كتبه محمد سليمان علي
ما بين البيانات العسكرية وصور المعارك تبقى تفاصيل كثيرة لا تجد طريقها الى العلن. تفاصيل الرجال، واللحظات التي غيرت مسار الايام، والوجوه التي بقيت خلف الاسوار حين غادر كثيرون المكان. هذه محاولة للاقتراب من جانب من ملحمة سلاح المدرعات، من لحظات الاستعداد والترقب الى ايام الهجوم والحصار، دون ادعاء الاحاطة بكل فصول المعركة التي ما زالت تحمل في ذاكرتها الكثير من الحكايات.
منذ اندلاع الحرب في الخرطوم لم تعد منطقة الشجرة مجرد موقع عسكري على خريطة القتال. فالموقع الذي يقع وسط احياء جبرة والنزهة والحماداب ويثرب جنوبا، ويمتد تأثيره الى شرفات اللاماب غربا والرميلة وغزة شمالا، وجد نفسه في قلب معركة تجاوزت حدود المكان.
كان سلاح المدرعات بالنسبة لكثيرين اكثر من ثكنة عسكرية. كان اسما ارتبط بصورة مدينة تحاول الصمود وهي تفقد شيئا فشيئا تفاصيل حياتها اليومية. ولهذا اصبح الاقتراب منه هدفا دائما، وتوالت المحاولات لاختراق اسواره، مرة بالقوة المباشرة ومرة بالضغط الطويل، لكن الموقع ظل واقفا.
في الجهة الاخرى من المشهد كانت جبرة تعيش وجها مختلفا للحرب.
كانت رياح الغروب تمر فوق الازقة الخالية، فوق الابواب التي اغلقتها الحرب قبل ان تغلقها الايدي. شوارع كانت تعرف اصوات الباعة وخطوات المارة وضحكات الاطفال، اصبحت صامتة الا من وقع الريح وغبار يغطي الاشياء التي تركها اصحابها خلفهم وهم يرحلون على عجل.
وقريبا من مضمار سباق الخيل كان المشهد اكثر قسوة. خيول اعتادت ان تركض خلف صافرة البداية وجدت نفسها تمضي بلا فارس، تهيم في طرقات فقدت ملامحها، وتطلق صهيلها في الفراغ كأنها تبحث عن يد اعتادت عليها، او عن اسطبل كان يوما مكانها الطبيعي، او عن حياة توقفت فجأة دون ان تعرف السبب.
كانت تلك الخيول صورة مختصرة لمدينة فقدت كثيرا من تفاصيلها. مدينة بقيت تنتظر عودة اصواتها من خلف صمت طويل.
وعلى مسافة قريبة من ذلك الخراب كانت اسوار سلاح المدرعات في الشجرة تقف وسط العاصفة.
كانت قيمة المكان تتجاوز الاسمنت والحديد؛ فقد ارتبطت بالرجال الذين بقوا داخله، وبالمعنى الذي اكتسبه الموقع مع امتداد المعركة..
خلف السواتر كان الجنود يدافعون عن احياء يعرفون شوارعها، وعن بيوت تركوا فيها ذكرياتهم، وعن فكرة بسيطة تقول ان المدينة لا يمكن ان تترك بلا حارس.
ومع طول الحصار تغيرت طبيعة المعركة داخل المدرعات. لم تعد المواجهة تعتمد على السلاح فقط، بل على القدرة على التنظيم وحساب كل خطوة. التقت خبرات ضباط الكلية الحربية مع ابناء المنطقة والمتطوعين الذين دخلوا الخندق نفسه. كانت الخرائط والحسابات والرصد جزءا من يوميات الموقع، مثلما كانت البنادق والمدافع.
في ممرات المبنى بقيت الحرب حاضرة حتى في لحظات الهدوء. وجوه غابت، وذكريات بقيت. رفاق سقطوا في المواجهات السابقة ولم يكن هناك وقت طويل للوداع، فالموقع في حالة قتال مستمر. دفن بعضهم داخل المبنى قريبا من رفاقهم، وكأنهم اختاروا ان يبقوا في المكان الذي دافعوا عنه حتى النهاية.
وبقيت اسماء رجال ارتبطت بهذه الاسوار. رجال جاءوا من جبهات مختلفة، حملوا تجاربهم ثم وجدوا انفسهم في واحدة من اعقد معارك الخرطوم. لم تبق قصتهم في سجلات فقط، بل بقيت بين الذين عاشوا معهم الايام الطويلة خلف المتاريس.
ولم تكن قصة المدرعات معركة واحدة، بل سلسلة من المواجهات امتدت عبر ايام وليال. من ابراج الرواد بالقرب من مقابر الرميلة، الى الاشتباكات القريبة عند السور الغربي، الى اللحظات التي اصبحت فيها المسافة بين الطرفين قصيرة جدا.
كل محاولة كانت تحمل معها اعتقادا بأن الضغط المستمر سيجبر الموقع على الانهيار. لكن ما لم يكن ظاهرا للخصم ان المعارك الطويلة لا تحسم دائما بما تملكه من قوة فقط، بل بما يملكه الرجال من قدرة على الاحتمال.
وفي احدى الليالي الطويلة، وبينما كانت اصوات القصف تأتي من بعيد، كان احد الجنود يراقب الظلام خلف الساتر ثم قال لرفيقه:
“الشجرة دي لو سقطت تاني… الحسابات كلها بتتغير.”
لم تكن الجملة مجرد قراءة عسكرية للموقف، بل كانت تلخيصا لفهم الرجال لما يمثله المكان. كانوا يعرفون ان المعركة حول الشجرة تجاوزت حدود السور، وان سقوط الموقع سيغير شكل المواجهة في الخرطوم كلها.
ثم جاءت موجة الهجوم الجديدة.
مع غروب ذلك اليوم تغير شكل السماء. تصاعد الدخان، واهتزت الارض تحت اصوات القصف، وتحركت اليات الهجوم تحت غطاء كثيف من النيران والمسيرات في محاولة لفتح الطريق نحو الاسوار.
من الخارج بدا المشهد وكأن لحظة النهاية اقتربت. قوة تتقدم، ونيران كثيفة، وثقة بأن الحصن الذي صمد طويلا وصل الى لحظة الانكسار.
لكن داخل الاسوار كان الهدوء مختلفا.
لم يكن هدوء من ينتظر السقوط، بل هدوء رجال يعرفون ان لكل معركة لحظة فاصلة.
راقبت العيون الاقتراب، وانتظرت المواقع اللحظة التي يصبح فيها القرار اكثر تأثيرا. كانت كل خطوة محسوبة، وكل حركة لها توقيتها.
اقتربت الاليات اكثر.
كان من في الخارج يرون المسافة الاخيرة طريقا مفتوحا نحو الهدف، لكنهم لم يدركوا ان الاقتراب من الاسوار لم يكن دائما طريقا للعبور.
وعندما وصلت المواجهة الى لحظتها الحاسمة تغير المشهد.
تحول الاندفاع الى ارتباك، وتحولت الثقة الى محاولة للخروج من دائرة النار. الحلم الذي حملته القوة المهاجمة معها بالوصول الى قلب القلعة توقف عند الاسوار.
بقي الرجال في مواقعهم. بعضهم يحمل جراحه، وبعضهم انهكه طول الايام، لكن الجميع كان يعرف ان المعركة لم تعد حول مبنى فقط، بل حول قدرة الانسان على البقاء حين تصبح الايام نفسها اختبارا.
ومع انقشاع الدخان بقيت اسوار المدرعات واقفة.
وفي طرقات جبرة والنزهة عادت الخيول الهائمة الى صورتها الاولى، تمضي في الشوارع الصامتة كأنها تنتظر يوما تعود فيه الحياة الى البيوت، وتعود الخطوات الى الارصفة، وتستعيد المدينة شيئا من ملامحها التي اخذتها الحرب.
وربما كانت حكاية المدرعات اكبر من معركة حول موقع عسكري. كانت صورة مصغرة لوطن كامل يبحث وسط الخراب عن مكان يقف فيه، وعن معنى لا يسقط حتى عندما تتهاوى حوله اشياء كثيرة.
ففي الشجرة بقيت حكاية واحدة:
ان بعض الاحلام لا تتحطم الا عندما تصطدم باسوار قررت الا تسقط.
rw3ams@gmail.com
