محمد عبد المنعم صالح الأمين
لا أعرف حقاً ما الذي يدفعني الى الإهتمام بكل حملات التضامن ذات الطابع الإنساني .. وقد حاولت تفسير هذه الحالة، كلما صادفت أو شاركت في عملية تضامنية. ويَلحُّ عليّ سؤالٌ هو: من أين جاء هذا القرب الروحي والنفسي، وهل جاء بدوافع عامة أم خاصة ، وأين يكمن الإحساس بالتضامن، وما هي دوافعه ومنابعه؟
هل لأن التضامن غالباً ما يسعى ويُعنى بالدفاع عن مستوي إنساني ، فرداً كان أم جماعة أو حتى شعباً بأكمله؟ وهل لأن فكرة التضامن تعود الى جذور عميقة في الفطرة الإنسانية، التي كانت سائدة في المجتمع السوداني ، قبل أن تجري محاولة إغتيال ذاكرته وإذلاله بالداخل والخارج والحط من كرامته بعد ١٩٨٩/٦/٣٠ !! ..
إن استهداف شعبنا السوداني من الداخل أو الخارج ينبغي الوقوف ضده بكل ما هو ممكن ومشروع إنسانياً ووطنياً، ولا يوجد إلا قانون واحد عرفته كل الشعوب التي إمتلكت قدراً ضرورياً من الكرامة الوطنية. نعم، السودانيون عرفوا هذه الحقيقة من خلال ثوراتهم العظيمة ومارسوها بشرف يثير الإعجاب زاد من رصيدهم الأقليمي والدولي في غابر الأذمنة أو لنقل قبل التاريخ المشؤوم أعلاه .. قبلها كان السوداني يفاخر الآخر بثلاثة خصائص: المروءة والشجاعة والكرم..
علي كل حال وبالعودة لمضمون هذه المساحة وأقول لاشك أن بعض دعوات التضامن أحياناً تنبع من أوساط قريبة جداً، سواء فيما يتعلق بمحرك الدعوة للتضامن، أي الإنسان أو الجماعة التي تُطلق شرارتها، والطرف الثاني الذي تشير إليه الحملة التضامنية. وفي حملات التضامن يتطلب الأمر معرفة الحالتين أو بعبارة أدق معرفة طرفي الحملة، وهنا لا أتحدث عن المساحة التي تحتضن العملية التضامنية ، فقد سبق أن تناولت ذلك في مناسبة أخرى.
فمتلقي حملة التضامن مع الأستاذ الباشمهندس محمد فاروق سليمان لايملك غير أن يجد نفسه مشدوداً إليها، لأنها تتعلق بإنسان جميل العطاء ، والى جانب ذلك، فإن أجمل ما فيه أنه علي الدوام كان متقدما أبداً لكل الصعاب، ليس مع من هم في عداد الظالمين فقط، ولكن أيضاً لكل ما يراه إعوجاجاً في مواجهة الظلم بمعناه السياسي والإجتماعي، وهذا الأخير يُعد نوعاً من المواجهة مع الذات، وهو الأصعب لأنه يتطلب درجة عالية من صفاء الضمير والإنسجام مع ما يعتقده أنه صحيح ومشروع..
الأستاذ محمد فاروق سليمان ظل علي الدوام يحظى بإحترام أعداد وقطاعات إجتماعية واسعة، برغم أن الثمن بإستمرار كان ولايزال باهضاً بالضرورة .. وفي هذ السياق أقول: مَنْ قال أن مواجهة المخاطر لا تنطوي على شيء من الجمال المتفرد، ففي ظروف مثل تلك كان من بين الذي عرفتهم وداعين الى الحملة التضامنية للاستاذ محمد منذ اللحظات الأولي لاعتقاله ، ذلك الشاب الذي في مختبر عمره الأنيق والنشيط .. تعرفنا عليه في كوبر (المعتقل) وحين يبادر كذلك شخص في أواخر الثمانيينات كا الباشمهندس مصطفي عبده أيضا كان معنا في معتقلات كوبر ذات مرة ..
إذا الشاب والشايب نادو من أول إنتشار خبر إعتقال محمد فاروق الي عمل مشترك للتضامن وكم كان ذلك جميلاً وصحياً، حتى لو كان الوطن (السودان) والمنافي قريبة ، بعيدة .. معبأة بكل شروط القهر والخوف والقلق، بل القهر ذاته مبرر للتضامن مع شخص كا محمد فاروق مهما كان الثمن..
بديهي في هذه الظروف الكئيبة الحالية التي تغطي الحياة في السودان وفي كل العالم ، لابد من القول أن إشارتي الى صاحبي وأستاذي محمد فاروق سليمان في جزءٍ منها، الى حملة التضامن لهذا الإنسان النبيل ، هي إشارة نتذكر من خلالها مئات المناضلين الذين كان إنحيازهم لمصالح بلدهم لا شائبة عليه ..
من الجهة الثانية، محمد فاروق سليمان المعتقل الان في أغبية سجون دولة الإمارات العربية والذي نحن الآن بصدد حملة التضامن لأجله، فقد شدتني إليه ثمار جهده ونضاله ونبله وتضحياته ..
ولا أملك غير أن أضم صوتي الى أصوات كل الذين يشاركون الان في حملة التضامن مع الإنسان الوطني النادر محمد فاروق سليمان ..
أذكّر بأهمية هذه الحملة من عدة زوايا، من أهمها: أن في تقديري أن المتضامنين الان مستوعبين للتطورات السابقة والراهنة في بلادنا وبالتالي فأنهم بدون شك سيتجاوزون طريقة الإستنساخ الموحد أو الطبعة الواحدة التي تعودنا عليها في حملات التضامن .. ومن ناحية أخري تأثير حملة التضامن الإيجابي جداً على الاستاذ / محمد فاروق سليمان وعائلته وأصدقائه وعلى الذين من الممكن أن يتعرضوا لذات الموقف لأنها تمثل عملية شد أزر نبيلة للغاية، وتفيد تجارب السجناء السياسيين المظلومين بأنهم يمسحون عناء سنوات السجن والحرمان من خلال ترحيب الناس بهم وزيارتهم بعد إطلاقهم..
حقاً إن سجين الضمير تكون مكافأته في إظهار التقدير لتضحيته، وهو على غرار الممثل المبدع على المسرح حيث يجد ضالته وعزاءه وتعويضه بتصفيق الحاضرين في الصالة..
فكم هي راقية وجملية وإنسانية عملية إشعار الآخر بالتضامن، ولابد من الإعتراف بأهمية الجهد الذي يبذله المتضامنون الان من خلال الحديث عن مواقف الأستاذ محمد فاروق خلال فترة طويلة من عمره ، أن تمنح المتضامنين مع الإنسان محمد فاروق فرصة رحلة أمينة وصادقة في جزءٍ مهم وحيوي من مسيرتة وإسهاماته في العمل العام ..
ولابد في هذا السياق من التأكيد على أهمية توسيع نطاق حملات التضامن، ليس فقط من خلال التحريض على المشاركة فيها، ولكن من خلال تعميق مفهوم التضامن بأبعاده الفكرية والأخلاقية أولاً وأساساً، ومن الضروري أن يقف في مقدمة كل عمل تضامني مبدأ الإعتماد على طبيعة ومضمون العمل أو الحملة نفسها كحالة قائمة بذاتها، وإعتبار ذلك عمودها الفقري، وذلك بغض النظر عن أطراف الحملة أنفسهم..
مجتمعنا السوداني بحاجة ماسة الى ثقافة التضامن، ويظل التضامن بصفة عامة رافعة قوية لمواجهة الوحشية التي تهدد أسس حياة المجتمع البسيط تجاه المركب ومن ثم العالم الذي يحيط بنا ..
الحرية للباشمهندس محمد فاروق سليمان وكفي ..
mmoniem855@gmail.com
