لم تكن الحرب في السودان مجرد صراع بين قوى متنافسة، بل كانت اختبارا للمواقف والضمائر. وبين من اختار الانحياز لطرف، ومن اختار الوقوف على مسافة واحدة من الجميع، بقي السؤال قائما: هل يكفي رفض الحرب لصناعة موقف عادل؟ أم أن العدالة تتطلب أيضا معرفة المسؤوليات والتمييز بين الأطراف؟
لا خلاف على أن الحرب في السودان مأساة وطنية وانسانية، وأن الجرائم لا تصبح مقبولة بسبب الشعارات أو المبررات السياسية. كما أن استقلال الضمير ورفض التبعية لأي طرف قيمة لا يمكن الاعتراض عليها.
وليس الاعتراض على شعار “لا للحرب”، فهو تعبير طبيعي عن رفض الدمار وسقوط الضحايا. لكن الاشكال يبدأ عندما يتحول هذا الشعار من دعوة لايقاف المأساة إلى موقف يساوي بين الجميع في المسؤولية، أو يصبح سببا للابتعاد عن سؤال مهم: من تسبب في هذا الالم؟ ومن دفع ثمنه؟
فرفض الاصطفاف لا يعني بالضرورة الوقوف على المسافة نفسها من كل الاطراف، كما أن غياب طرف كامل اخلاقيا لا يعني أن مسؤوليات الجميع متساوية. فالحروب نادرا ما تكون بين طرف كامل وطرف شرير بالكامل، لكن هذا لا يلغي وجود فروق في المسؤولية والقدرة على الفعل والتأثير.
ليس المطلوب من الانسان أن يتحول إلى تابع لأي طرف، بل أن يبحث عن الحقيقة والعدالة. فهناك فرق بين تأييد طرف في كل ما يفعل، وبين الحكم على فعل محدد أو انتهاك محدد أو تحميل جهة مسؤولية محددة. فالتمييز بين المسؤوليات لا يعني تبرئة طرف، كما أن رفض جريمة ما لا يعني بالضرورة الانضمام إلى طرف آخر.
المشكلة في خطاب “لا ننحاز لاحد” أنه قد ينتقل احيانا من رفض التبعية إلى رفض الحكم نفسه. فبدل أن يكون السؤال: من ارتكب ماذا؟ ومن يتحمل المسؤولية الاكبر؟ يصبح التركيز فقط على أن الجميع اخطأوا، وكأن وجود اخطاء لدى أكثر من طرف يلغي ضرورة معرفة حجم الافعال واثارها.
نعم، يجب رفض الجرائم ومحاسبة كل من انتهك حقوق الناس، لكن هناك فرقا بين رفض الجريمة ورفض البحث عن المسؤول عنها. فالعدالة لا تكتفي بوصف الالم، بل تحاول معرفة اسبابه ومصدره.
فالاسرة التي فقدت منزلها، والام التي تنتظر عودة ابنها، والطفل الذي انقطع عن مدرسته، لا تشغلها كثيرا الحسابات النظرية حول المسافة المتساوية بين الاطراف. ما يعنيها أن تعرف لماذا حدث هذا، ومن يملك القدرة على ايقافه.
عندما تصبح كل الاطراف في صورة واحدة، تضيع الفروق بين الضحية والمسؤول، وتختلط الاولويات. فليس كل من اخطأ في الحرب يتحمل الدرجة نفسها من المسؤولية، وليس كل من تضرر منها يقف في المسافة نفسها مع من صنع قراراتها.
الضمير لا يكتمل بمجرد رفض تقديس هذا الطرف أو ذاك، بل يحتاج ايضا إلى شجاعة التمييز بين المسؤوليات. فرفض تحويل طرف إلى مقدس لا يعني وضع الجميع في خانة واحدة.
السودان لا يحتاج فقط إلى اصوات تقول “لا للحرب”، بل يحتاج إلى اصوات تملك شجاعة النظر إلى الصورة كاملة، والتمييز بين من اشعل المأساة ومن اكتوى بها، بين من يملك القرار ومن يدفع الثمن.
السلام لا يحتاج إلى تجاهل الحقيقة، والعدالة لا تتحقق عندما نضع الجميع في خانة واحدة. فالوطن لا ينقذ بالوقوف في المنتصف دائما، بل بالوقوف في المكان الذي تفرضه الحقيقة.
الحقيقة ليست دائما في المنتصف.. والعدل ليس دائما هو الوقوف على المسافة نفسها من الجميع.
rw3ams@gmail.com
