منبر نور –
مقالات من بطون كتب ونبض الواقع
لم يعد السؤال الذي يطرحه المستثمرون في العالم:
كم سأربح؟
بل أصبح السؤال الأكثر أهمية:
هل سيستمر هذا الربح؟
وهل يقوم على أسس تجعل الشركة قادرة على البقاء لعقود؟
هذا التحول ليس تغيرًا في لغة الاقتصاد،
وإنما هو تغير في فلسفته.
فقد كان الاستثمار طوال القرن العشرين يقوم في معظمه على تعظيم العائد المالي،
بينما يشهد القرن الحادي والعشرون انتقالًا متسارعًا نحو تعظيم القيمة المستدامة؛
أي القيمة التي تحقق الربح،
وتحافظ في الوقت نفسه على الإنسان والبيئة والمؤسسات والمجتمع.
ولم تأت هذه الفلسفة من فراغ
، بل جاءت نتيجة تراكم أزمات متعدده
مالية
وبيئية
وصحية
وجيوسياسية
أثبتت أن الأرباح السريعة قد تخفي مخاطر ضخمة لا تظهر في القوائم المالية،
لكنها تظهر لاحقًا في صورة
انهيار شركات
، أو تراجع أسواق
، أو أزمات عالمية.
لقد أدرك المستثمرون أن رأس المال لا يعيش في فراغ
، وأن نجاح الشركة لم يعد يقاس بما تحققه في نهاية العام
، بل بقدرتها على الصمود أمام الأزمات، والتكيف مع المتغيرات، والمحافظة على ثقة المجتمع والأسواق.
ولذلك أصبحت الاستدامة جزءًا من علم الاستثمار،
وليست مجرد شعار أخلاقي.
لقد كان الاقتصادي الأمريكي ميلتون فريدمان يرى أن المسؤولية الأساسية للشركات هي تعظيم أرباح المساهمين
.
وقد شكّل هذا التصور الفكر الاقتصادي لعقود طويلة.
لكن تطور الاقتصاد العالمي، وتعقد المخاطر، وظهور تحديات المناخ والموارد، دفع كثيرًا من الاقتصاديين والمفكرين إلى إعادة النظر في هذه الفلسفة، مؤكدين أن الربح المستدام لا ينفصل عن الإدارة الرشيدة، وحماية البيئة، واحترام المجتمع، والاستثمار في الإنسان.
ومن هنا ظهر مفهوم الاستثمار المستدام الذي يقوم على دمج ثلاثة أبعاد رئيسية في القرار الاستثماري:
الأداء الاقتصادي.
المسؤولية البيئية.
المسؤولية الاجتماعية والحوكمة المؤسسية.
وأصبحت هذه العناصر تدخل اليوم في تقييم الشركات إلى جانب مؤشرات الربحية التقليدية.
لماذا تغيّرت فلسفة الاستثمار؟
هناك أسباب عديدة قادت إلى هذا التحول، من أهمها:
أولًا:
الأزمات المالية العالمية
، التي أثبتت أن السعي وراء الأرباح قصيرة الأجل قد يقود إلى انهيارات واسعة، كما حدث في الأزمة المالية العالمية عام 2008.
ثانيًا:
التغير المناخي وما صاحبه من خسائر اقتصادية هائلة، دفعت المستثمرين إلى إعادة تقييم المخاطر المرتبطة بالطاقة والموارد.
ثالثًا:
جائحة كوفيد-19، التي كشفت أهمية المرونة المؤسسية، وسلاسل الإمداد، والاستثمار في الإنسان والتكنولوجيا.
رابعًا:
التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي، اللذان جعلا تحليل البيانات والمخاطر أكثر دقة وعمقًا.
الذكاء الاصطناعي… الشريك الجديد للمستثمر
لو كانت الاستدامة هي الفلسفة الجديدة،
فإن الذكاء الاصطناعي هو أداتها التنفيذية.
فالمؤسسات الاستثمارية الكبرى لم تعد تعتمد على التقارير السنوية وحدها،
بل أصبحت تستخدم الذكاء الاصطناعي لتحليل ملايين البيانات المتعلقة بالأداء المالي، واستهلاك الطاقة، والانبعاثات، وسلاسل الإمداد، وسمعة الشركات، وحتى اتجاهات الرأي العام.
لقد أصبح بالإمكان اكتشاف المخاطر قبل أن تتحول إلى أزمات، والتنبؤ بالفرص قبل أن يدركها المنافسون.
وهذا ما يجعل الذكاء الاصطناعي ليس مجرد تقنية، بل شريكًا في اتخاذ القرار الاستثماري.
الاستثمار في الإنسان… أعظم أصول المستقبل
من أهم التحولات التي جاءت بها فلسفة الاستدامة أن الإنسان عاد إلى قلب العملية الاقتصادية.
فالموظف لم يعد تكلفة، بل أصلًا استثماريًا.
والتعليم لم يعد إنفاقًا، بل رأس مال.
والصحة ليست خدمة اجتماعية فحسب، بل عنصر من عناصر الإنتاجية والنمو.
ولذلك بدأت الشركات الرائدة تستثمر في التدريب،
والابتكار،
وبيئة العمل
،
لأنها تدرك أن القيمة الحقيقية تنشأ من الإنسان قبل الآلة.
ماذا يعني ذلك للدول النامية؟
هنا تكمن أهمية الموضوع بالنسبة للسودان وللدول النامية.
فالاستدامة ليست شانا يخص الدول الغنية، بل فرصة تاريخية للدول التي تمتلك موارد طبيعية وبشرية كبيرة.
إن السودان، بما يملكه من أراضٍ زراعية واسعة، وطاقة شمسية، وثروات معدنية، وغابات، وموارد مائية، يستطيع أن يدخل الاقتصاد العالمي الجديد إذا تبنى رؤية تقوم على الاستثمار المستدام، لا على استنزاف الموارد.
إن العالم لم يعد يبحث فقط عن الذهب والنفط، بل يبحث عن الغذاء النظيف، والطاقة المتجددة، وسلاسل الإمداد المسؤولة، والاقتصاد منخفض الانبعاثات.
وهذه كلها مجالات يمكن أن تتحول إلى مصادر قوة إذا أُحسن التخطيط لها.
من الربح إلى الأثر
لقد دخل العالم مرحلة جديدة، لم يعد النجاح فيها يقاس بحجم الأرباح وحدها،
وإنما بحجم الأثر الذي تتركه المؤسسات في الاقتصاد والمجتمع والبيئة.
ولعل هذا هو التحول الأكبر في فلسفة الاستثمار خلال العقود الأخيرة.
فالاستدامة ليست خصمًا من الأرباح،
وإنما وسيلة لحماية الأرباح،
وتعزيز الثقة،
وضمان استمرار النمو.
ولذلك فإن المستثمر الذي يفكر في المستقبل،
والدولة التي تخطط للأجيال القادمة، والشركة التي تريد البقاء، لم تعد تستطيع أن تتجاهل الاستدامة، لأنها أصبحت لغة الاقتصاد العالمي الجديدة.
مراجع مختارة
John Elkington,
Cannibals with Forks: The Triple Bottom Line of 21st Century Business.
Michael E. Porter & Mark R. Kramer, Creating Shared Value, Harvard Business Review.
Klaus Schwab, The Fourth Industrial Revolution.
Joseph E. Stiglitz, People, Power, and Profits.
OECD, Measuring the Sustainable Development Goals.
United Nations, Transforming Our World: The 2030 Agenda for Sustainable Development.
World Bank, World Development Report (الإصدارات الحديثة).
Larry Fink, Annual Letters to CEOs، التي أبرزت دور الاستدامة في الاستثمار المؤسسي.
عبد العظيم الريح مدثر
اقتصادي متقاعد من
المصرف العربي للتنميه الاقتصاديه في افريقيا
مؤسس منبر نور البحثي
sanhooryazeem@hotmail.com
