يُحكى أن عقربًا طلب من ضفدع أن يحمله على ظهره ليعبر به إلى الضفة الأخرى من النهر. تردد الضفدع وقال: كيف آمن لك وأنت معروف بلدغاتك؟ فأجابه العقرب: كيف ألدغك وأنا فوق ظهرك؟ لو فعلت ذلك لهلكنا معًا.
اطمأن الضفدع، وحمله حتى وصلا إلى الضفة الأخرى. وما إن وطئت قدما العقرب اليابسة حتى غرس إبرته في جسد الضفدع. وقبل أن يلفظ الضفدع أنفاسه الأخيرة، سأله في حسرة: لماذا؟ فأجابه العقرب: لأن هذا هو طبعي، ولا أستطيع أن أكون غير ذلك.
ورغم أنها مجرد حكاية رمزية، فإنها كثيرًا ما تُستحضر لوصف جماعات أو حركات سياسية يرى منتقدوها أنها لا تغيّر مناهجها بتغيّر الظروف، وأنها تتعامل مع الوعود والاتفاقات باعتبارها وسائل مرحلية لتحقيق أهدافها، لا التزامات نهائية يجب الوفاء بها.
ومن هذا المنطلق، أرى – ويرى كثيرون غيري – أن تجربة الإسلام السياسي، في السودان كما في بلدان أخرى، أظهرت نمطًا متكررًا من نقض العهود، وإقصاء الخصوم، والتعامل مع التسويات باعتبارها تكتيكًا مؤقتًا لا خيارًا استراتيجيًا، بينما ظل الهدف النهائي هو الاحتفاظ بالسلطة أو استعادتها متى ما تهيأت الظروف.
وفي السودان، يصعب تجاوز تجربة الحركة الإسلامية التي انقلبت على الديمقراطية الثالثة، وأقامت نظامًا حكم البلاد لعقود، احتكر خلالها السلطة والثروة، وأضعف مؤسسات الدولة، وأدخل البلاد في دوامة من الحروب والانقسامات، وانتهى الأمر بانهيار المشروع الذي رفع شعاراته الأولى، لتدخل البلاد، منذ اندلاع حرب 15 أبريل 2023، في واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية والسياسية في تاريخها الحديث.
وبرأي منتقدي الجيش، فإن تعثر المبادرات الرامية إلى وقف الحرب يعود، في جانب منه، إلى تمسك القيادة العسكرية وحلفائها الإسلاميين بخيار الحسم العسكري، وعدم الاستعداد لتقديم التنازلات التي تتطلبها أي تسوية سياسية حقيقية.
ويستند أصحاب هذا الرأي أيضًا إلى ما يصفونه بالسجل الدموي للحرب، ويشيرون إلى اتهامات وتقارير تحدثت عن انتهاكات جسيمة طالت المدنيين، وعن مزاعم باستخدام مواد كيميائية محظورة دوليًا، وهي ادعاءات تستوجب تحقيقًا دوليًا مستقلًا لتحديد المسؤوليات. وفي المقابل، يرى هؤلاء أن قوات “تأسيس” أعلنت التزامها بقواعد الاشتباك المنصوص عليها في القانون الدولي الإنساني، وأن هذا الالتزام يمثل، في نظرهم، فارقًا مهمًا بينها وبين خصومها.
وفي تقديري، فإن بناء دولة سودانية مستقرة لن يكون ممكنًا إلا بقيام مؤسسات مستقلة، وسيادة حقيقية للقانون، وجيش قومي مهني يخضع للسلطة المدنية المنتخبة، وضمان عدم احتكار أي تيار سياسي للسلطة أو أدوات القوة. فالدولة الحديثة لا تُبنى بالغلبة، وإنما بالمواطنة المتساوية، والتعددية السياسية، والتداول السلمي للسلطة.
ويبقى السؤال الجوهري: إذا كان أحد أطراف الصراع لا يرى في التفاوض سوى وسيلة لكسب الوقت أو تحسين موقعه العسكري، فهل يمكن أن يقود التفاوض وحده إلى سلام دائم؟ أم أن نجاح أي عملية سياسية يتطلب أولًا تغييرًا في موازين القوى، بما يجعل احترام الاتفاقات مصلحة مشتركة لجميع الأطراف؟
ومن هنا، يرى مؤيدو التحالف مع “تأسيس” – وأنا أحدهم – أن هذا الخيار ليس ترفًا سياسيًا، بل استحقاق فرضته طبيعة الصراع. ويستند هذا الرأي إلى قناعة بأن مواجهة تنظيم يتمتع، بحسب هذا الطرح، بنفوذ واسع داخل مؤسسات الدولة العسكرية والأمنية لا يمكن أن تعتمد على الوسائل السياسية وحدها، وإنما تحتاج أيضًا إلى خلق توازن جديد يفتح الطريق أمام تسوية سياسية حقيقية.
وليس هذا النهج جديدًا في التاريخ السياسي السوداني؛ فقد سبق للمعارضة، في مطلع تسعينيات القرن الماضي، أن أسست التجمع الوطني الديمقراطي، الذي ضم الأحزاب السياسية والحركات المسلحة في مواجهة نظام الإنقاذ، انطلاقًا من قناعة بأن العمل السياسي وحده لم يكن كافيًا لإحداث التغيير.
فما الذي تغيّر اليوم؟ وإذا كان التحالف بين القوى المدنية والحركات المسلحة قد عُدّ آنذاك خيارًا مشروعًا في مواجهة نظام الإنقاذ، فلماذا يرفضه بعضهم اليوم في مواجهة قوى يعتبرها آخرون امتدادًا لذلك المشروع؟
إن الإجابة عن هذا السؤال ستحدد ما إذا كان السلام في السودان يمكن أن يتحقق عبر التفاوض وحده، أم أن التفاوض لا يصبح مجديًا إلا عندما يستند إلى ميزان قوى جديد يضمن تنفيذ أي اتفاق وعدم الانقلاب عليه.
فالسلام ليس مجرد توقيع على ورق، بل هو نتاج إرادة سياسية، ومؤسسات قادرة على حمايته، وتوازن يمنع أي طرف من احتكار الدولة مرة أخرى. وما لم تتوافر هذه الشروط، فإن الاتفاقات ستظل معرضة للانهيار، وسيبقى السودان يدور في الحلقة نفسها التي أنهكته لعقود.
طلعت محمد الطيب
talaat1706@gmail.com
