د. السر أحمد سليمان
أستاذ علم النفس التربوي المشارك بجامعة حائل – السعودية
عبارة “الأجيال الرقمية” تشير إلى الأطفال الذين ولدوا ونشأوا في عصر التقنية الحاسوبية، والانترنت والأجهزة الذكية، والذكاء الاصطناعي.
وهذه الأجيال قد تعلمت التعامل مع الأجهزة الذكية، والتطبيقات المعتمدة على الانترنت، والذكاء الاصطناعي من خلال التعلم الذاتي، والمحاولة والخطأ، وذلك قبل دخولهم للمدارس، ولذلك تفوقوا على آبائهم، وعلى معلميهم في تعاملهم مع العالم الرقمي وأجهزته وتطبيقاته بفعالية كبيرة حدا.
ولكن الأنظمة التعليمية والمدارس والبرامج التعليمية لدينا، لا تزال تعتمد على الأسس التي صُممت لعالم مختلف تماما، وذلك للأجيال السابقة التي نشأت في بيئات كانت تفتقد إلى المصادر الذاتية للمعرفة والتعلم، وكانت المدرسة والمعلمون يمثلون المصادر والأدوات التي تمتلك مفاتيح المعرفة، وطرق تقديمها للمتعلمين، ولذلك كان التعليم معتمدا على التلقين، والحفظ والتذكر وبعض العمليات العقلية الأخرى المحدودة.
وبما أنّ مدخلات الأجيال الجديدة، تختلف بصورة كبيرة عن مدخلات الأجيال السابقة، فإنّ الإصرار على الإبقاء على الأساليب التقليدية لدى بعض المعلمين والمؤسسات التعليمية، يزيد من اتساع الفجوة بين المتعلمين وتلك المؤسسات. وقد أصبحت هذه الفجوة المتنامية بين ثقافة المتعلم الجديد ووسائل التعليم التقليدية واحدة من أبرز التحديات التي تواجه المنظومات التعليمية حول العالم.
والمسألة لا تتعلق بمجرد اختلاف بين الأجيال أو رغبة في التسهيل، بل ترتبط بإعادة تشكيل حقيقية لأنماط معالجة المعلومات داخل الدماغ. فالمتعلم الرقمي بات معتادا على المسح السريع للمحتوى (Scanning)، أكثر من اعتياده على القراءة الخطية التقليدية، وهذا ما يفسر التشتت داخل الصف الدراسي، والذي قد يكون في جوهره بحثا غريزيا عن محتوى أسرع، وأكثر توافقا مع تدفق المعلومات الذي يعيشه يوميا.
وتشير بعض الدراسات الحديثة إلى أنّ الجيل الرقمي لا يتفاعل مع المحتوى بالطريقة نفسها التي كانت تتفاعل بها الأجيال السابقة؛ إذ يفضل المحتوى السريع، والمرئي، والتفاعلي، والقابل للتخصيص. كما أظهرت مراجعات علمية حديثة أنّ أفراد الجيل الرقمي يميلون إلى التعلم القصير والمنظم، والمحتوى متعدد الوسائط، مع حاجة مرتفعة إلى التغذية الراجعة الفورية والتجارب التعليمية الشخصية.
فالجيل الذي كان يجلس خلف المعلم ليدون ملاحظاته ويترقب ألا تمسح السبورة قبل أن ينتهي من الكتابة، يختلف هذا الجيل الذي يشاهد شرح الدرس بسرعة مضاعفة، وينهي المحتوى في دقائق معدودة. والمقصود هنا ليس المفاضلة بين جيل وآخر، بل فهم التحول الذي طرأ على الخصائص المتعلقة بطرق التعلم نفسها.
ولذا فإنّ السؤال الأهم اليوم لم يعد: كيف ندخل التكنولوجيا إلى الصف؟ بل أصبح: كيف نعيد تصميم عملية التعلم بما يتناسب مع طبيعة هذا الجيل؟
ولذا فمن الضروري تقديم النماذج التعليمية الحديثة بالانتقال من مفهوم التعليم القائم على الوقت إلى مفهوم التعليم القائم على المهارة، أي التركيز على تحقيق ناتج تعلم واضح خلال وقت أقصر وأكثر فاعلية.
وبناء على ذلك فإذا كانت الحصة الدراسية الممتدة لأربعين دقيقة منطقية في سياقات تعليمية سابقة، حين كان الوصول إلى المعرفة محدودا، وكان دور المدرسة يتمحور حول نقل المعلومات بشكل مباشر. فإنّه من الضروري اليوم أن يتغير ذلك الدور، وذلك نظرا لأنّ المتعلم يعيش في بيئة معرفية مفتوحة ومتاحة في كل وقت، مما يجعل قدرته على التركيز ضمن نموذج أحادي الاتجاه يكون أكثر تحديا.
ولذلك أصبح من الضروري جدا مراعاة خصائص المتعلمين في العصر الرقمي، الذين أصبحوا يتفاعلوا بصورة أفضل مع ما يعرف بالتعلم المصغر (Microlearning)، وهو أسلوب يعتمد على تقديم المفاهيم والمهارات في وحدات قصيرة ومركزة بدلا من الحصص والمحاضرات الطويلة. وقد أثبتت بعض الأبحاث أنّ هذا النموذج يعزز التفاعل والانخراط لدى هذه الأجيال؛ بسبب اعتياده على استهلاك المعلومات على هيئة جرعات معرفية قصيرة.
ولا يعني ذلك إلغاء دور المدرسة أو المعلم، بل إعادة تعريف دوريهما بما يتناسب مع طبيعة المتعلم الجديد. فبدلا من أن يقضي الطالب معظم الوقت في الاستماع السلبي، خلال الحصص الدراسية التي تفوق الأربعين دقيقة، فمن الممكن اعتماد نموذج التعلم المقلوب أو الصف المقلوب (Flipped Classroom)، والذي يسمح للطالب أن يطلع على موضوع التعلم مسبقا، ويجمع المعلومات المتعلقة به من المصادر المختلفة عن طريق الأدوات الذكية، وتكون الحصة الدراسية ذات وقت قليل يناقش فيه المتعلم معلمه حول ذلك المحتوى، وحل المشكلات، والتفاعل المباشر مع المعلم.
وبصورة عامة فإنّ الفكرة الجوهرية هنا لا تتمثل في رقمنة التعليم فحسب، بل في إعادة بناء تجربة التعلم لتصبح أكثر سرعة ووضوحا وتفاعلا، وأكثر توافقا مع طبيعة المتعلم الرقمي المعاصر.
sirkatm@hotmail.com
