باستخدامك هذا الموقع، فإنك توافق على سياسة الخصوصية وشروط الاستخدام.
موافق
الجمعة, 24 يوليو 2026
  • اختياراتنا لك
  • اهتماماتك
  • قائمة القراءة
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
سودانايل
أول صحيفة سودانية تصدر من الخرطوم عبر الانترنت
رئيس التحرير: طارق الجزولي
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • الرياضة
  • أعمدة
  • الثقافية
  • بيانات
  • تقارير
  • المزيد
    • دراسات وبحوث
    • وثائق
    • نصوص اتفاقيات
    • كاريكاتير
    • حوارات
    • الثقافية
    • اجتماعيات
    • عن سودانايل
    • اتصل بنا
Font ResizerAa
سودانايلسودانايل
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • بيانات
  • الرياضة
  • أعمدة
  • اجتماعيات
  • الثقافية
  • الرياضة
  • الملف الثقافي
  • بيانات
  • تقارير
  • حوارات
  • دراسات وبحوث
  • سياسة
  • فيديو
  • كاريكاتير
  • نصوص اتفاقيات
  • وثائق
البحث
  • قائمة القراءة
  • اهتماماتك
  • اختياراتنا لك
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
تابعنا
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
منبر الرأي
علاء خيراوي
علاء خيراوي عرض كل المقالات

حين يتحول شيوخ السلطان إلى شهود زور على التاريخ!

اخر تحديث: 24 يوليو, 2026 11:45 صباحًا
شارك

علاء خيراوي
عندما كتبت مقالي بعنوان “دِينُ الله ودِينُ الكيزان”، لم أكن قد استمعت حينها إلى حديث الشيخ محمد الأمين إسماعيل، وهو يحمل المواطن السوداني مسؤولية إشعال الحرب، ويربط ما حل بالبلاد بما سماه العصيان والابتعاد عن الله، وبخروج السودانيين على نظام عمر البشير، ثم قبولهم بقيام حكومة مدنية أو “علمانية”.

وقد تداولت منصات إعلامية ومقاطع مصورة حديثاً منسوباً إليه مفاده أن المواطن السوداني هو الذي بدأ الحرب عندما “حارب الله”، وأن الطلقة الأولى لم يطلقها الجيش ولا الدعم السريع، وإنما أطلقها الشعب بعصيانه وثورته.

وهذا خطاب لا يقف عند حدود الرأي السياسي الرديء، بل يتجاوزه إلى بناء إدانة دينية لشعب كامل، وتبرئة حملة السلاح، وتحويل الضحايا إلى متهمين، والجلادين إلى أدوات لتنفيذ عقوبة سماوية مزعومة.

ولو كان الأمر مجرد رأي عابر لشيخ من الشيوخ، لما استحق كل هذا التوقف. لكنه ليس رأياً معزولاً؛ إنه امتداد مباشر لخطاب كامل حكم السودان ثلاثين عاماً، وقام على معادلة شديدة الخطورة؛ الحاكم يحكم باسم الله، ومعارضة الحاكم معارضة لله، والخروج على السلطة فتنة، والتمرد على الظلم عصيان، والموت في حروب السلطة شهادة، والسكوت عن الاستبداد طاعة وقربة.

وهذه هي بالضبط المسافة التي تفصل بين دِين الله ودِين الكيزان.

فدِين الله يجعل العدل أساس الحكم، أما دِين الكيزان فيجعل بقاء الحاكم أساس الدين. دِين الله يحمّل القاتل مسؤولية القتل، أما دِين الكيزان فيحمّل القتيل مسؤولية موته. دِين الله يأمر بالصدق والشهادة بالقسط، أما دِين السلطان فيطلب من الشيخ أن يقف إلى جانب القوة، ثم يبحث لها بعد ذلك عن آية وحديث وتأويل.

إن القول بأن الحرب اشتعلت لأن السودانيين خرجوا ضد البشير لا يصمد أمام أبسط سؤال أخلاقي أو سياسي؛ من الذي امتلك الجيوش والمليشيات ومخازن السلاح؟ من الذي أنشأ المؤسسات العسكرية الموازية؟ من الذي سلّح القبائل، وأنشأ الدفاع الشعبي، ثم الجنجويد، ثم الدعم السريع؟ ومن الذي حوّل الدولة نفسها إلى شبكة من الأجهزة المسلحة المتنافسة؟

هل خرج المتظاهرون في عطبرة والخرطوم ومدني وبورتسودان وهم يحملون المدافع والطائرات؟ أم خرجوا بالهتاف واللافتة والعلم؟

إن ثورة ديسمبر بدأت احتجاجاً سلمياً على الغلاء وتدهور الأوضاع المعيشية، ثم تحولت إلى حركة جماهيرية واسعة طالبت بإنهاء ثلاثة عقود من الحكم السلطوي.

فأي عقل يقبل بعد ذلك قلب الصورة، بحيث يصبح الذي خرج أعزل مطالباً بالحرية هو مشعل الحرب، بينما يُعفى منها الجنرال الذي حرّك قواته، وقائد المليشيا الذي نشر مقاتليه، والتنظيم الذي بنى طوال عقود دولةً داخل الدولة؟

🔴 الإنقاذ لم تكن دولة دينية… بل سلطة استخدمت الدين

جاء نظام الإنقاذ إلى الحكم بانقلاب عسكري في الثلاثين من يونيو ١٩٨٩، فأطاح حكومة منتخبة، وعلّق الدستور، وحل الأحزاب والنقابات، وقيّد الصحافة، وبنى جهازاً أمنياً شديد البطش.

وجاء انقلاب البشير بتحالف وثيق مع الجبهة الإسلامية القومية، قبل أن يشرع النظام في مأسسة رؤيته الخاصة للشريعة والدولة، وتحويل العقيدة من علاقة بين الإنسان وربه إلى أداة لإخضاع المجتمع وحماية السلطة.

وهنا تبدأ المفارقة التي يتجنبها شيوخ السلطان دائماً؛ إذا كان “الخروج على الحاكم” إثماً دينياً يستوجب العقوبة، فماذا نسمي انقلاب البشير نفسه على حكومة شرعية منتخبة؟

هل كان انقلاب يونيو طاعة، وثورة ديسمبر عصياناً؟

هل يجوز للعسكري، إذا حمل السلاح واقتحم القصر وألغى الدستور، أن يصبح ولي أمر واجب الطاعة، بينما يصبح المواطن الذي يهتف سلمياً لإسقاطه خارجياً ومثيراً للفتنة؟

تلك ليست فتوى؛ تلك هندسة سياسية للضمير. وهي هندسة تجعل القوة مصدراً للشرعية؛ من استولى على الحكم صار إماماً، ومن قاومه صار عاصياً، ومن قتله الحاكم صار ضحية الفتنة التي صنعها بنفسه.

بهذا المنطق يصبح كل انقلاب ناجح قدراً إلهياً، وكل ثورة شعبية جريمة دينية. ويصبح استقرار كرسي الحاكم أهم من كرامة الأمة، وأمن السلطان مقدماً على دم الناس، وطاعة المستبد أوجب من مقاومة الظلم.

والإنقاذ منذ أيامها الأولى لم تكتفِ برفع الشعارات الدينية، بل أعادت صياغة الحرب الأهلية بوصفها حرباً مقدسة. لم تعد المواجهة في الجنوب وجبال النوبة صراعاً سياسياً حول السلطة والتهميش والهوية والحقوق، بل جرى تقديمها في خطاب التعبئة الرسمي باعتبارها “جهاداً”.

وأصبح الجنود والمجندون “مجاهدين”، وأصبحت ساحات القتال “ساحات للفداء”، وأصبح الموت فيها طريقاً مختصراً إلى الجنة.

وهذا هو الدرس الذي لم يتعلمه دعاة الدولة الدينية في السودان؛ عندما تُلبس الحرب ثوب العقيدة، لا تصبح أكثر عدلاً، بل تصبح أكثر وحشية؛ لأن المقاتل لا يعود يرى أمامه خصماً سياسياً أو مواطناً سودانياً مختلفاً، وإنما عدواً لله، وقتله عبادة، وإبادته تطهيراً للمجتمع.

وبذلك يُسحب من الضحية حقها الإنساني مرتين؛ مرة حين تُقتل، ومرة حين يُقال إن قتلها كان قربة إلى الله.

🟠 من الجنوب إلى جبال النوبة ودارفور

إن أخطر ما فعلته الإنقاذ لم يكن فقط أنها خاضت الحروب، بل أنها منحتها معنى دينياً وأخلاقياً زائفاً. فقد أخفت وراء رايات الجهاد مشكلات التهميش السياسي، والتمييز، والصراع على الموارد، وغياب العدالة في توزيع السلطة والثروة.

في الجنوب، لم يكن النزاع مجرد مواجهة بين الإسلام والمسيحية كما حاول خطاب التعبئة أن يصوره، وإنما كان صراعاً معقداً حول طبيعة الدولة، والهوية، والمواطنة، وتقاسم السلطة، وعلاقة المركز بالأقاليم.

لكن تحويل الحرب إلى جهاد سهّل على النظام تعبئة الشباب، وإسكات الأسئلة، واتهام المعارضين بالخيانة أو الوقوف ضد الإسلام.

وفي جبال النوبة، استُخدم الخطاب نفسه لتغطية حرب قاسية ضد مجتمعات تضم المسلمين والمسيحيين وأتباع المعتقدات المحلية. ولم يكن الضحايا يُعاملون بوصفهم مواطنين سودانيين لهم مطالب وحقوق، بل بوصفهم مشكلة أمنية وعقائدية ينبغي إخضاعها.

أما في دارفور، فقد ظهرت النتيجة النهائية لبناء الدولة على المليشيات وعلى التمييز بين المواطنين.

فالمليشيات التي اعتمد عليها نظام البشير في حروبه لم تتبخر بعد انتهاء مهمتها، بل تطورت، وتراكم سلاحها، واتسعت مصالحها، حتى خرج من رحمها الدعم السريع نفسه، أحد طرفي حرب الخامس عشر من أبريل.

فإذا كان لا بد من البحث عن الجذور العميقة للحرب الراهنة، فليبحث عنها الشيخ في الدولة الموازية التي بنتها الإنقاذ، وفي تعدد الجيوش، وفي تسليح المليشيات، وفي تحويل الولاء السياسي والعقائدي إلى معيار داخل القوات النظامية.

وليبحث عنها في نظام كان يخشى جيشاً وطنياً مهنياً واحداً، فأنشأ إلى جانبه قوى مسلحة متداخلة، ثم تركها تتصارع على جسد الوطن.

أما المواطن الذي خرج مطالباً بدولة مدنية، فقد كان يحاول منع هذه الكارثة، لا إشعالها.

🟡 فقه الطاعة أم فقه الاستسلام؟

ليس المقصود بفقه الطاعة ذلك المعنى الديني العام الذي يدعو إلى احترام النظام العام ومنع الفوضى؛ فكل دولة تحتاج إلى قانون وسلطة مشروعة.

لكن المشكلة تبدأ عندما تُنتزع نصوص الطاعة من سياقاتها، وتتحول إلى حصانة مطلقة للحاكم، مهما ظلم وقتل وانقلب على الدستور.

في خطاب شيوخ السلطان، لا يُسأل الحاكم كيف جاء، ولا كيف يحكم، ولا كم قتل، ولا كيف بدد المال العام. السؤال الوحيد هو؛ هل خرج الناس عليه؟

فإن خرجوا، أصبحوا هم الفتنة، حتى لو كان الحاكم قد جاء أصلاً بانقلاب، وأقام حكمه على السجون والتعذيب والحرب.

وهكذا يتحول فقه الطاعة من وسيلة لحماية المجتمع إلى أداة لحماية السلطة، ومن دعوة إلى تجنب الفوضى إلى دعوة للاستسلام للظلم، ومن اجتهاد فقهي قابل للنقاش إلى سيف مسلط على رقاب الشعوب.

وإذا كان طغيان الحاكم لا يبرر مقاومته، فما معنى الأمر بالعدل؟

وإذا كان قتل الناس لا يسقط شرعيته، فما معنى حرمة الدم؟

وإذا كان نهب الدولة لا يبيح مساءلته، فما معنى الأمانة؟

وإذا كان الانقلاب المسلح يمنح صاحبه حق الطاعة، بينما الاحتجاج السلمي يجعل المواطن عاصياً، فبأي ميزان ديني أو أخلاقي توزن الأمور؟

إن الطاعة في الدولة الحديثة لا تكون لشخص الحاكم بوصفه ظلاً لله في الأرض، وإنما للدستور والقانون والمؤسسات التي اختارها الناس.

فالحاكم موظف عام، لا إمام معصوم، والسلطة عقد ومسؤولية، لا تفويض سماوي.

لكن شيوخ السلطان يريدون علاقة أخرى؛ حاكم يأمر، وشعب يطيع؛ حاكم يقتل، وشعب يصبر؛ حاكم يفشل، وشعب يستغفر؛ ثم إذا انفجرت الدولة بسبب استبداده وفساد مؤسساته، قيل للشعب؛ هذه الحرب بسبب ذنوبكم.

🟣 شيوخ السلطان وصناعة البراءة للجلاد

شيوخ السلطان لا يكونون دائماً موظفين رسميين في القصر، ولا يحتاجون إلى حمل بطاقة عضوية في الحزب الحاكم. يكفي أن يؤدوا الوظيفة المطلوبة منهم؛ تبرئة السلطة، وإدانة المجتمع، وتقديم الصراع السياسي في صورة صراع بين الإيمان والكفر.

فالشيخ الذي يصمت عندما تقتل السلطة المتظاهرين، ثم يرفع صوته عندما يهتف المتظاهرون ضد الحاكم، ليس محايداً.

والشيخ الذي لا يرى فتنة في الانقلاب، لكنه يراها في العصيان المدني، ليس داعية إلى الاستقرار، بل حارساً للاستبداد.

والشيخ الذي لا يسأل من أطلق الرصاصة، بل يسأل عن ذنوب القتيل، لا يعظ الناس؛ إنه يشارك في دفن الحقيقة.

وخلال عهد الإنقاذ، تعرض المعارضون للاعتقال والتعذيب، وضُيقت الحريات السياسية والدينية، وقُمعت الاحتجاجات، وارتكبت أجهزة الدولة انتهاكات جسيمة بحق المعارضين والمتظاهرين.

فأين كان خطاب الغضب الديني أمام كل ذلك؟

لماذا لا تصبح سرقة الدولة حرباً على الله؟

لماذا لا يصبح تعذيب المعتقلين خروجاً على الشرع؟

لماذا لا يصبح قتل المتظاهرين معصية تستوجب سقوط الحاكم؟

لماذا تُستدعى السماء فقط عندما يهتز كرسي السلطان؟

الحقيقة أن هذا الخطاب لا يدافع عن الدين؛ إنه يستخدم الدين لإدارة الخوف.

فهو يخبر الفقير أن فقره بسبب ذنوبه لا بسبب الفساد، ويخبر المظلوم أن ظلمه اختبار لا جريمة، ويخبر الشعب أن سقوط الدولة سببه مطالبته بالحرية لا بسبب من دمروها، ويخبر الحاكم دائماً أنه أقل الناس مسؤولية.

🔵 الحرب ليست عقوبة إلهية على ثورة ديسمبر

الحروب الأهلية لا تبدأ لأن شعباً طالب بالحرية، ولا لأن النساء خرجن في المواكب، ولا لأن الشباب هتفوا ضد الدكتاتورية، ولا لأن السودانيين أرادوا دولة مدنية.

الحروب تبدأ عندما تُغلق السياسة، ويُحتكر القرار، وتُسلح الجماعات، ويضعف القانون، وتتعدد مراكز القوة، وتُترك الجرائم بلا حساب.

وحرب الخامس عشر من أبريل ليست لغزاً غيبياً يحتاج إلى شيخ كي يفسره، بل نتيجة سياسية وعسكرية لمسار معلوم.

فنظام الإنقاذ بنى دولة أمنية متعددة الجيوش، ثم سقط رأس النظام وبقيت مؤسساته المسلحة، ثم تقاسم الجنرالان السلطة بعد سقوط البشير، ثم شاركا في انقلاب الخامس والعشرين من أكتوبر، ثم اختلفا على السلطة ودمج القوات وترتيبات الانتقال، فتحولت شراكتهما إلى حرب.

أما الشعب السوداني، فقد كان طوال ذلك المسار يطالب بجيش واحد، ودولة مدنية، وسلطة خاضعة للمساءلة.

فكيف يصبح المطالب بإنهاء تعدد الجيوش هو مشعل الحرب بين جيشين؟

وكيف يصبح من هتف “حرية، سلام وعدالة” مسؤولاً عن حرب خاضها من امتلكوا الدبابات والطائرات والمدافع؟

إن هذا المنطق لا يخطئ في تفسير الحرب فحسب؛ إنه يهين ضحاياها.

فهو يقول للنازح إنك شُردت لأنك طالبت بالحرية، وللأم إن ابنك قُتل لأن الثورة أغضبت الله، وللمغتصبة إن الجريمة التي وقعت عليها جزء من عقاب سماوي، وللجائع إن حصاره نتيجة اختياره السياسي.

ولا أظن أن هناك إساءة إلى عدل الله أفدح من نسبة هذا الظلم إليه.

🟢 الدولة المدنية ليست حرباً على الدين

أما استخدام كلمة “العلمانية” كفزاعة، فهو أيضاً جزء من قاموس الإنقاذ القديم، الذي كان يصور كل دعوة إلى دولة المواطنة بوصفها مؤامرة على الإسلام.

لكن الدولة المدنية التي طالب بها السودانيون لم تكن مشروعاً لإغلاق المساجد أو منع العبادة، وإنما مشروعاً لمنع حزب أو شيخ أو حاكم من احتكار الدين وفرض تفسيره على المجتمع.

الدولة المدنية لا تقول للناس؛ اتركوا أديانكم. بل تقول للسلطة؛ لا تستخدموا أديان الناس لإخضاعهم.

وهي لا تهدف إلى طرد الدين من المجتمع، وإنما إلى منع إخضاع الدولة لجماعة دينية واحدة، لأن الدولة ملك لجميع مواطنيها، مسلمين ومسيحيين وأصحاب معتقدات أخرى، ومتدينين وغير متدينين.

إن أعظم حماية للدين ليست أن تجعله الدولة شعاراً رسمياً، بل أن تحمي حرية الإنسان في اعتناقه وممارسته، وألا تستخدمه لتبرير القتل أو التمييز أو الاستبداد.

وقد أثبتت تجربة الإنقاذ أن كتابة الشعارات الدينية على واجهة الدولة لا تجعلها عادلة.

فقد رفعت الإنقاذ راية الشريعة، بينما اتسعت في عهدها الحروب والفساد والقمع والانقسام، وانتهى مشروعها بانفصال الجنوب، وانهيار الاقتصاد، وتمدد المليشيات، ثم سقوط النظام في ثورة شعبية.

لم يفشل الدين؛ الذي فشل هو الذين استخدموه غطاءً لحكمهم.

🔴 السودانيون لا يحتاجون دولة دينية

لقد دفع السودانيون ثمناً باهظاً لكل تجربة اختلطت فيها السلطة بالمقدس، حتى أصبح نقد الحاكم خروجاً على الدين، والاحتجاج على الظلم فتنة، والمطالبة بالديمقراطية حرباً على الله.

واليوم، بعد كل هذا الدم والخراب والنزوح، لا يحتاج السودان إلى دولة تخبر الناس كيف يؤمنون، بل إلى دولة تحمي حقهم في الإيمان.

لا يحتاج إلى دولة تمنح صكوك التقوى، وتوزع تهم الكفر، وتختار للمواطنين عقائدهم، وإنما إلى دولة تقف على مسافة واحدة من الجميع، وتحفظ المساجد والكنائس ودور العبادة، وتحمي حرية الضمير، وتجعل المواطنة أساس الحقوق والواجبات.

فالدولة ليست نبياً، والحكومة ليست جماعة من الوعاظ، والدستور ليس كتاباً للعقيدة، والحاكم ليس وكيلاً عن الله.

وظيفة الدولة أن تصون الدم، وتقيم العدل، وتحمي الضعيف، وتمنع التمييز، وتخضع القوة للقانون.

فإن فعلت ذلك، فقد خدمت أعظم مقاصد الأديان، حتى لو لم ترفع شعاراً دينياً واحداً. وإن ظلمت وقتلت ونهبت وميّزت بين الناس، فلن يجعلها ترديد الآيات دولة إسلامية، ولن يحول الاستبداد إلى عبادة.

إن الإنسان هو محور الرسالات؛ من أجله حُرّم القتل، ومن أجله شُرع العدل، ومن أجله جاءت الرحمة، ومن أجله حُفظت النفس والكرامة والمال والحرية.

فأي دولة تهين الإنسان، ثم تزعم أنها تخدم الله، تكون قد نقضت المقصد باسم الشعار، وخانت الدين وهي تتحدث باسمه.

ولذلك، فإن معركة السودانيين اليوم ليست ضد الدين، بل ضد الكهنوت السياسي؛ وليست ضد المتدينين، بل ضد من يريد تحويل تدينه إلى سلطة على الآخرين؛ وليست من أجل دولة بلا قيم، بل من أجل دولة تُقاس قيمها بعدلها لا بخطب حكامها.

إن السودان لن يخرج من هذه الحرب بفتوى جديدة في طاعة السلطان، ولا بشيخ يطلب من الضحايا الاعتذار لجلاديهم، ولا بمشروع ديني آخر يعيد إنتاج الإنقاذ تحت اسم جديد.

سيخرج السودان عندما يقرر أنه لا قداسة في السياسة، ولا حصانة لحاكم، ولا جيش لحزب، ولا مليشيا لقبيلة، ولا امتياز لمواطن بسبب دينه أو عرقه، ولا سلطة لأحد على ضمير أحد.

هناك فقط يمكن أن يلتقي الدين مع الدولة لقاءً صحيحاً؛ الدين مصدراً للقيم والضمير والرحمة، والدولة مؤسسةً للعدل والقانون والمساواة.

أما الدولة التي يحتكرها حزب باسم الله، ثم يقتل بها عباد الله، فهي ليست دولة دينية؛ إنها سلطة دنيوية جشعة ترتدي عباءة الدين.

وأما الشيخ الذي يحمّل الشعب الأعزل مسؤولية حرب أشعلها المسلحون، فإنه لا يفسر إرادة الله، بل يكرر أقدم وظيفة لشيوخ السلطان؛ غسل يد الحاكم من الدم، ثم مطالبة الضحية بالتوبة عن جريمة لم ترتكبها.

ولهذا نقولها واضحة؛ لم يشعل السودانيون الحرب عندما ثاروا على البشير، بل حاولوا بثورتهم أن ينقذوا السودان من الحرب التي كانت تنمو في أحشاء دولته.

لم يحاربوا الله، وإنما حاربوا نظاماً ادعى الحديث باسمه. ولم تكن ديسمبر كفراً، بل كانت صرخة أخلاقية في وجه سلطة جعلت الدين ستاراً للاستبداد.

فمن أراد أن يبحث عن خطيئة هذا الشعب، فلن يجدها في ثورته، وإنما في طول صبره على من ظلموه.

ومن أراد أن يبحث عن أصل الحرب، فلا ينظر إلى ساحات المتظاهرين، بل إلى مخازن السلاح، وغرف المؤامرات، ومؤسسات الدولة الموازية التي أنشأتها الإنقاذ.

أما الله، جلّ عدله، فلا يُستدعى شاهداً لتبرئة القتلة، ولا تُنسب إليه حروب الطامعين في السلطة.

ذلك هو دِين السلطان… وليس دِين الله.

khirawi@hotmail.com

Author
علاء خيراوي

علاء خيراوي

شارك هذا المقال
Email Copy Link Print

مصدرُك الموثوق للأخبار والتحليلات والآراء الدقيقة!

نقدّم تغطية دقيقة ومتوازنة، إلى جانب تحليلات معمّقة وآراء متنوعة تساعدك على فهم ما وراء الخبر. تابع آخر المستجدات والرؤى أولًا بأول.
3.5KLike
140Follow
5.5KFollow

يتصفح زوارنا الآن

منبر الرأي
تزييف
منبر الرأي
 عَلَى كُرْسِيِّه الْمُتَحَرِّكِ
منبر الرأي
ما الذي يحدث على مستوى المجموعات الإسفيرية ؟؟
منبر الرأي
لهجة امدرمان 2 .. بقلم: شوقي بدري
الأخبار
جهاز الامن يصادر عدد اليوم من (الجريدة)

مقالات ذات صلة

منبر الرأي

انت جادى يا قوش .. بقلم: سعيد عبدالله سعيد شاهين

سعيد عبدالله سعيد شاهين
منبر الرأي

السودان مفتاح الصحوة الافريقية !؟ …. بقلم: آدم خاطر

أدم خاطر
منبر الرأي

المجتمع المدني والتمويل الأجنبي .. بقلم: د. حيدر إبراهيم علي

د. حيدر إبراهيم
منبر الرأي

الصفقة ووصفة الحرب القادمة …. بقلم: حسن احمد الحسن/ واشنطن

حسن احمد الحسن
مساحة اعلانية
سودانايل
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
تصميم وتطوير JEDAR
Facebook Rss