محمد سليمان علي
كلما اشتدت أزمة النقد الأجنبي، عاد المشهد نفسه يتكرر. بيان رسمي، إجراءات حاسمة، موظفون يحالون إلى التحقيق، ومصارف توقف عن مزاولة بعض أنشطتها تبدو الصورة وكأن الاقتصاد كان ينتظر فقط فصل بضعة موظفين حتى يستعيد الدولار انضباطه ويقرر العودة إلى المصارف.
وفي هذا السياق، أعلن بنك السودان المركزي إيقاف مصرفين عن مزاولة الإجراءات المصرفية المتعلقة بعمليات الصادر والاستيراد، وإنهاء خدمة عدد من الموظفين، وإحالة آخرين إلى التحقيق، بعد رصد مخالفات تتعلق بتطبيق ضوابط التعامل في النقد الأجنبي. ولا خلاف على أن احترام اللوائح ومحاسبة المخالفين ضرورة لا تستقيم بدونها أي مؤسسة مالية.
لكن السؤال الحقيقي ليس: هل يجب معاقبة المخالف؟ فهذا أمر بديهي. السؤال هو: هل تبدأ أزمة النقد الأجنبي داخل المصارف أصلاً؟
الحقيقة أن السوق الموازي لم ينشأ لأن موظفا خالف منشورا، أو لأن مصرفا تجاوز لائحة، بل لأنه وجد فراغا تركته السياسات الاقتصادية. فعندما يصبح الحصول على النقد الأجنبي عبر القنوات الرسمية بطيئا أو معقدا أو غير متاح، يبحث الناس عن البديل، ومع مرور الوقت يتحول البديل إلى الأصل، بينما يتراجع الأصل إلى مجرد نصوص في المنشورات.
ولهذا، لم يعد السوق الموازي مجرد سوق خارج النظام المصرفي، بل أصبح ـ شئنا أم أبينا ـ المرجع الفعلي لسعر النقد الأجنبي. يبدأ يومه بتحديد السعر، ثم يأتي البنك المركزي لاحقاً ليطالع النتيجة، وكأنه يراجع محضر الاجتماع بعد انتهائه.
ولا يخفى على أحد أن كثيرا من المستوردين ورجال الأعمال يعتمدون على السوق الموازي لتوفير النقد اللازم لاستيراد السلع ومدخلات الإنتاج. وليس لأنهم يفضلون مخالفة القانون، وإنما لأن عجلة التجارة لا تنتظر اكتمال الإجراءات ولا تتحرك بالبيانات. وهذا لا يبرر مخالفة اللوائح، لكنه يفرض سؤالاً مشروعا: هل المشكلة في سلوك المتعاملين، أم في بيئة اقتصادية دفعتهم إلى البحث عن بدائل خارج النظام الرسمي؟
وفي ظل الحرب، وتراجع الصادرات، وانكماش موارد النقد الأجنبي، اتسعت مساحة السوق الموازي حتى أصبح لاعباً رئيسياً في سوق النقد، لا لأنه أكثر كفاءة من الجهاز المصرفي، بل لأن الواقع الاقتصادي منحه مساحة لم يجد فيها منافس حقيقي.
والقصة نفسها تتكرر مع ملايين السودانيين العاملين في الخارج. فالمغترب لا يبحث عن السوق الموازي حباً فيه، وإنما لأنه يقارن بين سعر الصرف، وسرعة التحويل، وسهولة الإجراءات، ومدى ثقته في الجهاز المصرفي. وكلما اتسعت الفجوة بين ما يقدمه المصرف وما يقدمه السوق الموازي، كانت النتيجة محسومة سلفاً.
ولو أرادت الدولة استعادة هذه الموارد، فلن يتحقق ذلك بملاحقة تجار العملة وحدها، وإنما بجعل القنوات الرسمية أكثر جاذبية. سعر صرف واقعي، إجراءات مصرفية سريعة، تطبيقات تحويل حديثة، وضمانات تتيح للمغترب التصرف في أمواله بحرية، إلى جانب حوافز تشجع على توجيه التحويلات نحو الاستثمار والإنتاج،لا مجرد الاستهلاك.
والمفارقة أن السوق الموازي لم يحتج إلى حملة تسويقية، ولا إلى تطبيق إلكتروني، ولا إلى افتتاح فروع جديدة، فكل ما احتاج إليه هو أن تواصل السياسة الاقتصادية أخطاءها، فتتكفل هي بجلب عملائه.
والتجارب الاقتصادية تؤكد ذلك. فالبرازيل، التي عانت في تسعينيات القرن الماضي من تضخم تجاوز ألفي في المائة، لم تستعد استقرار عملتها بفصل موظفي البنوك أو تشديد الرقابة وحده، بل عبر إصلاحات مالية ونقدية شاملة أعادت الثقة إلى الاقتصاد وفرضت الانضباط على المالية العامة.
وفي مصر، ورغم الجدل الذي رافق الإصلاحات الاقتصادية، فإن السوق الموازية تراجعت بصورة ملحوظة بعد توحيد سعر الصرف وتحسن تدفقات النقد الأجنبي، فأصبح التعامل عبر القنوات الرسمية أكثر جدوى من اللجوء إلى السوق الموازي. لم ينتصر السوق الرسمي بالعقوبات، بل لأنه أصبح أكثر قدرة على المنافسة.
لا أحد يعترض على المحاسبة، لكن الاقتصاد لا يتعافى لأن عدد المفصولين ازداد فمحاسبة المخالف ضرورة، لكنها لا تكفي إذا بقيت السياسة نفسها تنتج المخالفات كل يوم.
وفي النهاية، لا تُقاس قوة البنك المركزي بعدد الموظفين الذين أُحيلوا إلى التحقيق، ولا بعدد المصارف التي أُوقفت، بل بقدرته على استعادة الثقة في النظام المصرفي، وجعل السوق الرسمي هو الوجهة الطبيعية للنقد الأجنبي.
أما إذا ظل السوق الموازي هو الأسرع، والأسهل، والأكثر قدرة على تلبية احتياجات الناس، فستبقى حملات التفتيش تدور في حلقة مفرغة، وسيظل السوق الموازي يفتتح يوم العمل قبل البنك المركزي، ويحدد سعر الجنيه قبل أن يجف حبر أي منشور جديد. وعندها، لن يكون السؤال كم مصرفاً عوقب، بل من يدير سوق النقد في السودان حقاً… البنك المركزي أم السوق الموازي؟
rw3ams@gmail.com
