باستخدامك هذا الموقع، فإنك توافق على سياسة الخصوصية وشروط الاستخدام.
موافق
الخميس, 23 يوليو 2026
  • اختياراتنا لك
  • اهتماماتك
  • قائمة القراءة
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
سودانايل
أول صحيفة سودانية تصدر من الخرطوم عبر الانترنت
رئيس التحرير: طارق الجزولي
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • الرياضة
  • أعمدة
  • الثقافية
  • بيانات
  • تقارير
  • المزيد
    • دراسات وبحوث
    • وثائق
    • نصوص اتفاقيات
    • كاريكاتير
    • حوارات
    • الثقافية
    • اجتماعيات
    • عن سودانايل
    • اتصل بنا
Font ResizerAa
سودانايلسودانايل
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • بيانات
  • الرياضة
  • أعمدة
  • اجتماعيات
  • الثقافية
  • الرياضة
  • الملف الثقافي
  • بيانات
  • تقارير
  • حوارات
  • دراسات وبحوث
  • سياسة
  • فيديو
  • كاريكاتير
  • نصوص اتفاقيات
  • وثائق
البحث
  • قائمة القراءة
  • اهتماماتك
  • اختياراتنا لك
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
تابعنا
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
منبر الرأي
د. عبد المنعم مختار عرض كل المقالات

بين هتاف الساحات وكرسي التفاوض: هل تملك القوى المدنية السودانية أدوات حقيقية لفرض نفسها على طاولة المتحاربين؟

اخر تحديث: 23 يوليو, 2026 11:21 صباحًا
شارك

د. عبد المنعم مختار
أستاذ جامعي في مجال الصحة العامة
المدير العام للشركة الألمانية-السودانية للبحوث والاستشارات وبناء القدرات
المدير التنفيذي لمركز السياسات القائمة على الأدلة والبيانات
moniem.mukhtar@gmail.com

الملخص

يناقش المقال سؤالاً محورياً يتمثل في مدى امتلاك القوى المدنية السودانية أدوات عملية تفرض بها حضورها في مفاوضات إنهاء الحرب، في ظل سيطرة الأطراف المسلحة على ميزان القوة وتصميم عمليات التفاوض. ويرى أن الفجوة الأساسية تكمن بين الخطاب السياسي الذي يؤكد ضرورة الحل المدني وبين غياب الآليات الواقعية التي تمكّن القوى المدنية من انتزاع دور تفاوضي فعلي. كما يبين أن استبعاد المدنيين من عمليات السلام في السودان ليس ظاهرة عابرة، بل امتداد لنمط تاريخي تكرر في اتفاقات نيفاشا وأبوجا والدوحة وجوبا وجدة، وأسهم في ضعف شرعية الاتفاقات وانخفاض ملكيتها المجتمعية. وينطلق المقال من مراجعة واسعة للأدبيات العلمية المقارنة والتجارب الدولية والسودانية لاستخلاص أدوات عملية يمكن أن تحول المطالبة بالمشاركة إلى نفوذ تفاوضي حقيقي.

يوضح الإطار النظري أن استبعاد المجتمع المدني يمثل القاعدة في معظم مفاوضات الحروب الأهلية، لأن الوسطاء والأطراف المسلحة يميلون إلى تقليل عدد المشاركين لتسهيل المساومات وتسريع الوصول إلى الاتفاقات. ولذلك فإن الإقصاء يعكس منطقاً تفاوضياً متكرراً أكثر من كونه موقفاً خاصاً بالحالة السودانية، مما يجعل الاحتجاج الأخلاقي وحده غير كافٍ ويستوجب بناء استراتيجية عملية مضادة.

ويعرض المقال الإطار الذي طورته ثانيا بافنهولز، والذي يحدد سبع وظائف رئيسية للمجتمع المدني في النزاعات وبناء السلام، تشمل الحماية، والمراقبة، والمناصرة، والتنشئة الاجتماعية، وتعزيز التماسك الاجتماعي، والتيسير، وتقديم الخدمات، مع التأكيد أن أهمية كل وظيفة تختلف باختلاف السياق. كما يقدم تصنيفها لتسعة نماذج للإدماج تبدأ بالتمثيل المباشر داخل المفاوضات، مروراً باللجان الفنية والاستشارات وجمع المدخلات العامة وأدوار التيسير، وتنتهي بالاحتجاجات الشعبية، بما يوضح أن المشاركة ليست خياراً ثنائياً بين الحضور الكامل أو الغياب الكامل، بل سلسلة متدرجة من مستويات الإدماج.

ويستعرض المقال نتائج الدراسات الكمية التي أثبتت أن إشراك المجتمع المدني يزيد بصورة ملموسة من احتمالات صمود اتفاقات السلام ويقلل من فرص تجدد النزاعات، خاصة في الدول غير الديمقراطية. كما يبين أن الجمع بين المجتمع المدني والأحزاب السياسية والنساء يحقق أعلى معدلات الاستدامة، في حين تكشف البيانات الدولية أن نسبة كبيرة من اتفاقات السلام تنهار خلال السنوات الأولى من توقيعها، الأمر الذي يجعل الشمولية عاملاً عملياً في نجاح الاتفاقات وليس مجرد مطلب أخلاقي.

ويعرض مفهوم الإدماج التدريجي الذي يرى أن مشاركة المجتمع المدني يمكن أن تتوسع عبر مراحل متعددة من العملية التفاوضية، بحيث تبدأ بآليات استشارية أو فنية ثم تتطور تدريجياً إلى تمثيل مباشر، وفق احتياجات كل مرحلة.

ويقدم المقال نظرية “كسر الأبواب” باعتبارها التفسير الأكثر مباشرة لكيفية اكتساب المجتمع المدني موقعاً تفاوضياً. فالدراسات المقارنة تشير إلى وجود مسارين رئيسيين فقط يمنحان المدنيين نفوذاً حقيقياً: التعبئة الشعبية السلمية المنظمة التي تجعل تجاهلهم مكلفاً سياسياً، وبناء الثقة الطويلة الأمد من خلال الحوار والخبرة الفنية، بحيث يصبح وجودهم ضرورياً لنجاح العملية التفاوضية.

ويجسد نموذج ليبيريا هذا المسار الأول، حيث تمكنت الحركة النسائية بقيادة ليما جبووي من تعبئة النساء عبر الاعتصامات والصلاة والإضرابات والضغط الجماهيري حتى اضطرت الأطراف المتحاربة إلى الدخول في مفاوضات السلام. ولم يقتصر دور النساء على المطالبة بالمشاركة، بل انتقلن إلى مقر المفاوضات في أكرا، وضغطن مباشرة على المفاوضين حتى تم التوصل إلى اتفاق، ثم شاركن لاحقاً في متابعة تنفيذ الاتفاق وتفسير بنوده للمجتمع. ويخلص المقال إلى أن المقعد التفاوضي في هذه الحالة لم يُمنح بل انتُزع بضغط شعبي منظم.

ويقارن ذلك بالنموذج الكولومبي الذي اعتمد مساراً مؤسسياً مختلفاً، حيث أدى ضغط منظمات المجتمع المدني والنساء إلى إنشاء لجنة فرعية جندرية داخل هيكل المفاوضات الرسمية، أصبحت جزءاً دائماً من العملية التفاوضية، وأسهمت في إدماج قضايا النساء والضحايا وحقوق الفئات المختلفة في الاتفاق النهائي، كما شاركت في اللجان الفنية الخاصة بوقف إطلاق النار ونزع السلاح. ويبرز المقال أن هذه التجربة حولت المشاركة المدنية من ضغط خارجي إلى مكون مؤسسي داخل بنية التفاوض.

ويعرض مؤتمر الحوار الوطني اليمني بوصفه نموذجاً للحصص الرسمية الواسعة، حيث خصص نسباً محددة للنساء والشباب والمجتمع المدني، وألزم الأحزاب بتمثيل النساء، وربط مخرجات المؤتمر بصياغة الدستور الجديد. لكنه يوضح أن هذا التصميم الشامل لم يمنع شعور كثير من المشاركين بالتهميش، كما لم يحل دون انهيار العملية السياسية لاحقاً مع اندلاع الحرب، مما يؤكد أن الشمولية المؤسسية لا تكفي وحدها إذا بقيت الخلافات السياسية والعسكرية الجوهرية دون معالجة.

ويقدم نموذج مينداناو في الفلبين باعتباره مثالاً على الدور الرقابي للمجتمع المدني بعد توقيع الاتفاق، إذ أنشئت آليات أهلية مستقلة لمراقبة وقف إطلاق النار بالتوازي مع فرق المراقبة الدولية، وشارك ممثلو المجتمع المدني والسلطات المحلية والقيادات الدينية في التحقق من تنفيذ الاتفاق والإبلاغ عن الخروقات، بما منح المدنيين دوراً تنفيذياً دائماً يتجاوز مرحلة التفاوض.

وينتقل المقال إلى نظرية الدبلوماسية متعددة المسارات التي ترى أن السلام لا يصنعه المسار الحكومي الرسمي وحده، بل يتطلب تفاعلاً بين تسعة مسارات تشمل الحكومات، والمجتمع المدني، والأعمال، والإعلام، والمؤسسات الدينية، والتعليم، والبحث، والعمل الحقوقي، والعمل الخيري. كما يوضح أن القيادة العليا، والقيادات الوسطى، والقيادات الشعبية تؤدي أدواراً متكاملة، وأن الوسطاء المحليين يمتلكون ميزة خاصة في بناء الثقة والحفاظ على قنوات التواصل بحكم معرفتهم بالسياق الاجتماعي.

ويستعرض المقال التجربة السودانية في مسار “من الشعب إلى الشعب” ومؤتمر وونليت عام 1999، حيث قاد مجلس كنائس جنوب السودان عملية مصالحة بين الدينكا والنوير شارك فيها زعماء القبائل والقيادات الدينية والنساء والشباب والمجتمعات المحلية، وانتهت بميثاق مفصل عالج قضايا المختطفين واللاجئين والماشية والخدمات وإعادة التوطين، ثم استمرت المتابعة عبر مجلس سلام دائم ومؤتمرات لاحقة. ويرى المقال أن هذه المبادرة الشعبية ساهمت في تهيئة المناخ للتقارب السياسي الذي سبق اتفاق مشاكوس ثم اتفاقية نيفاشا، مما يجعلها سابقة سودانية مهمة تؤكد قدرة المسارات المجتمعية على دعم المفاوضات الرسمية.

ويحلل تجربة المرحلة الانتقالية السودانية بين 2019 و2021 بوصفها نموذجاً للإدماج المؤسسي، إذ تمكنت القوى المدنية عبر الاحتجاجات والضغط الشعبي من انتزاع شراكة رسمية في الوثيقة الدستورية وتوزيع منظم للسلطة داخل المجلس السيادي ومجلس الوزراء، مع تضمين ترتيبات خاصة بعملية السلام. إلا أن انقلاب أكتوبر 2021 كشف هشاشة هذا الإدماج، إذ استطاع طرف عسكري واحد إنهاء الشراكة وتعطيل الوثيقة، ثم أجهضت الحرب التي اندلعت في 2023 أي محاولة لإعادة بناء الترتيبات الانتقالية. ويستنتج المقال أن الضمانات القانونية والمؤسسية تبقى ضعيفة إذا لم تستند إلى ضغط شعبي مستمر يرفع كلفة الانقلاب عليها.

ويضيف المقال تجربة جنوب السودان بعد الانفصال باعتبارها تحذيراً من هيمنة النخب العسكرية والسياسية على عمليات السلام، إذ أدى إقصاء المجتمع المدني إلى هشاشة اتفاقات تقاسم السلطة وتجدد القتال وفقدان الثقة الشعبية في العملية السياسية، بما يؤكد مجدداً أن غياب المشاركة المجتمعية عامل أساسي في ضعف استدامة التسويات.

ويحدد المقال عدداً من العوائق البنيوية التي تمنع القوى المدنية السودانية من تكرار النماذج الدولية الناجحة، أهمها الانقسام الحاد بين التحالفات المدنية، وغياب حركة احتجاج جماهيرية واسعة بسبب ظروف الحرب والنزوح، واستمرار تركيز الوسطاء الدوليين على الأطراف المسلحة وحدها، إضافة إلى اختلاف السياق السوداني الحالي عن تجربة وونليت من حيث تعدد الفاعلين وتعقيد البنية القبلية والسياسية والعسكرية.

وفي ضوء المقارنة النظرية والتجارب العملية، يقترح المقال مجموعة من الآليات الواقعية، تبدأ بتوحيد الصف المدني وصياغة برنامج مشترك قبل المطالبة بأي تمثيل تفاوضي، ثم إنشاء لجان فرعية متخصصة داخل أي عملية سلام لتمثيل قضايا المدنيين والنازحين، وتنظيم أشكال جديدة من التعبئة الشعبية داخل السودان وخارجه لزيادة كلفة تجاهل المدنيين، والمطالبة بعضوية مستقلة في آليات مراقبة تنفيذ وقف إطلاق النار، وإحياء تقاليد الوساطة المجتمعية المحلية المستندة إلى التجربة السودانية، وتفعيل قنوات الدبلوماسية متعددة المسارات عبر المؤسسات الأكاديمية والدينية والإعلامية والحقوقية لتكوين مصادر موازية للشرعية والخبرة.

ويخلص المقال إلى أن الأدلة العلمية والتجارب المقارنة تثبت أن مشاركة المجتمع المدني تزيد من فرص نجاح اتفاقات السلام واستدامتها، لكن هذه المشاركة لا تتحقق تلقائياً، بل تُنتزع عبر مزيج من الضغط الشعبي المنظم، وبناء الخبرة المؤسسية، والرقابة المستقلة، والوساطة المجتمعية، والعمل المتوازي عبر مسارات متعددة. ويرى أن القوى المدنية السودانية تمتلك إرثاً تاريخياً كبيراً في الاحتجاج والعمل الأهلي، إلا أنها لم تنجح بعد في تحويل هذا الرصيد إلى استراتيجية تفاوضية موحدة، وأن استمرار الانقسام الداخلي يمثل العقبة الأكبر أمام تحويل شعار “لا سلام بلا مدنيين” إلى واقع مفروض على طاولة التفاوض.

النص الكامل للمقال

مقدمة تحليلية

منذ سقوط نظام عمر البشير في أبريل 2019 وحتى اندلاع الحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع في أبريل 2023، ظل السؤال عن موقع “القوى المدنية” في أي تسوية سياسية سودانية سؤالاً ملحاً يتكرر في كل منعطف، لكنه اكتسب طابعاً وجودياً مختلفاً بعد اندلاع الحرب: فحين يتقاتل طرفان مسلحان على السلطة والموارد، هل يملك من لا يحمل سلاحاً أي أوراق ضغط حقيقية تفرض حضوره على طاولة تفاوض يتحكم فيها من يملك المدفعية والطائرات المسيّرة؟ الإجابة السائدة في الخطاب السياسي السوداني، سواء من مؤيدي “صمود” أو “تأسيس” أو الكتلة الديمقراطية، تراوحت بين شعارات عريضة عن “حتمية الحل المدني” وبين واقع مرير أظهر إقصاء القوى المدنية عن كل جولة تفاوض جوهرية منذ منبر جدة الأول في مايو 2023 وحتى الآلية الرباعية ومقترحها مطلع 2026. هذه الفجوة بين الدعوى الشعاراتية والممارسة الفعلية هي جوهر الجدل الذي يتناوله هذا المقال.

فالقوى المدنية السودانية، رغم انقسامها العميق بين تحالف “صمود” بقيادة عبدالله حمدوك وتحالف “تأسيس” الذي تنظر إليه أطراف من الحرية والتغيير بوصفه “الذراع السياسية لقوات الدعم السريع”، والكتلة الديمقراطية الأقرب لمواقف المؤسسة العسكرية، تكرر في خطابها العلني مطالبات تكاد تكون متطابقة: “لا حل عسكرياً”، “لا سلام بلا مدنيين”، “الشعب صاحب القرار”، وهي شعارات صحيحة من الناحية المبدئية والقانونية، لكنها لا تجيب على السؤال العملي الأكثر إلحاحاً: كيف تُترجَم هذه المطالب إلى مقاعد فعلية حول طاولة تفاوض يتحكم في تصميمها وسطاء دوليون وإقليميون يتعاملون بصورة أساسية مع من يملك السلاح؟ ويشير تقرير حديث لمعهد الوادي المتصدع للأبحاث (Rift Valley Institute)، الصادر في ديسمبر 2025 بالتعاون مع منصة “التعاون الأكاديمي السوداني-النرويجي”، إلى أن تضييق نطاق عمليات السلام السودانية المتكرر عبر تاريخها -باستبعاد النساء والشباب والمجتمعات المتضررة مباشرة من النزاع- أضعف شرعية هذه العمليات بصورة منهجية، وقوّض ملكيتها المحلية، وترك الاتفاقات الناتجة عنها منفصلة عن الواقع الاجتماعي الذي يُفترض أن تعالجه (Rift Valley Institute, 2025)، وهو تشخيص يؤكد أن المشكلة ليست عرضية بل بنيوية ومتكررة عبر عقود من تاريخ التفاوض السوداني، من نيفاشا إلى أبوجا إلى الدوحة إلى جوبا إلى جدة.

يقدّم هذا المقال قراءة نقدية شاملة وموسّعة، مؤسَّسة على أدبيات علمية محكّمة حول تضمين المجتمع المدني في مفاوضات إنهاء الحروب الأهلية، تمتد من الكتاب المرجعي الذي أشرفت عليه ثانيا بافنهولز عام 2010 بعنوان “المجتمع المدني وبناء السلام: تقييم نقدي”، الذي قارن أحد عشر حالة عبر العالم من غواتيمالا إلى أيرلندا الشمالية إلى البوسنة والهرسك إلى قبرص وإسرائيل/فلسطين وأفغانستان ونيبال وسريلانكا والصومال، إلى الدراسات الكمية الحديثة التي طوّرتها ديزيريه نيلسون وإيساك سفينسون، مروراً بتجارب مقارنة موثقة من كولومبيا وليبيريا واليمن والفلبين، وصولاً إلى تجربة السودان الذاتية في مسار “من الشعب إلى الشعب” الذي قادته كنيسة جنوب السودان الجديد في تسعينيات القرن الماضي، وفي المرحلة الانتقالية 2019-2021، لتفكيك الفارق الجوهري بين “الدعوى الشعاراتية” التي تكتفي بترديد حق المدنيين في المشاركة، وبين “الآليات الواقعية” القابلة للتطبيق والمسنودة بأدلة تجريبية دقيقة على فعاليتها.

الإطار النظري: لماذا يستبعد المفاوضون المجتمع المدني تقليدياً؟

قبل الانتقال إلى الآليات العملية، يستوجب الأمر فهم السبب الذي يجعل استبعاد المجتمع المدني هو الافتراض الافتراضي في أغلب عمليات التفاوض بين المتحاربين، لا الاستثناء. فقد وثّقت أدبيات محكّمة متعددة، من بينها أعمال شافرين وساوندرز في مطلع التسعينيات، وفيشر في 1997، وبارنز في 2002 و2005، وهيمر وزملاؤه في 2006، وبيل وأورورك في 2007، ولانز في 2011، وصولاً إلى وانيس-سانت جون وكيو في 2008، أن الوسطاء والمفاوضين الرسميين يميلون تاريخياً إلى تفضيل استبعاد جماعات المجتمع المدني عن طاولة المفاوضات الرئيسية (Wanis-St. John and Kew, 2008)، لأسباب عملية بحتة من وجهة نظرهم: فزيادة عدد الفاعلين على الطاولة تعقّد حسابات المساومة وتبطئ الوصول إلى اتفاق، وتمنح كل طرف مسلح ذريعة لرفض التنازل بحجة “تعدد الأصوات غير الممثلة فعلياً لأحد”. هذا التفضيل البنيوي لدى الوسطاء هو أول ما يجب أن تدركه القوى المدنية السودانية: فالإقصاء الذي تشتكي منه ليس سوء نية عابرة بل نمطاً عالمياً متكرراً يتطلب استراتيجية مضادة مدروسة لا مجرد احتجاج أخلاقي.

وقد قدّمت الباحثة النمساوية-الألمانية ثانيا بافنهولز، مديرة مبادرة “السلام الشامل” ومقرها الأكاديمي معهد الدراسات الدولية والتنموية العليا في جنيف، أحد أهم الأطر التصنيفية في هذا الميدان عبر مشروع بحثي استمر من عام 2005 إلى 2010 وتُوّج بكتابها المرجعي “المجتمع المدني وبناء السلام: تقييم نقدي” الصادر عن دار لين رينر في واشنطن، والذي طبّق إطاراً تحليلياً شاملاً على إحدى عشرة حالة قطرية عبر القارات: غواتيمالا، وأيرلندا الشمالية، والبوسنة والهرسك، وتركيا (المسألة الكردية)، وقبرص، وإسرائيل وفلسطين، وأفغانستان، ونيبال، وسريلانكا، والصومال، ونيجيريا (منطقة دلتا النيجر) (Paffenholz, 2010). وقد حدّدت بافنهولز في هذا العمل، ثم طوّرتها لاحقاً في دراستها المنشورة عام 2014 في دورية “التفاوض” الصادرة عن معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، سبع وظائف جوهرية يمكن للمجتمع المدني أن يؤديها في سياقات النزاع وبناء السلام: الحماية (Protection)، والمراقبة (Monitoring)، والمناصرة (Advocacy)، والتنشئة الاجتماعية (Socialization)، والتماسك الاجتماعي (Social Cohesion)، والتيسير (Facilitation)، وتقديم الخدمات (Service Delivery) (Paffenholz, 2010)، مؤكدة عبر دراسة مقارنة معمّقة لاثنتي عشرة حالة أن الأهمية النسبية لكل وظيفة من هذه الوظائف تختلف اختلافاً جذرياً بحسب السياق المحدد لكل نزاع، بحيث لا يمكن تعميم نموذج واحد ثابت على كل الحالات (Paffenholz, 2014).

والأهم من هذا التصنيف الوظيفي هو ما طوّرته بافنهولز لاحقاً من “تسعة نماذج للإدماج” (Nine Models of Inclusion)، مرتبة من الأكثر مباشرة إلى الأقل مباشرة في مستوى مشاركة المجتمع المدني داخل عملية التفاوض الرسمية نفسها (Paffenholz, 2014): يبدأ أولها بـ”التمثيل المباشر” الكامل، حيث يجلس ممثلو المجتمع المدني كطرف مفاوض رسمي كامل العضوية جنباً إلى جنب مع الأطراف المسلحة، كما حدث في مؤتمر اللويا جيرغا الطارئ في أفغانستان عام 2001 وفي مؤتمر الحوار الوطني اليمني عام 2013-2014؛ ويليه نموذج “اللجان الفرعية المتخصصة” حيث تُنشأ هيئات فنية داخل هيكل التفاوض الرئيسي مكلفة بمعالجة قضايا بعينها كالنوع الاجتماعي أو حقوق الإنسان، كما حدث في كولومبيا؛ ويليه نموذج “الاستشارة” حيث يُستمَع لممثلي المجتمع المدني دون منحهم صوتاً تصويتياً رسمياً؛ ثم نموذج “جمع المدخلات العامة” عبر استطلاعات وجلسات استماع موسّعة؛ ثم نموذج “التيسير” حيث تلعب منظمة مجتمع مدني دولية دور الوسيط التقني بين الأطراف، كما فعلت منظمتا “موارد التوفيق” اللندنية و”مركز الحوار الإنساني” الجنيفي في تيسير مجموعة الاتصال الدولية الخاصة بمفاوضات الفلبين مع جبهة مورو الإسلامية للتحرير عبر تقديم الدعم الفني للوساطة الرسمية الماليزية (Paffenholz, 2014؛ Dag Hammarskjöld Foundation, 2016)؛ وصولاً إلى النماذج الأقل مباشرة كـ”الاحتجاجات الشعبية” في الشارع، وهو النموذج الذي مثّلته تجربة ليبيريا كما سيتضح لاحقاً. هذا التدرج التسعيني يفيد القوى المدنية السودانية في تصميم استراتيجيتها بدقة أكبر: فبدل التفكير في المشاركة كثنائية “إما مقعد كامل أو استبعاد تام”، يمكن التفكير في مسار تصاعدي عبر تسعة درجات متفاوتة من الإدماج، يبدأ من الاحتجاج والاستشارة وينتهي، إن أمكن، بالتمثيل المباشر الكامل.

في المقابل، طوّرت الباحثة السويدية ديزيريه نيلسون، الأستاذة بجامعة أوبسالا، واحدة من أهم الدراسات الكمية التي تنقض هذا التفضيل التقليدي لدى الوسطاء من الأساس. فقد حللت نيلسون في دراستها المرجعية المنشورة عام 2012 في دورية “التفاعلات الدولية” تحت عنوان “ترسيخ السلام: فاعلو المجتمع المدني في اتفاقات السلام والسلام المستدام”، بيانات ثلاثة وثمانين اتفاق سلام موقّعاً من أربعين حرباً أهلية مختلفة خلال الفترة الممتدة بين عامي 1989 و2004، مستخدمة بيانات برنامج أوبسالا لبيانات النزاعات (UCDP)، وتوصلت إلى نتيجة إحصائية حاسمة: أن تضمين فاعلي المجتمع المدني -كالمنظمات الدينية والنسائية وجماعات حقوق الإنسان- في اتفاق السلام يزيد بصورة ملموسة وقابلة للقياس إحصائياً من احتمال صموده وعدم تجدد العنف بعده (Nilsson, 2012). والأهم أن نيلسون وجدت أن اتفاقات السلام التي جمعت بين مشاركة فاعلي المجتمع المدني والأحزاب السياسية معاً كانت الأكثر صموداً على الإطلاق مقارنة بأي تركيبة أخرى من الفاعلين، وأن تأثير تضمين المجتمع المدني كان بالغ الوضوح إحصائياً تحديداً في السياقات غير الديمقراطية التي تفتقر إلى مؤسسات تمثيلية راسخة (Nilsson, 2012)، وهي الحالة السودانية بامتياز حيث لم تُجرَ انتخابات تعددية حقيقية منذ عقود.

وقد أضافت أبحاث لاحقة، من بينها دراسة كراوس وكراوس وبرانفورس المنشورة عام 2018 في دورية “التفاعلات الدولية” تحت عنوان “مشاركة المرأة في مفاوضات السلام واستدامة السلام”، بُعداً إضافياً بالغ الدقة، إذ بيّنت أن السلام أكثر ترجيحاً للاستمرار على المدى الطويل حين يُشرَك فاعلو المجتمع المدني ومجموعة واسعة من الأحزاب السياسية والنساء معاً في عملية السلام (Krause et al., 2018)، معتمدة على تحليل يشمل بيانات كل اتفاقات السلام الموقّعة في حقبة ما بعد الحرب الباردة. كما بيّنت دراسة أوسع نطاقاً استندت إلى بيانات برنامج أوبسالا، ونُشرت في دورية “المنظورات الدراسية الدولية” الصادرة عن مطبعة جامعة أكسفورد عام 2024، أن أربعين بالمئة من اتفاقات السلام تنهار خلال خمس سنوات من توقيعها، وأن معدل تجدد النزاع يتجاوز ستين بالمئة إجمالاً عبر مئتين وتسعة وخمسين نزاعاً مسلحاً مسجلاً في قاعدة بيانات أوبسالا، مع تسجيل مئة وتسعة وخمسين حالة تجدد نزاع موزعة على مئة وخمس وثلاثين دولة مختلفة، وهي أرقام تجعل من “الشمولية” (Inclusivity) معياراً إحصائياً قابلاً للقياس لا مجرد شعار أخلاقي، خصوصاً مع ملاحظة أن عدد النزاعات المتجددة قد تجاوز عدد النزاعات المندلعة حديثاً بصورة خاصة بعد عام 2001 (International Studies Perspectives, 2024).

طوّر الباحثون لاحقاً هذا الإطار عبر مفهوم “الإدماج الاستراتيجي أو التدريجي” (Strategic/Incremental Inclusion)، الذي طرحه شيدل ودودوييه في دراستهما المنشورة عام 2020 عن مؤسسة بيرغهوف الألمانية للأبحاث بعنوان “تحولات الحركات المتمردة إلى أحزاب سياسية وبناء السلام”، والذي يشير إلى أن مشاركة المجتمع المدني يمكن أن تأخذ أشكالاً متعددة عبر مراحل مختلفة من عملية التفاوض، ومع مجموعات متعددة من فاعلي المجتمع المدني في آن واحد، وليس بالضرورة عبر مقعد دائم وموحّد على طاولة المفاوضات الرئيسية منذ اللحظة الأولى (Schädel and Dudouet, 2020؛ International Studies Perspectives, 2024)، وهو تمييز جوهري يفيد القوى المدنية السودانية في تصميم استراتيجيتها: فالمشاركة قد تبدأ عبر آليات استشارية موازية، ثم تتصاعد إلى تمثيل في لجان فنية متخصصة، قبل أن تصل -إن أمكن- إلى مقعد كامل في الجلسات الرئيسية، مروراً بكل الدرجات التسع التي حددتها بافنهولز.

نظرية “كسر الأبواب”: كيف يُكتسَب الإدماج فعلياً؟

الدراسة الأكثر أهمية لسؤال هذا المقال تحديداً هي الدراسة التي نشرتها نيلسون وزميلها إيساك سفينسون، أستاذ بحوث السلام والنزاع بجامعة أوبسالا، عام 2023 في دورية “أبحاث السلام” تحت عنوان “دفع الأبواب لتُفتَح: العمل غير العنيف والإدماج في مفاوضات السلام”، والتي تعد أول دراسة كمية واسعة النطاق تفحص أسباب حدوث الإدماج ذاته، لا مجرد أثره على استدامة السلام كما فعلت الدراسات السابقة (Nilsson and Svensson, 2023). فبعد تحليل بيانات شهرية دقيقة لجهود صنع السلام في جميع النزاعات الداخلية المسلحة في أفريقيا والأمريكتين خلال الفترة الممتدة من عام 1989 إلى عام 2018، أي ما يقارب ثلاثة عقود كاملة من البيانات المرصودة شهرياً، توصل الباحثان إلى استنتاج محوري: أن فاعلي المجتمع المدني يكتسبون نفوذاً تفاوضياً فعلياً عبر مسارين رئيسيين لا ثالث لهما إحصائياً: الأول هو التعبئة الاحتجاجية المدنية غير العنيفة (Mobilization of Civilian Protest)، والثاني هو بناء الثقة عبر جهود الحوار المستمرة (Trust-Building through Dialogue) (Nilsson and Svensson, 2023). بعبارة أخرى: لا يُمنَح المقعد التفاوضي طوعاً، بل يُنتزَع إما عبر ضغط شعبي منظّم يجعل تجاهل المجتمع المدني مكلفاً سياسياً للأطراف المسلحة والوسطاء معاً، أو عبر تراكم صبور من الثقة والخبرة الفنية يجعل حضور فاعل مدني بعينه ذا قيمة مضافة يصعب الاستغناء عنها. وقد استعرض الباحثان في دراستهما هذه أدبيات سابقة حول فاعلية الاحتجاج المدني أثناء الحروب الأهلية، من بينها أعمال أرخونا 2015 وبارتر 2014 وتشينوويث وهندريكس وهانتر 2019 ودورف 2019 وفولرز وكيرتش 2020، وأعمال كابلان 2017 حول قدرة المجتمعات المحلية على اتخاذ إجراءات متنوعة أثناء النزاعات العنيفة لتعزيز مصالحها الخاصة، فضلاً عن أعمال حديثة حول العلاقة المباشرة بين الاحتجاجات وعمليات السلام كتلك التي قدّمها آبس 2021 ودودوييه 2017 وليفينتوغلو وميترنيتش (Nilsson and Svensson, 2023).

هذه النظرية تجد سنداً تجريبياً صارخاً في تجربة ليبيريا 2003، وهي من أكثر الحالات توثيقاً في أدبيات دراسات النوع الاجتماعي والسلام، وقد وثّقتها بالتفصيل دراسة حالة نشرتها منظمة “السلام الشامل” (Inclusive Peace) ضمن سلسلة دراسات حالة “النساء في عمليات السلام والانتقال” حول الفترة الممتدة من 2003 إلى 2011. فبعد أربعة عشر عاماً من الحرب الأهلية التي اندلعت أساساً منذ عام 1989 وأودت بحياة نحو مئتين وخمسين ألف شخص، قادت الناشطة ليما جبووي، بالتعاون مع كريستال روه غاودينغ والأخصائية الاجتماعية كومفورت فريمان، حركة “العمل الجماعي النسائي من أجل السلام” التي انبثقت أساساً من “شبكة بناء السلام والنساء في غرب أفريقيا” (WIPNET/WANEP)، وجمعت نساء مسيحيات ومسلمات من خلفيات عرقية وطبقية متباينة في اعتصامات صامتة يومية بملابس بيضاء موحدة أمام مقر الرئيس تشارلز تايلور في مونروفيا وفي سوق السمك المحلي، تضمنت الصيام والصلاة المشتركة والاعتصام أمام المباني الحكومية، إضافة إلى إضراب جنسي رمزي انطلقت فكرته أصلاً من امرأة مسلمة داخل الحركة، مستلهمة جزئياً من حركة الحقوق المدنية الأمريكية، وتهديد بلعنة تقليدية لدفع الرجال “الصامتين” إلى التحرك (Nobel Women’s Initiative, n.d.؛ Wikipedia, Women of Liberia Mass Action for Peace؛ Democracy Now, 2015). وقد أوضحت جبووي لاحقاً في مقابلة تلفزيونية أن الحركة انطلقت من مجموعتين أساسيتين هما الحكومة والفصيل المتمرد، ثم توسعت الحرب لتشمل ما بين اثني عشر إلى ثلاثة عشر جماعة مسلحة مختلفة، وأن استجابة الجميع لهذا التوسع كانت مزيداً من العنف أو مزيداً من الأسلحة، وهو ما دفع النساء إلى قناعة بأن أي تغيير حقيقي يجب أن يكون سلمياً بالكامل (Democracy Now, 2015).

وبحلول أبريل 2003، بلغت الحركة من الحجم والصخب ما جعل تايلور غير قادر على تجاهلها بعد أسابيع من التجاهل المتعمد، فاضطر لعقد لقاء استمعت فيه جبووي، بصفتها ممثلة الحركة النسائية، لمطلب مباشر وجّهته إليه شخصياً: “نساء ليبيريا تعبن من الحرب، تعبن من الفرار، تعبن من التسول من أجل حبوب البرغل، تعبن من اغتصاب أطفالهن، نحن الآن نتخذ هذا الموقف لتأمين مستقبل أطفالنا” (Profile Dossier, 2023). ولم تكتفِ الحركة بالضغط من الداخل، بل تمكنت لاحقاً من دفع كل من تايلور والفصائل المتمردة للموافقة على الانخراط في محادثات سلام إقليمية عُقدت في أكرا بغانا، حيث قادت جبووي وفداً نسائياً إلى مقر المحادثات الرسمية، مستخدمة اللافتات والهتافات الجماعية لتذكير المفاوضين بالفظائع المستمرة داخل ليبيريا (Inclusive Peace Case Study, 2021)، وحين تعثرت المحادثات لأسابيع متواصلة بينما اندلعت حرب واسعة النطاق فعلياً في العاصمة مونروفيا في تلك الأثناء، شكّلت النساء حاجزاً بشرياً مادياً حول قاعة الاجتماعات في فندق أكرا وحاصرن المفاوضين ومنعنهم فعلياً من مغادرة القاعة أو حتى استخدام الحمامات حتى توصلوا إلى تسوية فعلية ملموسة، وهي حادثة تعرضت خلالها جبووي شخصياً لاتهامات بعرقلة سير العدالة تعرّضها لخطر الاعتقال (Academy of Achievement, 2021؛ Cambridge University Press, 2013). وقد وثّق هذه التجربة بالتفصيل فيلم وثائقي بعنوان “صلّي كي يعود الشيطان إلى الجحيم” (Pray the Devil Back to Hell)، وحصلت جبووي على جائزة نوبل للسلام عام 2011 مشاركةً مع الرئيسة الليبيرية إلين جونسون سيرليف والناشطة اليمنية توكل كرمان، لتصبح ثاني وثالث امرأة أفريقية تحصلان على الجائزة بعد الكينية وانغاري ماثاي (Nobel Women’s Initiative, n.d.). وبعد توقيع اتفاق السلام الشامل الليبيري، لم تتوقف مساهمة الحركة النسائية عند حدود التفاوض، إذ دعت منظمات “شبكة نساء ليبيريا من أجل السلام” (MARWOPNET) و”مبادرة النساء الليبيريات” و”شبكة بناء السلام والنساء” مجموعة واسعة من النساء إلى اجتماع في قاعة بلدية مونروفيا لترجمة كل بند من بنود اتفاق السلام خطوة بخطوة ومناقشة التدابير اللازمة لضمان تنفيذه الفعلي على الأرض (Inclusive Peace Case Study, 2021)، وهو ما يمثل امتداداً طبيعياً لوظيفة “المراقبة” التي حددتها بافنهولز ضمن الوظائف السبع للمجتمع المدني.

الدرس المباشر لهذه التجربة أن المقعد التفاوضي لم يُمنَح لجبووي وحركتها، بل انتُزع عبر تعبئة جماهيرية ضخمة ومنظمة استهدفت مكان انعقاد المفاوضات ذاته، لا مجرد إصدار بيانات مطلبية من الخارج، وهو ما يجسّد بدقة متناهية المسار الأول من مساري الإدماج اللذين حددتهما نيلسون وسفينسون: التعبئة الاحتجاجية المباشرة.

نموذج الإدماج المؤسسي: اللجنة الفرعية الجندرية في كولومبيا

إذا كانت تجربة ليبيريا تمثل نموذج “الضغط الاحتجاجي المباشر”، فإن تجربة كولومبيا 2012-2016 تمثل النموذج المؤسسي البديل: أي كيفية تحويل الضغط الشعبي الأولي إلى آلية دائمة ومندمجة داخل هيكل التفاوض الرسمي ذاته، وهو ما يمثّل الدرجة الثانية من درجات الإدماج التسع عند بافنهولز. فحين بدأت المفاوضات الرسمية بين الحكومة الكولومبية والقوات المسلحة الثورية “فارك” في هافانا في أكتوبر 2012، لم تكن هناك سوى امرأة واحدة من أصل عشرين مفاوضاً في الجولة الأولى -بحسب دراسة نشرتها مجلة “السياسة العالمية” (Global Policy) التابعة لجامعة دورهام عام 2024- وهو ما دفع قيادات المجتمع المدني النسائي إلى تنظيم “القمة الوطنية الأولى للمرأة والسلام” في أكتوبر 2013 لتقييم أجندة التفاوض وتقديم توصيات مباشرة لفريقي التفاوض (ABColombia, 2018؛ Wiley Global Policy, 2024). وقد أثمرت هذه الضغوط عن قرار الرئيس خوان مانويل سانتوس بتعيين ماريا باولينا ريفيروس ونيجيريا رينتيريا في فريق التفاوض الحكومي عام 2013 (Wiley Global Policy, 2024)، ثم عن نتيجة غير مسبوقة في تاريخ عمليات السلام العالمية بأسرها: تأسيس “اللجنة الفرعية الجندرية” (Gender Sub-Commission) في هافانا نهاية عام 2014، وهي آلية فريدة ضمّت ممثلين عن الحكومة والفارك معاً بتكليف صريح بإدماج المنظور الجندري في كل فصول الاتفاق النهائي دون استثناء (Conciliation Resources, 2016).

وبين ديسمبر 2014 ومارس 2015 وحدها، استضافت هذه اللجنة ثلاثة وفود من منظمات المجتمع المدني ضمت ثمانية عشر شخصاً يمثلون قضايا نسائية ومثلية وعابرة النوع، بما في ذلك منظمات تعمل في مجال حقوق المثليين والمزدوجين والعابرين وحاملي صفات الجنسين، ليصبح الاتفاق الكولومبي أول اتفاق سلام في التاريخ يتناول صراحة حقوق مجتمع الميم في نص تفاوضي رسمي، وهو ما وثّقه تقرير منظمة “موارد التوفيق” اللندنية عام 2016، وأيضاً تقرير قدّمته الشبكة العالمية للنساء والقانون إلى مجلس حقوق الإنسان الأممي في نوفمبر 2022 (Conciliation Resources, 2016؛ OHCHR Submission, 2022). والأهم من ذلك أن هذه اللجنة لم تكن هامشية أو استشارية بحتة، بل شارك ممثلوها فعلياً في “اللجنة الفرعية الفنية لإنهاء النزاع”، حيث كانت وفود الجيش الحكومي وقيادات الفارك تناقش تفاصيل وقف إطلاق النار الثنائي وتسليم السلاح، أي أن ممثلي المجتمع المدني حصلوا على موطئ قدم داخل أكثر اللجان الفنية حساسية وسرية في المفاوضة العسكرية ذاتها (NOREF, 2023)، وفي مايو 2016، أي قبيل اختتام المفاوضات، دعت اللجنة مجموعة من المقاتلات السابقات من عمليات سلام أخرى -من آتشيه الإندونيسية وكولومبيا نفسها والسلفادور وغواتيمالا وأيرلندا الشمالية وجنوب أفريقيا وأوروغواي- لمشاركة خبراتهن في إعادة الإدماج المدني بعد نزع السلاح (NOREF, 2023).

وبحلول عام 2015، شكّلت النساء عشرين بالمئة من فريق التفاوض الحكومي وثلاثة وأربعين بالمئة من وفد الفارك، وهي نسبة تعكس تناسباً مباشراً مع نسبة النساء المقاتلات داخل الحركة المسلحة نفسها التي كانت تُقدَّر بنسبة مماثلة (Wiley Global Policy, 2024). خمسة وفود من ضحايا الحرب، بلغ إجمالي أفرادها ستين شخصاً، ستون بالمئة منهم نساء، سافروا شخصياً إلى هافانا لعرض شهاداتهم مباشرة أمام طاولة التفاوض، فيما شارك أكثر من ثلاثة آلاف ضحية في منتديات عامة أقيمت داخل كولومبيا نفسها عبر البلاد بأكملها لجمع مقترحات ميدانية مباشرة من المتضررين (ABColombia, 2018). كما نظّمت الحركة النسائية الكولومبية قمة وطنية ثانية للمرأة والسلام في بوغوتا بين التاسع عشر والحادي والعشرين من سبتمبر 2016، بدعم من هيئة الأمم المتحدة للمرأة، جمعت خمسمئة امرأة كولومبية للتأكيد على أهمية مشاركة النساء في المصادقة النهائية على الاتفاق التاريخي والتحقق منه وتنفيذه لاحقاً (UN Women, 2016)، إضافة إلى تنظيم النساء “محاكم نسائية” (Cortes de Mujeres) كفضاءات علنية مخصصة لإظهار الجرائم المرتكبة ضد النساء أثناء الحرب، وتنظيم جولات ميدانية عبر البلاد لجمع شهادات نساء حول العنف الذي تعرضن له لنشرها في تقرير وطني موحّد (Christian Peacemaker Teams, 2016).

الدرس هنا مختلف جوهرياً عن ليبيريا: فبدل الضغط الخارجي المؤقت، بُنيَت آلية دائمة ومؤسسية داخل هيكل التفاوض ذاته، بحيث أصبح تمثيل المجتمع المدني جزءاً من تصميم العملية لا مجرد صوت خارجي يُستمَع إليه أحياناً، وهو ما اعتبرته دراسة لاحقة نشرتها مجلة “السياسة العالمية” عام 2024 نموذجاً معترفاً به دولياً كأحد أكثر اتفاقات السلام شمولاً على الإطلاق في التاريخ الحديث، وإن أشارت الدراسة ذاتها إلى وجود علامات جمود لاحقة في تنفيذ المنظور الجندري مع دخول الاتفاق نصفه الثاني من فترة تنفيذ ممتدة على خمسة عشر عاماً (Wiley Global Policy, 2024).

نموذج الحصص الرسمية الموسّعة: مؤتمر الحوار الوطني اليمني 2013-2014

يقدّم مؤتمر الحوار الوطني اليمني، الذي عُقد على مدى عشرة أشهر كاملة بين مارس 2013 ويناير 2014 تنفيذاً لمبادرة مجلس التعاون الخليجي التي أعقبت ثورة 2011 وتنحي الرئيس علي عبدالله صالح، نموذجاً ثالثاً بالغ الأهمية لأنه أقرب النماذج المقارنة إلى السياق العربي والإقليمي المباشر للسودان. فقد ضمّ المؤتمر خمسمئة وخمسة وستين عضواً وفق نظام حصص دقيق صممته اللجنة التحضيرية الفنية للمؤتمر: خمسون بالمئة من المقاعد للجنوب اليمني، وثلاثون بالمئة للنساء، وعشرون بالمئة للشباب دون سن الأربعين (Conciliation Resources, n.d.). وقد خُصّص أربعون مقعداً مستقلاً لكل من منظمات المجتمع المدني والشباب والنساء غير المنتسبين لأحزاب سياسية، أي مئة وعشرون مقعداً من أصل خمسمئة وخمسة وستين لهذه الفئات الثلاث مجتمعة كحصة إضافية فوق الحصص العامة (Yemen Policy Center, 2024)، فيما ألزمت اللائحة الأحزاب السياسية المشاركة بتخصيص ثلاثين بالمئة من مقاعدها الحزبية الخاصة للنساء تحديداً، وهو ما رفع إجمالي تمثيل النساء في المؤتمر إلى مئة واثنين وخمسين مقعداً من أصل خمسمئة وخمسة وستين، أي نحو سبعة وعشرين بالمئة من الأعضاء (ReliefWeb, 2015).

وقد أعلنت اللجنة التحضيرية عن هذه الحصص عبر حملة إعلانية وطنية واسعة، فتلقت في غضون أسبوعين فقط ما يقارب عشرة آلاف طلب ترشح من مواطنين يمنيين راغبين في شغل المقاعد المخصصة للفئات المستقلة، وهي استجابة غير مسبوقة تعكس عطشاً مجتمعياً هائلاً للمشاركة السياسية المباشرة (Inclusive Security, n.d.). ونصّت اتفاقية مجلس التعاون الخليجي على أن لجنة صياغة الدستور ستأخذ توصيات مؤتمر الحوار بعين الاعتبار، وحين أُقسمت لجنة الصياغة اليمين لاحقاً، اضطرت فعلياً للقسم بأنها ستراعي كل توصيات المؤتمر وأن الدستور الجديد لن يخالف أياً منها، وهو ما رفع القيمة القانونية الفعلية لمخرجات المؤتمر من مجرد توصيات استشارية إلى التزام دستوري شبه ملزم (Inclusive Security, n.d.). كما تضمنت مخرجات المؤتمر إقراراً بحصة ثلاثين بالمئة للنساء في جميع المناصب العليا والهيئات المنتخبة والوظائف المدنية مستقبلاً، وحصة عشرين بالمئة للشباب في السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية على حد سواء، بما يشمل مجالس إدارات الأحزاب السياسية والمنظمات وكل الهيئات المشاركة في الشؤون السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية للدولة (Atlantic Council, 2019).

غير أن هذا النموذج، رغم طموحه التصميمي وشموليته الاستثنائية، لم يخلُ من انتقادات جوهرية توثقها دراسة مركز السياسات اليمنية عام 2024: فقد شعرت مجموعات النساء والشباب أنها هُمّشت رغم الحصص المخصصة لها، واتُّهمت العملية بأنها “اختُطفت” من قبل النخب السياسية والاجتماعية التقليدية رغم الإطار الرسمي الشامل ظاهرياً (Inclusive Security, n.d.). وقد وثّقت الصحفية جميلة علي راجا، إحدى المندوبات المستقلات في المؤتمر، أن نسبة تسعة وسبعين بالمئة من النساء أدركن في نهاية المطاف أنهن لن يُمثَّلن فعلياً ما لم توجد حصة إلزامية، حتى بين مندوبات الأحزاب الأكثر محافظة، بينما اعتبرت مندوبات أخريات، من بينهن بهية الصقاف الممثلة عن حزب الحراك الجنوبي الانفصالي، أن قضية المساواة الجندرية بقيت مهمشة أمام قضايا أكثر إلحاحاً كمطلب الحكم الذاتي الجنوبي (Al Jazeera, 2014). وقد انهار المسار السياسي اليمني بأكمله لاحقاً مع سيطرة الحوثيين على صنعاء في سبتمبر 2014 واندلاع الحرب الأهلية الشاملة، وهو ما يذكّر بدرس نيفاشا وجنوب السودان: أن الشمولية التصميمية الدقيقة، مهما بلغت طموحها العددي، لا تضمن وحدها استدامة التسوية إن لم تعالج جذور الخلاف السياسي والأمني العميق.

آلية المراقبة الأهلية الموازية: درس مينداناو الفلبينية

يضيف نموذج مينداناو الفلبيني بُعداً رابعاً لهذه المعادلة: كيف يمكن للمجتمع المدني أن يمارس دوراً رقابياً وتنفيذياً بعد توقيع الاتفاق، لا فقط أثناء التفاوض عليه، وهو ما يجسّد وظيفة “المراقبة” (Monitoring) بدقة ضمن الوظائف السبع التي حددتها بافنهولز. فمنذ اتفاق وقف الأعمال العدائية الشامل بين الحكومة الفلبينية وجبهة مورو الإسلامية للتحرير الموقّع عام 1997، أنشأت منظمات محلية فلبينية منذ عام 2002 آلية مراقبة أهلية مستقلة عُرفت باسم “حراسة وقف إطلاق النار” (Bantay Ceasefire)، عملت بالتوازي مع فريق المراقبة الدولي الرسمي المكوّن من دول رابطة “آسيان”، وقدّمت تقارير بديلة مكّنت المجتمعات المحلية والمنظمات المدنية من امتلاك مصدر معلومات مستقل تماماً عن روايات الطرفين المتحاربين (USIP Special Report, n.d.). وقد أضاف هذا الهيكل عام 2009 “عنصر حماية مدنية” رسمياً ضمن بنية فريق المراقبة الدولي نفسه، بمشاركة ممثلين عن الحكم المحلي والمجتمع المدني والقطاع الديني في فرق مراقبة محلية تضم خمسة أعضاء في كل منطقة (PeaceGovPH, 2020؛ Official Gazette Philippines, 2012)، وقد لعبت منظمتا “موارد التوفيق” اللندنية و”مركز الحوار الإنساني” الجنيفي، وهما منظمتان دوليتان متخصصتان في الوساطة، دور “التيسير” الفني ضمن مجموعة الاتصال الدولية التي دعمت الوساطة الماليزية الرسمية، وهو نموذج بافنهولز الخامس ضمن نماذجها التسعة للإدماج (Dag Hammarskjöld Foundation, 2016). هذا النموذج يبرهن أن مسار إدماج المجتمع المدني لا ينتهي بتوقيع الاتفاق، بل يمكن أن يتحول إلى وظيفة رقابية دائمة تمنح المدنيين نفوذاً تنفيذياً ملموساً في تحديد ما إذا كان أحد الطرفين قد خرق الاتفاق، وهي وظيفة يصعب على أي طرف عسكري السيطرة عليها بالكامل.

نظرية “الدبلوماسية متعددة المسارات”: الإطار الجامع

يقدّم إطار “الدبلوماسية متعددة المسارات” (Multi-Track Diplomacy)، الذي طوّرته لويز دايموند وجون ماكدونالد ابتداءً من التمييز الأول الذي وضعه الدبلوماسي جوزيف مونتفيل عام 1982 بين “المسار الأول” الرسمي الحكومي و”المسار الثاني” غير الرسمي، الإطار النظري الجامع الذي يفسر كيف يمكن لكل هذه الآليات المتفرقة أن تعمل بتناغم. فقد كتب ماكدونالد أول مؤلَّف عن الدبلوماسية ذات المسار الثاني عام 1985 أثناء عمله في وزارة الخارجية الأمريكية، ثم وسّع التمييز الثنائي الأولي إلى خمسة مسارات عام 1989 شملت الحكومة ومهنيي حل النزاعات وقطاع الأعمال والمواطنين العاديين والإعلام، قبل أن يعمل بالتعاون مع لويز دايموند على توسيع الخمسة مسارات إلى تسعة مسارات متكاملة عام 1991، بإضافة أربعة مسارات جديدة هي: المؤسسات الدينية، والنشاط الحقوقي، والبحث والتدريب والتعليم، والعمل الخيري، ليصدرا كتابهما المشترك “الدبلوماسية متعددة المسارات: نهج منظومي للسلام” في ديسمبر 1991، ويؤسسا بعده معهد الدبلوماسية متعددة المسارات في واشنطن عام 1992 (IMTD, 2017؛ Beyond Intractability, 2003). والابتكار المفاهيمي الجوهري في هذا الإطار هو أنه لا يضع المسار الأول الحكومي في قمة هرم، بل يرتب جميع المسارات في دائرة مترابطة يعتمد بعضها على بعض، بحيث لا يمكن لأي مسار وحده أن ينتج سلاماً مستداماً، بل تتولد “السينرجيا” (Synergy) -وهو مصطلح دايموند ذاتها- فقط حين تعمل المسارات كافة بتنسيق فيما بينها دون أن يكون هناك طرف واحد “مسؤول” عن توجيه البقية، إذ يتخذ كل مسار قراراته المستقلة لأسبابه الخاصة، لكن تفاعل هذه المسارات معاً يمكن أن يفضي إما إلى مزيد من السلام أو مزيد من النزاع بحسب طبيعة هذا التفاعل (Diamond and McDonald, 1996؛ Beyond Intractability, n.d.).

ويميز باحثون لاحقون، من بينهم جون بول ليدراخ في نموذجه الهرمي الشهير الذي طرحه بالتعاون مع بول فير عام 1991، بين ثلاثة مستويات من القيادة يجب إشراكها معاً: القيادة العليا الرسمية (السياسية والعسكرية والدينية) في المسار الأول تجري مفاوضات رسمية رفيعة المستوى، والقيادة الوسطى من الجماعات العرقية والأكاديمية والإنسانية في المسار الثاني عبر ورش حل النزاع والتدريب على حله والعمل ضمن فرق وساطة داخلية شبه محايدة (Wehr and Lederach, 1991)، والقيادة الشعبية القاعدية في المسار الثالث. كما يميز الباحثون بين ثلاثة أنماط من الوسطاء يمكن للقوى المدنية أن توظفهم بحسب دراسة المجلس الأوسطي للشؤون العالمية الصادرة عام 2024: الوسيط المحايد الخارجي، والوسيط الدولي، والوسيط الداخلي شبه المحايد الذي تكمن قوته تحديداً في فهمه الثقافي المحلي العميق (Middle East Council on Global Affairs, 2024)، مع تأكيد الدراسة ذاتها على أن دور وسطاء المسار الثاني غالباً ما ينصبّ ليس على الهدف الطموح المتمثل في إنهاء النزاع المسلح كلياً، بل على ما يجيدونه أكثر: بناء واستدامة العلاقات بين الجماعات المتخاصمة وإبقاء قنوات التواصل مفتوحة بينها حتى في أحلك لحظات القطيعة، وهي مهمة تتطلب فهماً عميقاً لتاريخ العداء الذي غالباً ما يمتد إلى ما هو أبعد من بداية آخر جولة من العنف (Middle East Council on Global Affairs, 2024)، وهو النمط الأخير الذي يمكن للجان المقاومة والإدارات الأهلية السودانية أن تشغله بفعالية أكبر من أي وسيط دولي بعيد عن السياق المحلي.

التجربة السودانية الذاتية الأولى: مسار “من الشعب إلى الشعب” ومؤتمر وونليت 1999

قبل التجربة الانتقالية لعام 2019، قدّم السودان نفسه، في نسخته الجنوبية آنذاك قبل الانفصال، نموذجاً مبكراً بالغ الأصالة لما يمكن تسميته “الوساطة الأهلية شبه المحايدة”: مسار “من الشعب إلى الشعب” (People-to-People Peace Process) الذي قاده مجلس كنائس جنوب السودان الجديد (NSCC) بدءاً من عام 1997. فقد انطلقت هذه المبادرة حين اجتمع المجلس بقيادة الحركة الشعبية لتحرير السودان في يونيو 1997 للحصول على تفويض رسمي بلعب دور صانع السلام في جنوب السودان، ثم يسّر في يونيو 1998 مؤتمراً جمع زعماء قبليين وكنسيين من مجتمعي الدينكا والنوير في بلدة لوكيتشوكيو الكينية لمناقشة أفضل السبل لاستعادة السلام بعد ما يقارب سبع سنوات ونصف من الاقتتال بين المجتمعين (New Sudan Council of Churches Project Proposal, n.d.). وقد أفضى ذلك الاجتماع إلى قرار بعقد مؤتمر أكبر وأشمل في قرية وونليت بمحافظة تونج التابعة لإقليم بحر الغزال، خصّص له السكان المحليون قرية كاملة أُنشئت خصيصاً لاستيعاب نحو ألف وخمسمئة مشارك حضروا المؤتمر (Wikipedia, Wunlit).

انعقد “مؤتمر السلام والمصالحة بين الدينكا والنوير في الضفة الغربية”، المعروف اختصاراً بمؤتمر وونليت، من السابع عشر من فبراير حتى الثامن من مارس 1999، وجمع أكثر من ثلاثمئة مندوب من زعماء ورجال دين وقادة مدنيين ومجتمعيين وشيوخ ونساء وشباب من الدينكا في تونج ورومبيك ويرول، ومن النوير في أعالي النيل الغربية، تحت رعاية مجلس كنائس جنوب السودان الجديد، وانتهى بتوقيع “ميثاق وونليت” الذي تضمن قرارات تفصيلية بشأن الأشخاص المفقودين والمخطوفين، وإنشاء فرق لتحديد هوية المختطفين من الجانبين، وترتيبات لعودة اللاجئين واستعادة الماشية التي لا تخضع لأحكام العفو العام، وتحديد مناطق ذات أولوية عاجلة لإعادة بناء المجتمعات وإعادة توطين النازحين من الجانبين، وتحديد أولويات الخدمات المطلوبة كحفر الآبار والرعاية الصحية والمدارس والمساعدات الإنسانية الفورية لعمليات إعادة التوطين (Wunlit Dinka Nuer Covenant and Resolutions, PA-X, n.d.). وقد أُنشئ عقب المؤتمر “مجلس السلام بين الدينكا والنوير في الضفة الغربية”، الذي اجتمع في دورة خاصة بمدينة يرول من الخامس والعشرين إلى الثلاثين من سبتمبر 1999، أي بعد ستة أشهر فقط من توقيع الميثاق، لمراجعة التقدم المحرز، حيث كشفت جلسات سرد القصص المكثفة عن إنجازات ملموسة تضمنت الاستقبال السلمي لآلاف النازحين من النوير الذين دخلوا مناطق الدينكا هرباً من قتال ترعاه حكومة الخرطوم في أعالي النيل الغربية، وتوسيع عملية المصالحة لتشمل الضفة الشرقية للنيل بين الشعوب النيلوتية والاستوائية (Dinka Nuer West Bank Peace Council Communication, PA-X, n.d.).

وقد أعقب مؤتمر وونليت سلسلة مؤتمرات مماثلة: مؤتمر مصالحة عقده النوير اللو في أكوبو بأعالي النيل في أغسطس 1999 كجزء من عمليات السلام للضفة الشرقية، ومؤتمر سلام وحوكمة عُقد في واعت على الضفة الشرقية للنوير اللو في أكتوبر ونوفمبر من العام ذاته أسفر عن توقيع اتفاقيات سلام تضمنت التزامات بالمصالحة ووقف الأعمال العدائية وإنشاء آليات لحفظ السلام محلياً (New Sudan Council of Churches Project Proposal, n.d.)، لتتوّج هذه السلسلة من المؤتمرات المحلية المتعاقبة بمؤتمر “عموم الجنوب للسلام” المنعقد في مدينة كيسومو الكينية عام 2001 (Wikipedia, Wunlit). والأهم من الناحية التحليلية أن هذا المسار بأكمله اعتمد صراحة على مبدأ إشراك القاعدة الشعبية والقيادات متوسطة المستوى -بحسب وصف وثيقة مقترح مشروع مجلس الكنائس ذاتها- إذ تجذّر في الشيوخ التقليديين والمجموعات النسائية وقادة الكنائس، بهدف بناء الثقة بين مجتمعات الدينكا والنوير والشعوب النيلوتية الأخرى وصولاً إلى سلام دائم “من الشعب إلى الشعب”، عبر حوار تشاركي في كل مرحلة من مراحل العملية يُدخل مزيداً من الناس تدريجياً في وقائع المؤتمر ذاته (New Sudan Council of Churches Project Proposal, n.d.)، بحيث أُعيد ربط الزعماء التقليديين والسلطات المدنية والقادة الدينيين وممثلات النساء والحركات والتجمعات السياسية معاً للتوصل إلى اتفاقات بشأن المصالحة وحفظ السلام على المستوى المجتمعي.

والأبلغ دلالة أن هذا المسار الأهلي المحلي البحت لم يبقَ منعزلاً عن المسار السياسي الوطني الأكبر، بل مهّد فعلياً الطريق لتقارب لاحق بين زعيم الحركة الشعبية جون قرنق وزعيم فصيل النوير رياك مشار، وهو التقارب الذي شكّل أحد الأسس غير المباشرة لبروتوكول مشاكوس الموقّع في يوليو 2002، الذي كان بدوره الخطوة الأولى نحو اتفاقية السلام الشامل في نيفاشا عام 2005 (Wunlit Dinka Nuer Covenant and Resolutions, PA-X, n.d.). هذا يعني أن السودان، في تاريخه الذاتي قبل الانفصال، امتلك بالفعل سابقة عملية ناجحة نسبياً لما يمكن تسميته “المسار الثالث” في تصنيف ليدراخ: مصالحة شعبية قاعدية غير رسمية، لا تنافس المسار السياسي الرسمي بل تغذيه وتمهّد له، وهي سابقة يندر أن تُستحضر في النقاش السياسي السوداني الراهن رغم قيمتها المرجعية الهائلة.

التجربة السودانية الثانية: درس الوثيقة الدستورية 2019 وانهيارها

تقدّم التجربة السودانية الثانية، في المرحلة الانتقالية 2019-2021، حالة دراسية بالغة الأهمية لفهم كيف تُكتسَب المقاعد التفاوضية وكيف تُفقَد لاحقاً حتى بعد ضمانها مؤسسياً بصورة رسمية ودقيقة. فبعد سقوط نظام البشير في الحادي عشر من أبريل 2019 تحت ضغط احتجاجات شعبية استمرت منذ التاسع عشر من ديسمبر 2018، حين اندلعت الاحتجاجات أصلاً احتجاجاً على ارتفاع أسعار الخبز في مدينة عطبرة قبل أن تتوسع لتشمل كل البلاد، بدأت أولى جلسات التفاوض بين المجلس العسكري الانتقالي وقوى إعلان الحرية والتغيير وتجمع المهنيين السودانيين -أحد المكونات المدنية التي قادت الحراك الاحتجاجي منذ بدايته- في العشرين من أبريل 2019 (الجزيرة نت، 2025). غير أن هذه المفاوضات الأولى لم تُفضِ إلى اتفاق بشأن تشكيلة المجلس السيادي الانتقالي، وانهارت كلياً بعد فض اعتصام المتظاهرين أمام القيادة العامة للجيش بالقوة المفرطة في الثالث من يونيو 2019، وهو الحادث الذي أودى بحياة أكثر من مئة شخص وفقاً للجنة الأطباء المركزية السودانية، واتُّهمت فيه قوات الدعم السريع وقوات أخرى مساندة بارتكاب المجزرة (الجزيرة نت، 2025).

وقد كان هذا الحادث نفسه، رغم مأساويته الفادحة، مثالاً آخر على نظرية “كسر الأبواب” عند نيلسون وسفينسون: فالضغط الشعبي الهائل الذي أعقب المجزرة، مدعوماً بوساطة إثيوبية-أفريقية مكثفة قادها المبعوث الإثيوبي محمود درير، هو ما أعاد الطرفين إلى طاولة التفاوض وأنتج توقيع “الوثيقة الدستورية” في السابع عشر من أغسطس 2019 بين المجلس العسكري الانتقالي وقوى إعلان الحرية والتغيير، والتي حددت هياكل الفترة الانتقالية وسلطات الحكم بصورة دقيقة (الجزيرة نت، 2025). وقد خضعت هذه الوثيقة لاحقاً لتعديلات عدة، من أبرزها التعديل الذي أعقب توقيع اتفاقية جوبا للسلام في أكتوبر 2020، والتعديل الآخر الذي طرأ بعد اندلاع القتال بين الجيش وقوات الدعم السريع في أبريل 2023 (الجزيرة نت، 2025).

وقد نصّت الوثيقة الدستورية، بعد تعديلاتها اللاحقة، على تشكيل مجلس سيادي انتقالي من أربعة عشر عضواً وفق نظام حصص دقيق شبيه إلى حد بعيد بنظام الحصص اليمني، وإن كان أصغر حجماً بكثير: يسمي المجلس العسكري خمسة أعضاء منهم، وتختار قوى الحرية والتغيير خمسة أعضاء مدنيين، ويشترك الطرفان في تسمية عضو مدني واحد يمثل توافقاً بينهما، بينما تختار أطراف اتفاقية جوبا للسلام الموقعة عام 2020 ثلاثة أعضاء إضافيين (الشرق للأخبار، 2021). كما نصّت الوثيقة على تشكيل مجلس وزراء يتألف من رئيس وعدد من الوزراء يختارهم رئيس الوزراء من قائمة مرشحين تقدمها قوى إعلان الحرية والتغيير وأطراف اتفاقية جوبا للسلام، مع إتاحة صلاحية استبدال هؤلاء الممثلين للجهات التي اختارتهم أصلاً (الشرق للأخبار، 2021). كما نص المعهد المصري للدراسات في تحليله القانوني والسياسي لهذه الوثيقة على أن المجلس السيادي نجح فعلياً في فرض وجهة نظره في تصميم هيكل الحكم إلى حد كبير، بما يؤكد أن هذا المجلس لم يكن مجرد هيئة شكلية بروتوكولية على غرار الأنظمة البرلمانية التقليدية، بل مجلساً حقيقياً يملك صلاحيات فعلية قد تشكل لاحقاً عرقلة أمام بقية المؤسسات الانتقالية، وهو ما تحقق بالفعل لاحقاً كما سيتضح (المعهد المصري للدراسات، 2024). كما ركّزت الوثيقة على عملية السلام تحديداً خلال الأشهر الستة الأولى من الفترة الانتقالية، عبر مفوضية سلام يختارها المجلس السيادي بالتشاور مع مجلس الوزراء، مع تكليفها بمراجعة الاتفاقات السابقة الموقعة بين الحركات المسلحة والحكومة لمعالجة ما بها من اختلالات (المعهد المصري للدراسات، 2024).

هذا التمثيل الكمي المحدد بنسب دقيقة يمثل نموذجاً “للإدماج المؤسسي المضمون” أشبه بما تحقق في اللجنة الفرعية الجندرية الكولومبية وفي نظام الحصص اليمني معاً، لكنه أثبت هشاشته الفادحة حين انقلب قائد الجيش عبدالفتاح البرهان على الشراكة مع المكوّن المدني في الخامس والعشرين من أكتوبر 2021، مطيحاً برئيس الوزراء عبدالله حمدوك ومعلّقاً العمل بالوثيقة الدستورية بصورة فعلية كاملة (المعهد المصري للدراسات، 2024). وقد حاولت مبادرات لاحقة، من بينها اقتراح “المجلس التنسيقي المدني العسكري” الذي طُرح لتعديل المادة الثمانين من الوثيقة الدستورية لتأطير علاقة تنسيقية جديدة بين المدنيين والعسكريين تحل محل الشراكة المنهارة عقب انقلاب أكتوبر 2021 (الراكوبة، 2025؛ سودانايل، 2025)، مؤكدة على ضرورة اعتماد “منهج التدرُّج” وتحديد أولويات كل مرحلة، بدءاً من وقف إطلاق النار، مروراً ببناء التوافق السياسي والعسكري بين قوى الثورة خلال فترة انتقالية محددة الصلاحيات والمهام، ووصولاً إلى ترسيخ المدنية الديمقراطية عبر انتخابات حرة ونزيهة يشارك فيها الجميع دون إقصاء (سودانايل، 2025). لكن اندلاع الحرب في أبريل 2023 قبل استكمال هذا المسار التصحيحي أجهض التجربة بأكملها من جذورها.

الدرس الأهم من هذه التجربة السودانية الذاتية هو أن الإدماج المؤسسي الرسمي، مهما بلغت دقة صياغته العددية والقانونية وتفصيله الدستوري، يظل هشاً وقابلاً للانقلاب عليه من طرف عسكري واحد يملك القوة الفعلية على الأرض، ما لم يُسند بقوة ضغط شعبي مستمرة وقادرة على رفع كلفة الانقلاب على الشراكة بصورة فعلية ملموسة، وهو ما تفتقر إليه القوى المدنية الحالية المنقسمة بين صمود وتأسيس والكتلة الديمقراطية أشد الافتقار مقارنة بزخم موجة 2018-2019 الاحتجاجية التي أسقطت نظام البشير أصلاً.

درس مقارن إضافي: هشاشة الشمولية في جنوب السودان بعد الانفصال

يضيف تحليل نشرته مجلة “مجلة الصراع الأفريقي” التابعة لمنظمة “أكورد” الجنوب أفريقية عام 2024 درساً تحذيرياً إضافياً بالغ الأهمية من التجربة الجنوب سودانية اللاحقة على الانفصال، إذ يوثّق التحليل أن عملية السلام التي قادتها الهيئة الحكومية الدولية للتنمية “إيغاد” في جنوب السودان ظلت مهيمَناً عليها من قبل النخب السياسية والعسكرية، إلى حد إقصاء المجتمع المدني وعموم الجمهور بصورة شبه كاملة (ACCORD, 2024). وقد وثّق التحليل شهادة أحد قادة الكنائس عبّر عن استيائه مما وصفه بـ”التحريض العنيف” الذي مارسه ناشطون مطالبون بمشاركة أوسع، معتبراً أنه “لا داعي لهذا القدر من المواجهة” لأن جنوب السودان دولة فتية لم تبلغ بعد مستوى يمكّنها من ممارسة المقاومة السلمية الفعالة (ACCORD, 2024). وقد أثمر اتفاق حل النزاع الموقّع في أغسطس 2015 عن ترتيب لتقاسم السلطة أعاد رياك مشار نائباً للرئيس سلفا كير في أبريل 2016، لكن هذا الترتيب انهار خلال أشهر قليلة حين اندلع قتال عنيف في جوبا في يوليو 2016 اضطر مشار للفرار من البلاد، ليعلن لاحقاً في سبتمبر من العام ذاته عودته إلى التمرد المسلح (ACCORD, 2024). وقد تعرض “الاتفاق المنشّط لحل النزاع” (R-ARCSS) الموقّع لاحقاً في سبتمبر 2018 لانتقادات حادة بشأن ضعفه البنيوي وإخفاقاته المتكررة، وثّقتها دراسات متعددة بين عامي 2018 و2022، فيما فقد المواطنون الثقة تدريجياً في الاتفاق وسط بطء التنفيذ وتجدد النزاعات المحلية عبر البلاد، مع تفاقم الوضع بفعل ما وصفته تقارير دولية بـ”انعدام الأمن السياسي والخراب الاقتصادي والكوارث الطبيعية” مجتمعة (ACCORD, 2024). هذا الدرس يؤكد مجدداً، من زاوية سودانية-جنوب سودانية مشتركة التاريخ، أن هيمنة النخب السياسية والعسكرية على تصميم عملية السلام، وإقصاء المجتمع المدني والجمهور العريض عنها، ليست فقط انتهاكاً لمبدأ العدالة التمثيلية، بل عاملاً بنيوياً مباشراً في تفسير هشاشة أي تسوية لاحقة وقابليتها للانهيار المتكرر.

العوائق البنيوية أمام تكرار هذه النماذج في السودان الراهن

عند مقارنة هذه النماذج الستة -وونليت وليبيريا وكولومبيا واليمن ومينداناو والسودان في 2019- بواقع القوى المدنية السودانية الراهن في حربها الثانية منذ 2023، تبرز عوائق بنيوية متعددة تفسر لماذا ظلت الدعاوى الشعاراتية أسبق من الآليات الفعلية حتى الآن. أول هذه العوائق هو الانقسام الداخلي الحاد ذاته: فرفض تحالف الحرية والتغيير الجلوس مع تحالف “تأسيس” باعتباره ذراعاً سياسية للدعم السريع يُضعف قدرة القوى المدنية مجتمعة على تكرار نموذج “القمة الوطنية للمرأة والسلام” الكولومبية أو نموذج الحصص اليمني الموحّد، اللذين وحّدا الأصوات المتفرقة في كتلة ضغط واحدة قبل طلب أي مقعد تفاوضي (الجزيرة نت، 2026؛ مونت كارلو الدولية، 2026). ثانيها غياب حركة احتجاجية جماهيرية موازية لحركة “العمل الجماعي النسائي” الليبيرية أو موجة 2018-2019 الاحتجاجية السودانية ذاتها، إذ إن ظروف الحرب الحالية -النزوح الجماعي الذي تجاوز أحد عشر مليوناً وثمانمئة ألف شخص بحسب تقرير هيومن رايتس ووتش العالمي لعام 2026، منهم سبعة ملايين وأربعمئة ألف نازح داخلياً وأربعة ملايين ومئتا ألف لاجئ في دول الجوار، وانهيار البنية الأمنية وتشتت السكان بين المدن والمخيمات- تجعل تنظيم اعتصامات حاشدة أمام مقار القيادة العسكرية أو أمام مقار التفاوض في جدة أو أبوظبي أمراً بالغ الصعوبة مقارنة بسياق سلمي نسبياً كالسياق الليبيري أو السوداني في 2019 قبل اندلاع الحرب (هيومن رايتس ووتش، 2026).

ثالثها أن الوسطاء الدوليين أنفسهم، ممثلين في الآلية الرباعية، ما زالوا يتعاملون بصورة شبه حصرية مع الجيش وقوات الدعم السريع باعتبارهما الطرفين الوحيدين القادرين على وقف القتال فعلياً، وهو ما يكرر النمط التقليدي لتفضيل الوسطاء استبعاد الفاعلين غير المسلحين توفيراً للوقت والجهد التفاوضي، تماماً كما وثّقت الأدبيات النظرية منذ أعمال ساوندرز وفيشر. رابعها، وهو عائق أكثر عمقاً تكشفه المقارنة التاريخية، أن السودان نفسه امتلك في تاريخه القريب سابقة “من الشعب إلى الشعب” الناجحة نسبياً في وونليت 1999، لكن هذه السابقة ارتبطت بسياق محدد للغاية: مجتمعات محلية متجانسة نسبياً (الدينكا والنوير) يتوسط بينها فاعل ديني موحّد وذو مصداقية عابرة للطرفين (مجلس الكنائس)، وهو سياق يصعب تكراره حرفياً في حرب 2023-2026 التي تشمل أطرافاً أكثر تعقيداً وتشظياً جغرافياً وعرقياً وسياسياً، من قوات الدعم السريع بتحالفاتها القبلية المتعددة في دارفور إلى فصائل الحركة الشعبية-شمال في النيل الأزرق وجبال النوبة إلى “بنادق المناطق” المتنامية في مناطق السيطرة المختلفة.

الآليات الواقعية القابلة للتطبيق: تركيب نهائي

بناءً على هذا التحليل النظري والمقارن الموسّع، يمكن تركيب مجموعة من الآليات الواقعية التي تتجاوز الدعوى الشعاراتية إلى فعل تفاوضي ملموس، مستندة كل منها إلى سند نظري وتجريبي محدد. فأولاً، توحيد الصف المدني قبل طلب أي مقعد، على غرار ما بدأ يتحقق جزئياً في لقاءات أديس أبابا بين الكتلة الديمقراطية وصمود في يونيو 2026 التي أنتجت “إعلان مبادئ سوداني” مشتركاً يرفض التقسيم ويطالب بمنظومة أمنية موحدة (الشرق الأوسط، 2026)، ذلك أن الوسطاء الدوليين، كما تؤكد أدبيات نيلسون وسفينسون، لا يمنحون نفوذاً تفاوضياً حقيقياً لأطراف متناحرة فيما بينها بقدر ما يمنحونه لكتلة ضغط موحدة وواضحة المطالب، تماماً كما فعلت “القمة الوطنية للمرأة والسلام” الكولومبية حين وحّدت شبكات نسائية متفرقة قبل أي طلب رسمي للمشاركة.

ثانياً، بناء آلية مؤسسية فرعية متخصصة داخل أي مسار تفاوضي مقبل، على غرار اللجنة الفرعية الجندرية الكولومبية أو نظام الحصص المخصصة لمنظمات المجتمع المدني في الحوار الوطني اليمني، تُكلَّف تحديداً بإدماج قضايا حماية المدنيين وتمثيل النازحين والمتضررين في صياغة بنود الهدنة والاتفاق النهائي، بدل الاكتفاء بمسار سياسي عام منفصل تماماً عن التفاصيل الفنية لوقف إطلاق النار وترتيبات الانسحاب، مع الاستفادة من درجات الإدماج التسع التي حددتها بافنهولز لاختيار الدرجة الأنسب لكل مرحلة من مراحل التفاوض بدل الاكتفاء بثنائية الإدماج الكامل أو الاستبعاد الكامل.

ثالثاً، تفعيل التعبئة الاحتجاجية المنظمة، ولو بصورة مختلفة عن النموذج الليبيري بحكم ظروف الحرب، عبر لجان المقاومة والإدارات الأهلية وشبكات المغتربين السودانيين في الخارج التي تتجاوز أعدادها بحسب تقديرات دولية عدة ملايين موزعين بين مصر والسعودية والإمارات وأوروبا وأمريكا الشمالية، بحيث تصل رسالة واضحة للوسطاء والأطراف المتحاربة معاً بأن تجاهل التمثيل المدني يحمل كلفة سياسية وإعلامية متصاعدة، تماماً كما فعلت جبووي حين حاصرت قاعة مفاوضات أكرا فعلياً حتى انتزعت تسوية.

رابعاً، اشتراط تمثيل مستقل داخل أي “لجنة مشتركة” أو “آلية تحقق” تُنشأ لمراقبة تنفيذ الهدنة نفسها، على غرار نموذج “حراسة وقف إطلاق النار” الفلبينية وفرق المراقبة المحلية المكوّنة من خمسة أعضاء في كل منطقة، بما يمنح القوى المدنية دوراً تنفيذياً رقابياً ملموساً يمتد إلى ما بعد توقيع أي اتفاق، لا مجرد حضور رمزي أثناء التفاوض عليه، وهو ما يجسّد وظيفة “المراقبة” ضمن الوظائف السبع لبافنهولز.

خامساً، إحياء واستلهام سابقة “من الشعب إلى الشعب” السودانية الذاتية في وونليت 1999، عبر تفعيل شبكات دينية ومجتمعية وقبلية سودانية موحدة قادرة على لعب دور الوسيط الداخلي شبه المحايد في المناطق الأكثر تضرراً كدارفور وكردفان، مستفيدة من الخبرة التاريخية المتراكمة لمثل هذه الشبكات في احتواء نزاعات محلية سابقة قبل اندلاع الحرب الحالية.

سادساً وأخيراً، استثمار مبدأ “الدبلوماسية متعددة المسارات” عبر تفعيل قنوات موازية للمسار الرسمي الأول -كمنابر أكاديمية وحقوقية ودينية وإعلامية- تراكم شرعية وخبرة فنية تجعل استبعاد ممثليها عن أي تسوية نهائية مكلفاً معرفياً وسياسياً للوسطاء أنفسهم، مع إدراك أن المسارات التسعة التي حددها ماكدونالد ودايموند تعمل كمنظومة مترابطة لا هرمية، بحيث يمكن للمسار الديني أو الأكاديمي أو الإعلامي أن يراكم نفوذاً موازياً للمسار السياسي الرسمي دون انتظار إذن مسبق منه.

خاتمة نقدية

إن الفارق الجوهري بين “الدعوى الشعاراتية” و”الآلية الواقعية” في سؤال مشاركة القوى المدنية السودانية ليس فارقاً في صدق النوايا أو عدالة المطلب، بل فارق في فهم آلية اكتساب النفوذ التفاوضي ذاتها. فالأدلة التجريبية المتراكمة عبر أكثر من ثلاثة عقود من الدراسات الكمية المحكّمة، من كتاب بافنهولز المرجعي عام 2010 إلى دراسة نيلسون عام 2012 إلى دراسة كراوس وزملائه عام 2018 إلى دراسة نيلسون وسفينسون عام 2023، تؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن إدماج المجتمع المدني يرفع فعلياً من احتمال صمود أي تسوية، لكن هذا الإدماج، كما تُظهر تجارب وونليت وليبيريا وكولومبيا واليمن ومينداناو والسودان نفسه في 2019، لا يُمنَح طوعاً من الأطراف المسلحة أو الوسطاء، بل يُنتزَع عبر مزيج دقيق من التعبئة الشعبية المنظمة، وبناء آليات مؤسسية فرعية متخصصة يصعب الاستغناء عن خبرتها الفنية، ومراقبة تنفيذية مستقلة تمتد إلى ما بعد التوقيع، واستثمار شبكات وساطة داخلية شبه محايدة تراكمت عبر تاريخ طويل من التجربة المحلية. والحقيقة الأكثر إلحاحاً التي تكشفها مقارنة هذه التجارب هي أن القوى المدنية السودانية، رغم امتلاكها لتراث نضالي هائل تجلى في ثورة ديسمبر 2018 وموجات الاحتجاج المتعاقبة، وتراث تاريخي أعمق يمتد إلى مسار وونليت 1999 وما تلاه، لم تنجح بعد في تحويل هذا الرصيد الأخلاقي والتاريخي إلى استراتيجية تفاوضية موحدة ومحكمة التصميم، وأن استمرار انقسامها الداخلي يظل العائق الأكبر أمام تحويل شعار “لا سلام بلا مدنيين” من دعوى مشروعة إلى واقع مفروض فعلياً على طاولة المتحاربين.

المراجع

  1. Diamond L, McDonald J. Multi-track Diplomacy: A Systems Approach to Peace. 3rd ed. West Hartford: Kumarian Press; 1996.
  2. Krause J, Krause W, Bränfors P. Women’s Participation in Peace Negotiations and the Durability of Peace. International Interactions. 2018;44(6):985-1016.
  3. McDonald JW. Multi-Track Diplomacy. In: Burgess G, Burgess H, editors. Beyond Intractability. Boulder: University of Colorado; 2003. [تاريخ الاطلاع: 22 يوليو 2026]
  4. Nilsson D. Anchoring the Peace: Civil Society Actors in Peace Accords and Durable Peace. International Interactions. 2012;38(2):243-266.
  5. Nilsson D, Svensson I. Pushing the Doors Open: Nonviolent Action and Inclusion in Peace Negotiations. Journal of Peace Research. 2023;60(4):589-604.
  6. Paffenholz T, editor. Civil Society and Peacebuilding: A Critical Assessment. Boulder: Lynne Rienner Publishers; 2010.
  7. Paffenholz T. Civil Society and Peace Negotiations: Beyond the Inclusion-Exclusion Dichotomy. Negotiation Journal. 2014;30(1):69-91.
  8. Schädel A, Dudouet V. Rebel-to-Party Transformations and Peacebuilding: Strategic Inclusion of Civil Society. Berlin: Berghof Foundation; 2020.
  9. Wanis-St. John A, Kew D. Civil Society and Peace Negotiations: Beyond the Inclusion-Exclusion Dichotomy. Negotiation Journal. 2008;24(1):11-36.
  10. Wehr P, Lederach JP. Mediating Conflict in Central America. Journal of Peace Research. 1991;28(1):85-98.
  11. ABColombia. Women’s Participation in the Colombian Peace Process. London: ABColombia/LatinNews; 2018. [تاريخ الاطلاع: 22 يوليو 2026]
  12. ACCORD (African Centre for the Constructive Resolution of Disputes). (Re)appraising the Role of Civil Society in the IGAD-led Peace Process for South Sudan. African Journal on Conflict Resolution. 2024. [تاريخ الاطلاع: 22 يوليو 2026]
  13. Academy of Achievement. Leymah Gbowee: Biography. Washington DC; 2021. [تاريخ الاطلاع: 22 يوليو 2026]
  14. Al Jazeera. Yemeni Women Fight for Greater Representation. Doha; 2014. [تاريخ الاطلاع: 22 يوليو 2026]
  15. Atlantic Council. What Yemen’s Youth Got Out of the National Dialogue Conference. Washington DC; 2019. [تاريخ الاطلاع: 22 يوليو 2026]
  16. Conciliation Resources. Innovations in the Colombian Peace Process: A Gender Subcommission. London; 2016. [تاريخ الاطلاع: 22 يوليو 2026]
  17. Conciliation Resources. Yemen: National Dialogue Conference, Managing Peaceful Change? London. [تاريخ الاطلاع: 22 يوليو 2026]
  18. Dag Hammarskjöld Foundation. Civil Society and Peacebuilding. Development Dialogue. 2016;(63):108-118.
  19. Democracy Now. Liberian Nobel Peace Prize Laureate Leymah Gbowee: How a Sex Strike Propelled Men to Refuse War. New York; 2015. [تاريخ الاطلاع: 22 يوليو 2026]
  20. Human Rights Watch. World Report 2026: Sudan Chapter. New York; 2026. [تاريخ الاطلاع: 22 يوليو 2026]
  21. Inclusive Peace. Case Study: Women in Peace and Transition Processes, Liberia (2003-2011). Geneva; 2021. [تاريخ الاطلاع: 22 يوليو 2026]
  22. Inclusive Security. Inclusive Political Settlements: New Insights from Yemen’s National Dialogue. Washington DC. [تاريخ الاطلاع: 22 يوليو 2026]
  23. Institute for Multi-Track Diplomacy. What Is Multi-Track Diplomacy? Washington DC; 2017. [تاريخ الاطلاع: 22 يوليو 2026]
  24. International Studies Perspectives. Let the People Speak! What Kind of Civil Society Inclusion Leads to Durable Peace? Oxford: Oxford University Press; 2024.
  25. Middle East Council on Global Affairs. Track II Diplomacy: How Can It Be More Effective? Doha; 2024. [تاريخ الاطلاع: 22 يوليو 2026]
  26. New Sudan Council of Churches. Project Proposal: The People-to-People Peace Process. [تاريخ الاطلاع: 22 يوليو 2026]
  27. NOREF (Norwegian Centre for Conflict Resolution). Towards an Inclusive Peace: Women and the Gender Approach in the Colombian Peace Process. Oslo; 2023. [تاريخ الاطلاع: 22 يوليو 2026]
  28. Official Gazette of the Philippines. Government of the Philippines-MILF Peace Process. Manila; 2012. [تاريخ الاطلاع: 22 يوليو 2026]
  29. PA-X Peace Agreements Database. Wunlit Dinka Nuer Covenant and Resolutions. Edinburgh: University of Edinburgh. [تاريخ الاطلاع: 22 يوليو 2026]
  30. PeaceGovPH. International Monitoring Team. Manila; 2020. [تاريخ الاطلاع: 22 يوليو 2026]
  31. ReliefWeb. Our Country, Our Peace: Why Women Must Be Included in Yemen’s Peace Process. 2015. [تاريخ الاطلاع: 22 يوليو 2026]
  32. Rift Valley Institute. Rethinking Peacemaking in Sudan. Nairobi; 2025. [تاريخ الاطلاع: 22 يوليو 2026]
  33. The Profile Dossier. Leymah Gbowee, The Peace Activist Who Ended a 14-Year Civil War. 2023. [تاريخ الاطلاع: 22 يوليو 2026]
  34. United States Institute of Peace. Special Report: Civil Society Monitoring in Mindanao. Washington DC. [تاريخ الاطلاع: 22 يوليو 2026]
  35. Wiley Global Policy. Gender Perspective in the Making: The Case of the Colombian Peacebuilding Process. 2024;15(S3):26-38.
  36. Wikipedia contributors. Wunlit Peace Conference. [تاريخ الاطلاع: 22 يوليو 2026]
  37. Yemen Policy Center. Yemen’s Incomplete National Dialogue: Insights on the Design and Negotiations Dynamics. Berlin; 2024. [تاريخ الاطلاع: 22 يوليو 2026]
  38. الجزيرة نت. الوثيقة الدستورية في السودان: الأسس القانونية لما بعد نظام البشير. الدوحة؛ 2025. [تاريخ الاطلاع: 22 يوليو 2026]
  39. الجزيرة نت. توافق قوى سياسية ومدنية سودانية في إثيوبيا: هل ينهي الأزمة؟ الدوحة؛ 2026. [تاريخ الاطلاع: 22 يوليو 2026]
  40. الشرق الأوسط. قوى سودانية تتوافق على مسار جديد لوقف الحرب. لندن؛ 2026. [تاريخ الاطلاع: 22 يوليو 2026]
  41. الشرق للأخبار. الوثيقة الدستورية السودانية: أطرافها وأبرز البنود والتعديلات. 2021. [تاريخ الاطلاع: 22 يوليو 2026]
  42. المعهد المصري للدراسات. الوثيقة الدستورية السودانية: قراءة قانونية سياسية. القاهرة؛ 2024. [تاريخ الاطلاع: 22 يوليو 2026]
  43. الراكوبة. إخماد الحرب بالوثيقة الدستورية. 2025. [تاريخ الاطلاع: 22 يوليو 2026]
  44. الراكوبة. مفاوضات وقف حرب السودان تعود للحياة برعاية خارجية. 2026. [تاريخ الاطلاع: 22 يوليو 2026]
  45. سودانايل. إخماد الحرب بالوثيقة الدستورية. 2025. [تاريخ الاطلاع: 22 يوليو 2026]
  46. سودانايل. القوى المدنية الديمقراطية: رازة ونطّاحة. 2026. [تاريخ الاطلاع: 22 يوليو 2026]
  47. مونت كارلو الدولية. توافق دولي على حكم مدني لأول مرة منذ اندلاع الحرب: هل يكسر مأزق الأزمة السودانية؟ 2026. [تاريخ الاطلاع: 22 يوليو 2026]
Author

د. عبد المنعم مختار

شارك هذا المقال
Email Copy Link Print

مصدرُك الموثوق للأخبار والتحليلات والآراء الدقيقة!

نقدّم تغطية دقيقة ومتوازنة، إلى جانب تحليلات معمّقة وآراء متنوعة تساعدك على فهم ما وراء الخبر. تابع آخر المستجدات والرؤى أولًا بأول.
3.5KLike
140Follow
5.5KFollow

يتصفح زوارنا الآن

إخيراً خرّ الإنتهازيون صرعى تحت أقدام أبو هاشم.! .. بقلم: الطيب الزين
منبر الرأي
تعليق على بيان الحركة الوطنية للتغيير .. بقلم: د. أحمد الياس حسين
منبر الرأي
أصل الشايقية من منظور اللغة المروية .. بقلم: د. مبارك مجذوب الشريف
منبر الرأي
الطيب صالح : أغلاط المطابع وزلات القلم (2-2) … بقلم : عبد المنعم عجب الفيا
منشورات غير مصنفة
عجائب الدنيا سبعة وعجائبي في السودان اكثر من سبعة ؟! (2) .. بقلم: د.حافظ النعيمة

مقالات ذات صلة

منبر الرأي

أين إيقونة الثورة الكنداكة ألاء صلاح ؟ .. بقلم: عثمان الطاهر المجمر طه / باريس

عثمان الطاهر المجمر طه
منبر الرأي

المشهد السياسي الان في السودن .. بقلم: عيسى ابراهيم

عيسى إبراهيم
منبر الرأي

رسائل في الكتابة: لم كتبت (آلام ظهر حادة) !! .. بقلم: عبدالغني كرم الله

عبدالغني كرم الله
منبر الرأي

هيئة علماء السودان تاريخ من الخزى وموالاة الحكام .. بقلم: عصام جزولي

طارق الجزولي
مساحة اعلانية
سودانايل
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
تصميم وتطوير JEDAR
Facebook Rss