مختار العوض موسى
التغطيات الإعلامية للحرب وتداعياتها وما تخلفه من خسائر فادحة في الأرواح والممتلكات، سواء عبر الصحف أو القنوات الفضائية أو وسائل التواصل الاجتماعي، مثقلة بأرقام فلكية لعدد القتلى والجرحى، وتفوح منها رائحة الدماء والموت .. دون إضفاء أي طابع إنساني على ما ينشر من محتوى إعلامي.
الطابع الإنساني ضرورة أخلاقية:
إضفاء الطابع الإنساني على المنشورات لم يعد ترفاً مهنياً أو خياراً تحريرياً، بل أصبح ضرورة أخلاقية وإنسانية، فالحروب لا تُروى بعدد الجثامين فحسب، وإنما تُروى أيضاً بحكايات الصمود والأمل والنجاة وتسابق السودانيين في تخفيف معاناة بعضهم البعض، ومن حقي كمستمع أو قارئ أن أرى وطني من خلال وجوه أطفاله الذين حُرموا من مدارسهم، وأمهاته اللاتي يقطعن مئات الكيلومترات بحثاً عن الماء والدواء، ومتطوعيه الذين يخاطرون بحياتهم لإنقاذ الآخرين.
إضفاء الطابع الإنساني يتحقق من خلال عدة مسارات، أهمها على الإطلاق: الانتقال من “صحافة الأرقام” إلى “صحافة الإنسان”، عبر سرد القصص الإنسانية التي تعكس واقع المدنيين واحتياجاتهم وتطلعاتهم، وتسليط الضوء على المبادرات الإنسانية وجهود المتطوعين والعاملين في المجال الإنساني الذين يصنعون الأمل وسط الركام، مع مراعاة مبادئ الإعلام المسؤول عند نشر صور ومشاهد الضحايا، بما يحفظ كرامة الإنسان ويجنب المتلقين حالة التبلد العاطفي الناتجة عن الإفراط في مشاهد العنف، إضافة لإعطاء مساحة أكبر لقضايا التعليم والصحة والأمن الغذائي والدعم النفسي والاجتماعي، باعتبارها وجهاً آخر للحرب لا يقل أهمية عن المعارك العسكرية.
نحتاج لتوظيف وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي لحشد التضامن الإنساني ودعم جهود الإغاثة والتعافي المبكر، بدلاً من الاكتفاء بنقل أخبار الموت والدمار، وإشراك الناجين والمتأثرين بالأحداث في سرد قصصهم بأنفسهم، لأن صوت الضحية أصدق من أي تحليل سياسي أو عسكري، إذ يمكن إجراء حوارات مع النازحين مثلا ليتحدثوا عن معاناتهم والظروف التي دفعت بهم إلى النزوح وما واجههوه من مصاعب في رحلة الهروب إلى ملاذات آمنة.
أنسنة الإعلام:
إن “أنسنة المحتوى الإعلامي” لا تعني تجاهل الحقائق أو التقليل من فداحة الجرائم والانتهاكات، وإنما تعني إعادة الإنسان إلى قلب القصة، فحين يتحول الضحية من مجرد رقم في تقرير إخباري إلى إنسان له اسم ووجه وحلم ومستقبل، يصبح الإعلام جسراً للتعاطف والعمل الإنساني، لا مجرد ناقلٍ للمآسي.
فالوطن اليوم لا يحتاج إلى من يعدّ قتلاه بقدر حاجته إلى من يروي للعالم كيف يحيا أبناؤه رغم الحرب، وكيف يمكن إنقاذ ما تبقى من إنسانيتهم، ففي زمن الحرب، قد تكون أعظم رسالة للإعلام أن يذكّرنا بأن وراء كل رقم إنساناً، ووراء كل مأساة قصة تستحق أن تُروى.
“أنسنة الإعلام” لا تتحقق إلا بضبط بوصلته في إتجاه “الإنسانية” خصوصا في هذا الوقت الذي أصبحت فيه المعلومات تنتشر بأسرع من المآسي، الإعلامي قبل نشر المعلومة عليه أن يعمل على تقييمها وإدراك أهميتها في تشكيل رأي عام لتحويل البلاد إلى أفضل مكان تطغى عليه الإنسانية، وألا يكون ناقلا للمعلومة عن بعد، بل يكون جزءا من التفاعل المحيط به ليكون تأثيره إنسانيا فيما يطرحه من محتوى، فبدلا من أن يتحدث عن النزوح واللجوء بصورة عامة لا بد أن “يؤنسن الخبر” ليكون مؤثرا فاعلا في سماء الإنسانية، ما يدفعنا للتأكيد على أهمية إدراج “الإعلام الإنساني ” كمادة تضاف للمناهج الدراسية في كليات الإعلام والدورات التدريبية لصناعة جيل إعلامي يخرج من بوابة “الخبر” إلى “إنسانيته” وإثراء المحتوى الإعلامي الإنساني من خلال نشر ثقافة الخير .
نحتاج للإستعانة بوجوه إعلامية مؤثرة للمشاركة في حملات إنسانية لنشر الوعي بحقوق الإنسان ومبادئ القانون الدولي الإنساني، مع ضرورة استلهام
الإعلاميين ومستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي لمبدأين محوريين من المبادئ الأساسية للعمل الإنساني هما: أولا مبدأ الإنسانية كونه هو جوهر العمل الإنساني، وهدفه الحيلولة دون معاناة المتضررين من الأزمات أو تخفيفها وصون كرامة الإنسان، ثانيا: مبدأ عدم التحيز وتكمن أهميته في نشر محتوى إنساني بغض النظر عن أي اعتبارات أخرى، والبعد عن المفاهيم والمعلومات المغلوطة
المضللة والخاطئة وخطاب الكراهية والدعاية الموجهة وغير ذلك من هذه الظواهر الإنترنتية والتي أفضت إلى مجموعة جديدة من التحديات الإنسانية.
تسليح المعلومات:
وما دمنا بصدد الحديث عن “أنسنة الإعلام” حري بنا إلقاء الضوء على مفهوم “تسليح المعلومات” (Weaponization of Information) ويعني استخدام المعلومات والأخبار والصور ومقاطع الفيديو والبيانات بوصفها أدوات حرب، بهدف التأثير على الرأي العام، وإرباك الخصوم، وإضعاف معنوياتهم، أو تأليب المجتمعات ضد بعضها بعضاً، حيث إنه لم تعد المعركة تدور فقط حول السيطرة على الأرض، بل حول السيطرة على العقول والسرديات والمشاعر الإنسانية.
ويمكن أن يتخذ تسليح المعلومات أشكالاً متعددة، منها: نشر الأخبار الكاذبة أو المضللة عن سير العمليات العسكرية، والتلاعب بأعداد الضحايا والنازحين لتحقيق مكاسب دعائية، واستخدام الصور ومقاطع الفيديو خارج سياقها الزمني أو المكاني، وبث خطاب الكراهية والتحريض على أساس جهوي أو عرقي، واستهداف العمل الإنساني بحملات تشويه تقلل من ثقة المدنيين في المنظمات الإنسانية، ونشر الشائعات التي تدفع المدنيين إلى النزوح نحو مناطق غير آمنة أو تمنعهم من الوصول إلى المساعدات الإنسانية.
ولعل أخطر ما في تسليح المعلومات يتمثل في أن المدنيين يصبحون ضحايا له مرتين؛ مرة بسبب الأحداث، ومرة بسبب المعلومات المضللة، فمن الممكن أن تؤدي معلومة كاذبة واحدة إلى: آثارة حالة من الذعر الجماعي بين السكان، وزيادة الانقسامات الاجتماعية والعرقية وإذكاء روح الانتقام، وتعريض حياة المدنيين للخطر أثناء محاولاتهم الفرار من مناطق النزاع، وحرمان الأسر من الحصول على المعلومات الصحيحة حول المساعدات الإنسانية أو أماكن الأمان،
والتسبب في أضرار نفسية عميقة نتيجة التعرض المستمر للمحتوى العنيف والمعلومات المتناقضة، وإضعاف الثقة في وسائل الإعلام والمؤسسات الإنسانية، وهو ما يعرقل جهود الاستجابة الإنسانية.
كما أن تسليح المعلومات لا يهدد حياة المدنيين فحسب، بل يهدد أيضاً فرص بناء السلام مستقبلاً، فالحروب تنتهي عادة باتفاقات سياسية، لكن السرديات المليئة بالكراهية والتضليل قد تستمر لعقود، وتترك جراحاً اجتماعية يصعب التئامها.
مواجهة تسليح المعلونات:
إن مواجهة تسليح المعلومات تتطلب: تعزيز ثقافة التحقق منها قبل نشرها أو تداولها، وتبني وسائل الإعلام لنهج “إضفاء الطابع الإنساني” على تغطية الحرب، بإبراز قصص المدنيين ومعاناتهم واحتياجاتهم بعيداً عن خطاب التحريض، ودعم الصحافة المهنية المستقلة التي تلتزم بالدقة والحياد، ورفع الوعي الرقمي لدى المواطنين لمواجهة حملات التضليل، وتحييد العمل الإعلامي الإنساني عن أي استقطاب يؤثر عليه ويدفعه للتخلي عن مهمته الأساسية وهي خدمة الإنسانية .
ولا يختلف اثنان على أن أخطر ما في تسليح المعلومات أثناء الحرب يكمن في تحويل الحقيقة إلى ساحة قتال، ويجعل المدنيين أهدافاً غير مرئية لأحداث البلاد، فالكلمة المضللة قد تكون في بعض الأحيان أشد فتكاً من الرصاصة، لأنها لا تقتل الإنسان جسداً فحسب، بل قد تقتل فيه الشعور بالأمان والثقة والأمل في مستقبل يسوده السلام.
والله من وراء القصد
mokhtaralawad@gmail.com
