل حدد الله عمر الشريعة بمائتي عام مثلا ؟ ،هل ينبغي إن يخسر الإسلام من بعد الغيبة الصغرى كل شيء ؟ ، الذهاب إلى هذا الرأي أسوء في نظري من الاعتقاد بان الإسلام منسوخ.”(الحكومة الاسلامية ،ص: 26).. ويقول ايضا:” واليوم في عهد الغيبة (أي غيبة الإمام المهدي)، لا يوجد نص على شخص معين يدير شؤون الدولة. فما هو الرأي ؟ هل نترك أحكام الإسلام معطلة ؟ أم نرغب بأنفسنا عن الإسلام ؟ أم نقول : إن الإسلام جاء ليحكم الناس قرنين من الزمان فحسب ليهملهم بعد ذلك ؟ أو نقول : إن الإسلام قد أهمل أمور تنظيم الدولة ، ونحن نعلم أن عدم وجود الحكومة يعني ضياع ثغور الإسلام وانتهاكها ، ويعني تخاذلنا عن حقنا وعن أرضنا، هل يسمح بذلك في ديننا ؟، أليست الحكومة ضرورة من ضرورات الحياة.؟ ،وبالرغم من عدم وجود نص على شخص من ينوب عن الإمام (عليه السلام) حال غيبته، إلآ إنَّ خصائص الحاكم الشرعي لا يزال يُتبر توفرها في أي شخص مؤهلاً إياه ليحكم في الناس، وهذه الخصائص التي هي عبارة عن العلم بالقانون والعدالة موجودة في معظم فقهائنا في هذا العصر، فإذا أجمعوا أمرهم كان في ميسورهم إيجادُ، وتكوين حكومة عادلة عادلة منقطعة النظير”(الحكومة الاسلامية ( الخميني) ص:48-49. )
ويرى الخميني أن ولاية الفقيه فكرة علمية واضحة لا تحتاج الى برهان،لان من عرف الاسلام احكاما وعقائد ،يرى بداهتها ،ولكن وضع المجتمع الاسلامي ووضع مجامعنا العلمية على وجه الخصوص يضع هذا الموضوع بعيدا عن الاذهان..فولاية الفقيه في رأي الخميني هي البديل لحكومة الامام الغائب: ” إذا نهض بأمر تشكيل الحكومة فقيه عادل، فإنَّه يلي من أمور المجتمع ما كان يليه منهم، ووجب على الناس أنْ يسمعوا له ويطيعوا، ويَملك هذا الحاكم ( الفقيه)،من أمر الإدارة والرعاية والسياسة للناس ما كان يَملكه الرسول وأمير المؤمنين” .”( الحكومة الاسلامية،ص:50) ويقرر ان قوامة النبي ،او امير المؤمنين ،لا تختلف من الناحية العملية عن قوامة اي فقيه عادل في زمن الغيبة”. وهكذا يدعو الخميني فقهاء الشيعة الى السعي لتولي السلطة ،واقامة الدولة ،وتنفيذ الاحكام الشرعية نيابة عن الامام الغائب الى حين ظهوره ،وعدم تعطيل هذه الاحكام بحجة انتظار رجعته، فالله سبحانه وتعالى-في راس الشيعة- ادخر الإمام المهدي لتحقيق حلم الأنبياء،وفي هذا يقول الإمام الخميني: “العدالة التي كانت هدف جميع الأنبياء وأرادوا أن يطبقوها في جميع العالم لكنهم لم يوفقوا لذلك. حتى أن رسول الله ـالذي جاء لإصلاح الناس ولتحقيق العدالة وتربية الناس، فإنه لم يوفق في زمانه لتحقيقها بهذا المعنى، وإن الذي سيتمكن من ذلك وسوف ينشر لواء العدل في كل الأرض هو الإمام المهدي” .(منهجية الثورة، ص:124).
(7)
معارضو فكرة ولاية الفقيه :
لم تكن فكرة ولاية الفقيه موضع اجماع من الشيعة بل ظهر من عارضها ورفض فكرة انتقال ولاية الامام الغائب الى الفقيه ،استنادا الى ان ولاية الفقيه ليست ولاية عامة ،بل ولاية مخصوصة،كما سبق ان اشرنا ..ومن هؤلاء محمد جواد مغنية(1322- 1400ه / 1904- 1979م) الذي كتب كتابه :” الخميني والدولة الاسلامية” ناقش فيه فكرة ولاية الفقيه ، لا سيما افكار الخميني واراءه. حيث استنكر على الخميني القول بولاية الفقية فقال : “قول المعصوم [الأئمة عندهم معصومون كرسول الله ، وأمره تماماً كالتنزيل من الله العزيز العليم (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى” النجم: 3 . ومعنى هذا أن للمعصوم حق الطاعة والولاية على الراشد والقاصر والعالم والجاهل، وأن السلطة الروحية والزمنية – مع وجوده – تنحصر به وحده ….، وإلا كانت الولاية عليه وليست له، علماً بأنه لا أحد فوق المعصوم عن الخطأ والخطيئة، إلا من له الخلق والأمر جل وعز…. أبعد هذا يقال: إذا غاب المعصوم انتقلت ولايته بالكامل إلى الفقيه؟. ويوضح ذلك بقوله: “إن حكم المعصوم منزه عن الشك والشبهات؛ لأنه دليل لا مدلول، وواقعي لا ظاهري… أما الفقيه فحكمه مدلول يعتمد على الظاهر، وليس هذا فقط، بل هو عرضة للنسيان وغلبة الزهو والغرور، والعواطف الشخصية، وتأثير المحيط والبيئة، وتعيير الظروف الاقتصادية والمكانة الاجتماعية. ) الخميني والدولة الاسلامية ،محمد جواد مغنية، ص:59. ( وينتهي مغنية الى ان ولاية الفقيه ليست عامة،ويستدل على هذا باقوال بعض علماء الشيعة كالشيخ الانصاري الذي يقول في كتابه ” المكاسب” : لا دليل على وجوب طاعة الفقيه كالإمام ،وربما يتخيل من اخبار واردة من شأن العلماء أن الفقهاء كالائمة… ولكن الانصاف بعد ملاحظة سياقها،او صدرها ،او ذيلها،بأنها في مقام البيان لوظيفة الفقهاء من حيث نشر الأحكام الشرعية، لا كون الفقهاء كالنبي أوالأئمة … وبالجملة فاقامة الدليل على وجوب طاعة الفقه، كالامام دونه خرط القتاد”( المرجع نفسه ص:42-64)،ويستشهد ايضا بقول الميرزا النائيني ( (1860 – 1936م، في كتابه ” منية الطالب” : ” لا اشكال في ثبوت منصب القضاء،والافتاء للفقيه في عصر الغيبة… وهكذا ما يكون من توابع القضاء،كاخذ الشيء المدعى به من المحكوم عليه،وحبسي الغريم المماطل،والتصرف في بعض الامور الحسية.. وإنما الاشكال في ثبوت الولاية العامة… واستدلوا على ثبوتها بالأخبار الواردة في شأن العلماء،ولكنك خبير بعدم دلالتها على المدعي… و لا شك في قصور الأدلة عن إثبات أولوية الفقيه بالناس ،كما هي ثابتة للأئمة عليهم السلام”.
ويقول من عارضوا الخميني : إن في اثبات ولاية الفقيه ادانة لكل مجامعنا العلمية منذ غياب الحجة الى قيام الخميني ،ولم يستثن فقيهاً، او محدثاً راوية، أو احدا من أهل العلم،وحفظة السنة وذوي الرأي طيلة اثني عشر قرناً من الزمان ،وهي مدة طويلة شمخ اثناءها اعلام الفقه الشيعي ،ولكن أياً منهم لم يسع ،او يطالب بولاية الفقيه … مع دنوها من أيديهم ،فهل غفل كل أولئك الاعلام عنها ،او تنبهوا اليها وتغافلوا عنها لأنهم كانوا يخشون المطالبة بها او السعي اليها.” “.( مجلة آفاق عربية ( العدد العاشر السنة الخامسة ( 1980) ،بغداد،ص: 2-52.)
(8)
غلبة رأي الخميني ومن أيدو فكرته : لكن الرأي الذي نادى به الخميني،ومن وافقه، كانت له الغلبة ،وتكلل بالنجاح، وقامت على ضوئه الثورة الايرانية (نشبت من 7 يناير 1978 إلى 11 فبراير 1979 )، و تأسست دولة تولى الأمر فيها الفقهاء ، وقد حدد الدستور صلاحيات الوليّ الفقيه حسب ما جاء في المادة (110) من الدستور الإيراني:
1) تعيين أعضاء مجلس صيانة الدستور.
2) تعيين رئيس السطة القضائية.
3) تعيين وعزل رئيس أركان الجيش وكافة المناصب القيادية العليا في القوات المسلحة والحرس الثوري.
4) إعلان الحرب والسلام.
5) الموافقة على نتائج الانتخابات الرئاسية.
6) عزل رئيس الجمهورية
7) إقرار الاستراتيجيات والسياسات العامّة للجمهورية.
يقول السيد علي خامنئي (19 أبريل 1939 – 28 فبراير 2026م): “طبقاً للفقه الشيعي يجب على كل المسلمين إطاعة الأوامر الولائية الشرعية الصادرة من ولي أمر المسلمين والتسليم لأمره ونهيه، حتى على سائر الفقهاء العظام فكيف بمقلِّديهم! ولا نرى الالتزام بولاية الفقيه قابلاً للفصل عن الالتزام بالإسلام وبولاية الأئمة المعصومين عليهم السلام”!!.
وجاء دستور الجمهورية الإسلامية الإيرانية مؤكداً هذا الأمر اذ نصت المادة الخامسة منه بأن : تكون ولاية الأمر في غيبة الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه!!!)، في جمهورية إيران الإسلامية، للفقيه العادل التقي العارف بالعصر، الشجاع المدير والمدبر،الذي تعرفه أكثرية الجماهير وتتقبل قيادته ،. وفي حالة عدم إحراز أي فقيه لهذه الأكثرية، فإن القائد أو مجلس القيادة المكوّن من الفقهاء الحائزين على الشروط المذكورة أعلاه يتولّون هذه المسؤولية، وذلك وفقاً للمادة السابعة بعد المائة”( انظر: في النظام السياسي الإسلامي ( محمد سليم العوا) ص:253.).
أما المادة السابعة بعد المائة ، فتنص على ما يلي:” اذا نال أحد الفقهاء الجامعين للشروط المذكورة في المادة الخامسة من هذا الدستور على اقرار واعتراف الشعب ـ بأكثريته الساحقة ـ لمرجعيته وقيادته ـ كما تحقق ذلك بالنسبة للمرجع الاسلامي الكبير وقائد الثورة آية الله العظمى الامام الخميني ـ تكون ولاية الأمر بيده ويتولى جميع الصلاحيات الناشئة عنها. وعند عدم تحقق ذلك فان الخبراء المنتخبين من قبل الشعب يبحثون ويتشاورون حول جميع الأشخاص الذين لهم صلاحية المرجعية والقيادة، فاذا وجدوا مرجعاً واحداً يملك امتيازاً خاصاً للقيادة يعرفونه للشعب باعتباره قائداً، وإلاّ فانهم يعيّنون ثلاثة أو خمسة مراجع من جامعي شروط القيادة ويعرفونهم الى الشعب باعتبارهم أعضاء لمجلس القيادة”.وقد تم تعديل هذه المادة في عام 1989م، لتلغي خيار “مجلس القيادة” (المكون من ثلاثة أو خمسة مراجع)، حيث أصبح الدستور ينص حصراً على اختيار قائد فرد واحد، سواء حاز على تأييد شعبي ساحق أو تم انتخابه وتعيينه من قبل مجلس خبراء القيادة.
وبعد الثورة الإيرانية انقسم الفكر السياسي الشيعي إلى مدرستين كبيرتين:
. أولاً: مدرسة قم: التي ترى أن: الفقيه الجامع للشرائط يمتلك ولاية عامة على المجتمع، لكن داخل مدرسة قم نفسها وجد اتجاهان: الاتجاه الأول يؤيد الولاية المطلقة، وهو الاتجاه الذي يقوم عليه النظام الإيراني بقيادة الخميني، ومن جاء بعده من المرشدين ،والاتجاه الثاني:يؤيد:ولاية عامة لكنها ليست مطلقة،أي ولاية تخضع للشورى والدستور والمؤسسات.
ثانياً: مدرسة النجف:ويمثلها عدد من المراجع، ومن أبرزهم علي السيستاني(1349 ه 1930م-)،وترى أن:المرجع يرشد المجتمع،و يوجهه أخلاقياً،و يصدر الفتاوى،و يحمي استقلال المجتمع. لكن:لا ينبغي أن يصبح هو الحاكم المباشر للدولة.ويُعرف هذا التوجه أحيانًا بـ”المرجعية الإرشادية” أو “المرجعية الرقابية”، حيث يُفضل اصحاب هذا التوجه أن تستمد السلطة السياسية شرعيتها من اختيار الناس ،مع بقاء دور المرجعية في النصح والتوجيه.وقد ظهر هذا الموقف بوضوح في العراق بعد عام 2003م، حين دعم السيستاني إجراء انتخابات وصياغة دستور، لكنه لم يتولَّ منصبًا سياسيًا ولم يدعُ إلى إقامة نظام مماثل للنموذج الإيراني.
وهكذا فإن الجدل المعاصر لا يدور غالبًا حول أصل نيابة الفقيه في بعض الشؤون الدينية والقضائية، بل حول مدى هذه النيابة: هل تشمل قيادة الدولة والسلطة السياسية العليا كما تقول المدرسة الخمينية في قم، أم تبقى في إطار المرجعية الدينية والإرشاد مع ترك إدارة الدولة لمؤسسات يختارها الشعب، كما تميل إليه مدرسة النجف؟ وهذا الخلاف يمثل اليوم أحد أهم الانقسامات في الفكر السياسي الشيعي المعاصر.
(9)
تقويم التجربة الايرانية:يمثل النظام السياسي الإيراني تجربة فريدة في الفكر السياسي الإسلامي، حيث انتقل من فقه الانتظار السلبي لدى الشيعة الاثناعشرية، إلى فقه الدولة والسلطة،وقد نجحت نظرية ولاية الفقيه في ملء الفراغ السياسي الناتج عن غيبة الإمام، لكنها في المقابل فتحت الباب لإشكاليات جديدة تتعلق بالشرعية، والسلطة، ودور الأمة في الحكم ،و ما زال الجدل قائماً حول حدود سلطة الفقيه،ومجال عملها.
ويمكن النظر إلى التجربة الإيرانية باعتبارها محاولة للإجابة عن سؤال كبير:هل يمكن الجمع بين:السيادة الإلهية والسيادة الشعبية، والدولة الحديثة، والحفاظ على الهوية الدينية؟ .وقد اظهرت التجربة -حتى الآن-قدرة عالية على البقاء والاستمرار، لكنها لم تحل بالكامل التوتر بين: الحرية والمرجعية الدينية،و الانتخاب والوصاية، والجمهورية والولاية. ولهذا تبقى إيران حالة فريدة:ليست ثيوقراطية خالصة مثل الحكم الكنسي القديم، وليست ديمقراطية ليبرالية بالمعنى الغربي، بل نموذج هجين يجمع: الدين، والثورة، والجمهورية، والأمن القومي، والمؤسسة العقائدية. ويمكن القول إن نجاحها الأكبر كان في بناء دولة قوية مستقلة، بينما يبقى التحدي الأكبر هو:كيفية تحقيق توازن مستدام بين السلطة والحرية دون أن تطغى إحداهما على الأخرى.
ورغم شعارات الحرية والعدالة،التي يرفعها النظام الايراني ، فيوجَّه للنظام الذي نشأ بعد الثورة عدد من الانتقادات، منها:تركّيز السلطة بيد المؤسسة الدينية، وتقييد المعارضة، وهيمنة الأجهزة الأمنية، وتوظيف البعد المذهبي سياسيًا في المنطقة، والجمع بين الشرعية الدينية والسلطة المطلقة. وقد تباينت الاراء حول الموقف من الثورة وكيف ينظر اليها العالم الاسلامي ،فبينما يرى بعض المفكرين السنّة والعلمانيين أن الثورة حولت التشيع من “حالة مذهبية” إلى “مشروع دولة عابر للحدود”. ويرى فيها اخرون نموذجًا لمقاومة الغرب والاستبداد ،بينما انقسم القوميون العرب، بين الإعجاب بالتحرر من الشاه ،والخوف من التمدد المذهبي الإيراني.اما التيارات السنية التقليدية،فقد تحفظت على الأساس العقدي الشيعي وولاية الفقيه،الذي يقوم عليه النظام ،اما العلمانيون فقد رأوا أن الدولة الايرانية استبدلت الملكية الاستبدادية بسلطة دينية مذهبية متعصبة،لا تقل استبداداً عن النظام الملكي السابق ، وعلى العموم فيمكن القول إن الثورة الإيرانية كانت:ثورة دينية وسياسية وشعبية معًا، أسقطت نظامًا ملكيًا حليفًا للغرب، وأقامت نظامًا قائمًا على ولاية الفقيه، فغيّرت بنية الدولة الإيرانية وأعادت تشكيل التوازنات الفكرية والسياسية في الشرق الأوسط.ولذلك فهي تُعد من أكثر الثورات تأثيرًا وإثارةً للجدل في القرن العشرين.
(10)
النظام السياسي الايراني في ظل الحرب الدائرة الآن على الدولة الايرانية: اندلعت الحرب الإسرائيلية-الأمريكية على إيران في: 28 /فبراير/ 2026 م،حيث شنت الولايات المتحدة وإسرائيل ضربات واسعة على الدولة الايرانية استهدفت:المرشد العام للثورة الايرانية ،والقادة السياسيين والعسكريين الايرانيين ، ومراكز القيادة داخل إيران والمنشآت العسكرية والنووية ، ثم تطورت إلى مواجهة إقليمية شملت ضربات صاروخية إيرانية ضد إسرائيل وقواعد أمريكية وممرات بحرية في الخليج، ومن اهم تداعيات هذه الحرب ما بدات به من قتل المرشد الأعلى علي خاميني، الذي كان يحتكر القرار النهائي ، والذي كان حضوره الشخصي عاملاً مهماً في حسم الخلافات بين المؤسسات العديدة المختلفة مثل:الحرس الثوري،ومؤسسة الرئاسة،و البرلمان،و المؤسسة الدينية،و مجلس صيانة الدستور،ومجلس خبراء القيادة،والسلطة القضائية،والمؤسسات الاقتصادية التابعة لمكتب القيادة.وقد توقعت بعض الدوائر الامريكية والاسرائيلية التي شنت الحرب، أن غياب المرشد ،يعني تلقائياً انهيار النظام، وتفكك مؤسسات الدولة،ولكن خاب تخطيطهم لأن هذه المؤسسات صممت لتستمر في العمل حتى أثناء الأزمات.
. ولكن رغم الضربات الواسعة، استمرت مؤسسات الدولة في العمل،و احتفظت إيران بقدرة على الرد الصاروخي والمسيّر، وإن كانت أقل مما كانت عليه قبل الحرب،و اتساع نطاق الصراع: وامتداد القتال إلى الخليج العربي ومضيق هرمز،اذ تعرضت القواعد الامريكية وألاهداف البحرية النتشرة في دول الخليج لهجمات متبادلة، مما جعل الصراع إقليمياً أكثر منه حرباً ثنائية. كما ادت الحرب الى اضطراب أسواق الطاقة،و ارتفعت أسعار النفط،و أصبح تهديد أمن الملاحة في مضيق هرمز أحد أهم ملفات الأزمة العالمية.
وخلال الأيام التي تلت شهدت الحرب جولة جديدة من التصعيد بعد انهيار الهدنة المؤقتة. وادت الحرب حتى الان يوليو/تموز 2026، وأسفرت عن عدة نتائج رئيسية: منها إضعاف القدرات العسكرية الإيرانية :اذ تعرضت القواعد عسكرية ومنشآت دفاع جوي ومراكز قيادة لأضرار كبيرة،و تضررت أجزاء من البنية العسكرية واللوجستية الإيرانية بصورة ملحوظة.
وفي الجملة أسفرت الحرب عن عدة نتائج رئيسية منها: إضعاف القدرات العسكرية الإيرانية اذ تعرضت قواعد عسكرية ومنشآت دفاع جوي، ومراكز قيادة لأضرار كبيرة،كما تضررت أجزاء من البنية العسكرية واللوجستية الإيرانية بصورة ملحوظة،ولكن رغم الضربات الواسعة، استمرت مؤسسات الدولة في العمل،و احتفظت إيران بقدرة على الرد الصاروخي والمسيّر، وإن كانت أقل مما كانت عليه قبل،واتساع نطاق الصراع: اذا امتد القتال إلى الخليج العربي و اغلق مضيق هرمز،و تعرضت قواعد أمريكية وأهداف بحرية لهجمات متبادلة، مما جعل الصراع إقليمياً أكثر منه حرباً ثنائية،اضافة الى اضطراب أسواق الطاقة مما ادى الى ارتفاع أسعار النفط،وأصبح أمن الملاحة في مضيق هرمز أحد أهم ملفات الأزمة العالمية.
أن الجمهورية الإسلامية مرت بأزمات كبيرة منذ نشأتها عام 1979، مثل الحرب العراقية الإيرانية التي نشبت بين العراق وإيران في سبتمبر/أيلول 1980 وانتهت في أغسطس/آب 1988 وخلفت أكثر من مليون قتيل، وألحقت أضرارا بالغة باقتصاد البلدين. ، ووفاة الامام الخميني، في 3 يونيو 1989 (الموافق 24 شوال 1409 هـ) ،واحتجاجات 1999 و2009 و2022 التي اظهرت تطورًا واضحًا في طبيعة الاحتجاج داخل إيران: ففي 1999 م،كانت المطالب تركز على الإصلاح والحريات الجامعية، وفي2009 م، انتقلت الاحتجاجات إلى المطالبة بنزاهة العملية السياسية، أما في2022 م، فقد اتسعت لتشمل قضايا الحقوق المدنية والحريات الشخصية، ووصلت لدى قطاعات من المحتجين إلى التشكيك في شرعية النظام السياسي ذاته. وخلال هذه الاحتجاجات، حافظت الدولة على تماسك مؤسساتها واستطاعت مؤسساتها احتواء كثير من هذه الأزمات ،من خلال اعتمادها على الأجهزة الأمنية والحرس الثوري، مع استمرار وجود انقسامات داخل المجتمع الإيراني حول مستقبل النظام وسبل الإصلاح
وفي ظل الحرب الدائرة الان ظهر ما يبدوا انفجار الخلافات داخل المعسكر المحافظ الإيراني وتفرعه إلى جناحين رئيسيين وهما التيار البراغماتي الذي يدفع باتجاه إبرام “صفقة كبرى” مع واشنطن، تشمل وقف إطلاق النار ورفع الحصار البحري تماما لإنقاذ الاقتصاد المتدهور.أما الجناح الآخر فيتمثل في الأقلية المتشددة التي ترفض أي تنازلات سياسية أو نووية للإدارة الأميركية، وتطالب بالانتقام العسكري لما قامت به امريكا من جرائم تثملت في قتل المرشد والقيادات وإطالة أمد المواجهة، وعلى كل فإن الحرب التي لا زالت اثارها قائمة أعادت تشكيل توازنات القوة داخل النخبة الإيرانية، وجعلت الخلافات الكامنة أكثر ظهوراً، وسيعتمد المسار المستقبلي على قدرة القيادة على إدارة هذه التوازنات، وعلى تطورات العلاقة مع الولايات المتحدة وإسرائيل، والوضع الاقتصادي الداخلي.وعلى كل فإن عدم ظهور المرشد على مجتبى ادى الى التشكيك في دوره وفعالية دوره وظهور خلافات داخل مؤسسات الدولة الايرانية. د. احمد محمد احمد الجلي
ahmedm.algali@gmail.com
