كلمة “تمرد” ارتبطت في ذهنية السودانيين بالسلبية، لكن في الواقع التمرد رد فعل طبيعي يحدث حتى على مستوى الأسرة الصغيرة المكونة من أب وأم وأبناء وبنات، ودافع تمرد الابن دائماً يكون بعد النضج واكتمال وعيه، فد يرى في الأب ذلك الدكتاتور القاهر الذي لا يدع له طريقه الخاص ليمضي فيه، وقد تكون الأم دكتاتورية وطاغية تدفع الفتيات الى الخروج من بيت طاعتها باكراً، بالنظر الى تمرد بعض المجموعات التابعة لقوات الدعم السريع وانسلاخها ثم اعلان انضمامها للجيش الذي تسيطر عليه الحركة الإرهابية، والذي قاد حرباً مدبرة ومخطط لها من قبل نفس هذه الحركة الإرهابية ضد قوات الدعم السريع قبل ثلاثة أعوام، تكبد فيها خسائر في الارواح والمعدات واضطرته هذه القوات الى هروب قيادته الى مدينة بورتسودان، حيث يدير عملياته العسكرية من هناك، وقد فشل هذا الجيش فشلاً ذريعاً في مواجهة قوات الدعم السريع وحسمها عسكرياً، ونتيجة لهذا الفشل ذهب الى اكثر الوسائل جبناً باستدعاء حلفاءه الذين مدوه بالسلاح الكيميائي المحرم دولياً، والذي كان سبباً في تحقيق نصر غير مستحق، بخوضه لعمليات عسكرية غير متكافئة وغير ملتزمة بقانون حظر الأسلحة الكيميائية، فانسحبت قوات الدعم السريع من اكثر المناطق أهمية وحصرت نفسها في دارفور وكردفان وجنوب النيل الأزرق، وقد دفعت قيادة الدعم السريع ثمن اتباعها لقواعد الاشتباك ومراعاتها لموجهات القانون الدولي الإنساني وتفاديها للاصطدام بالمدنيين والأعيان المدنية، بعكس الجيش الذي فعل كل الموبقات.
كان خطأ جسيماً استجابة قوات الدعم السريع لإعلان مبادئ منبر جدة، منبر الفتنة الذي كان يكيد لها كيدا عظيما، رغم انطلاقه من اكثر الأماكن قداسة بالنسبة للمسلمين، ومن أكبر الأثمان التي دفعها قائد قوات الدعم السريع في عدم قضائه على قيادة الجيش عندما كانت قابعة في جحر ضب خرب، وكان هو الممسك بزمام المبادرة في شن الهجمات، كانت تلك “دقسة المعلم” كما يقولون، التي فتحت المجال لقائد جيش الإرهاب لأن يهرب ويستعيد أنفاسه ثم يقذف بالسم الكيماوي على رؤوس القوات التي اجبرته على المكوث داخل الجحر ربع عام، وبما أن جيش بهذا المستوى من عدم الوازع الأخلاقي، فانه لا يتورع في استخدام آلته الاستخبارية الخبيثة المتخصصة في فتنة القبائل، فبدأ سيناريو مغازلة المتململين من أبناء بعض القبائل الداعمة لقوات الدعم السريع، وخاصة رهط الشيخ موسى هلال لما بين الرجلين من غل وماضي غارق في الخلاف الذي احدثته ذات استخبارات الجيش الإرهابي، في أواخر حقبة مجرم الحرب البشير، هذا لا ينفي أخطاء قيادة قوات الدعم السريع في معالجة المشاكل القبلية داخل المؤسسة، بعدم التخلص من الكادر القديم التابع للنظام البائد الذي سيفه معها وقلبه مع بورتسودان، هذا الكادر الموالي لحزب المؤتمر الوطني البائد، مارس انتهازية واضحة في تسلق مؤسسات حكومة التأسيس التي عظم جيشها هو قوات الدعم السريع، وهذا الكادر لا يؤتمن ولا يؤمن جانبه.
لو كان لحكومة تأسيس “جهاز مخابرات” مهني لتمكن من كشف التمدد السرطاني كادر النظام القديم الخبيث بالدليل والبرهان، هذه مجمل الأسباب التي كانت وراء تمرد بعض الجماعات العسكرية القبلية على قيادة قوات الدعم السريع، والحل يكمن أولاً في سرعة البت في تفكيك التمكين الجديد الذي بدأ مع تكوين الإدارات المدنية، وادى لتغلغل كادر المؤتمر الوطني داخل المؤسسات، وثانياً وضع حد للمواجهات القبيلة بين مكونات القوات، وآخرها الصدام بين قبيلتي السلامات والبني هلبة، فمتى نسمع عن تفكيك النظام البائد بمؤسسات ولايات دارفور وكردفان التي تقع تحت سيطرة قوات الدعم السريع والجيش الشعبي وحركات الكفاح المسلح؟، هذا التفكيك تلقائياً يعمل على الانسجام التام بين المكونات الاجتماعية ويجعل الطريق سالكاً لقيام بنيان تأسيس الدولة العلمانية، ومن أراد علمانية مع وجود كادر المؤتمر الوطني فهو حالم، لأن نفس هذا الكادر قد نحر هذا الحلم منذ ستينيات القرن الماضي، ولا عزاء لمن يرجو منه خيراً، فالانشقاقات التي ضربت القوات مكمن انطلاقها هو الخيوط المرتبطة بالنظام القديم والتي ما زال حبل الود والوصال بينها وبين بورتسودان ممدودا، ولو كانت هنالك حسنة واحدة لحكومة تأسيس في هذا الصدد، فهي وجود حائط سد منيع مدافع عن التيار العلماني ممثل في الحركة الشعبية، فالمضاد الحيوي لفيروس فلول النظام القديم هو العلمانية التي ما إن ذكرت ارتعدت جنوبهم وهم رقود، إن بناء الدولة أيها المؤسسون لا يقبل الحلول الوسطى التي تراوح مكانها بين الجنبة والنار.
إسماعيل عبدالله
Ismeel1@hotmail.com
